قراءة الحائض للقرآن ومسها للمصحف ودخولها المسجد

منذ 2008-10-16
السؤال: وردتني عدة أسئلة من مجموعة من الأخوات حول قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد، وطلبن توضيح هذه المسائل.
الإجابة: هذه المسائل مما اختلف فيها أهل العلم وتعددت الأقوال فيها، ولكل قول حجته ودليله، والقول الذي أرجحه في هذه المسائل هو التالي:

. أولاً: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم من حفظها على أصح قولي العلماء في المسألة، وهو مذهب الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجح هذا القول الشوكاني والشيخ الألباني، وهو الذي أرجحه حيث إنه لم يثبت دليل صحيح صريح على منع الحائض من قراءة القرآن الكريم من حفظها. وأما ما روي في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم)، فهو حديث ضعيف عند المحدثين.
قال البيهقي: "فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق... وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء وليس بقوي" (السنن الكبرى 1/89).
وعلق العلامة الألباني على كلام البيهقي السابق بقوله: "قلت: وهذا من روايته عن أهل الحجاز فهي ضعيفة، وقال العقيلي: قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش..." (إرواء الغليل 1/207).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحديث السابق: "وهو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث" (مجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/460).
وقال الشوكاني: "الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها. وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة وسبقه إلى نحو ذلك البخاري وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى، ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى... وقال أبو حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر‏. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل أنكر على إسماعيل بن عياش‏. والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب وقد عرفت بما ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به على ذلك وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا‏. ويدل أيضاً على تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم، والحديث هذا والذي بعده لا يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل‏" (نيل الأوطار 1/266- 267).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "وقال شيخ الإسلام: إنه ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي:
1 - أن الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع.
2 - إن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه، فمن أخرج شخصاً عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل، وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع، فإنها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يمكن أن تقاس على الجنب بجامع لزوم الغسل لكل منهما بسبب خارج؟ أجيب: أنه قياس مع الفارق، لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالاغتسال، وأما الحائض فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع، وكذا فإن الحائض مدتها تطول غالباً، والجنب مدته لا تطول لأنه سوف تأتيه الصلاة، ويلزم بالاغتسال والنفساء من باب أولى أن يرخص لها، لأن مدتها أطول من مدة الحائض، وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله مذهب قوي. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة، فلماذا لا نجعل المسألة معلقة بالحاجة، فإذا احتاجت إلى القراءة كالأوراد، أو تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تحتاج إلى تعليم أولادها أو البنات في المدارس فيباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأحوط، وهي لن تحرم بقية الذكر. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهباً قوياً" (الشرح الممتع 1/ 291-292).

. ثانياً: قراءة الحائض للقرآن من المصحف مع مسه: إن كثيراً من أهل العلم لا يجيزون للحائض أن تمس المصحف لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [سورة الواقعة الآية 79]، واحتجوا بما ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (رواه مالك والدارقطني والطبراني وغيرهم)، وقال عنه العلامة الألباني: "وجملة القول: إن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضاً إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لاسيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضاً صاحبه الإمام إسحق بن راهويه" (إرواء الغليل 1/160-162).

وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى جواز مس الحائض للمصحف، وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان وقولهم قوي ولهم أدلتهم وأهمها: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن لا ينجس" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية للبخاري: "إن المسلم"، وقد أجابوا هؤلاء العلماء عن أدلة المانعين بأن الآية الكريمة: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} ليست في محل النزاع، لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. وأما حديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر"، فالصحيح أن كلمة طاهر، لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة، وصرفه إلى واحدٍ من هذه المعاني يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، فلا يسلم الاحتجاج به على منع الحائض من مس المصحف.
قال الشوكاني: "والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهراً، ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة... ‏ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين‏. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث: "المؤمن لا ينجس‏" ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث: "المؤمن لا ينجس‏".
قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: "إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة" (نيل الأوطار 1/243-244).

. ثالثاً: دخول الحائض للمسجد: يجوز للحائض أن تدخل المسجد إن أمنت من تلويثه على الراجح من أقوال أهل العلم، وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي، وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. واختار هذا القول العلامة الألباني كما في (تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص 119). ويدل على الجواز البراءة الأصلية، لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد.

وأما ما روي في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض" فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وممن ضعفه الخطابي والبيهقي وعبد الحق الإشبيلي والنووي والألباني، وبالغ ابن حزم فقال: "إنه باطل" انظر (المحلى 1/401)، (خلاصة الأحكام 1/206-210)، (إرواء الغليل 1/162).

ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة، فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. وغير ذلك من الأدلة.

.. وخلاصة الأمر: أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من حفظها، ويجوز لها أن تمسه ولكن خروجاً من الخلاف فأرى أن تمسه بحائل مثل كفوف اليدين، ويجوز لها أن تدخل المسجد بشرط أن تأمن من تلويثه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.