الدَّليل الشرعيّ على "الهيئة" في السعوديَّة

منذ 2012-12-31
السؤال:

ما الدَّليلُ الشَّرعيُّ على ما فعلتْهُ المَمْلكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ من إيجاد جِهازٍ خاصٍّ بالأمر بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر، يُسمَّى "هيئةُ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر"؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فإنَّ الدَّليلَ على ما فَعَلتْهُ المملكةُ العربيّةُ السُّعوديةُ مِن إيجادِ جِهازٍ خاصٍّ بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر هو قولُه تعالى: {} [آل عمران: 104]، ففي الآيةِ الكريمةِ أمرٌ لجميعِ الأمَّة أنْ يكونَ مِن بينِها جماعةٌ مهيَّئةٌ للأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر، صالِحةٌ لذلكَ، متصدِّيةٌ لِهذا الشَّأنِ، قائِمةٌ به على وجهٍ يكفي في البلاغِ والموعظةِ، وتصْلُح به أحوالُ الأمَّة، فإذا قامَ بذلِك جماعةٌ سَقَط الواجبُ عنِ الباقينَ، وإلا أَثِمَ الجميعُ كما هو الشَّأنُ في فُروضِ الكِفايةِ.

وَوِلايةُ الحِسْبةِ -التي وَظِيفَتُها الأساسيّةُ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عنِ المنكَر- وُجِدَت في العالم الإسلاميّ مِن أيّامِ الخُلفاءِ الرَّاشدين ثم الدَّولةِ الأُمويَّةِ والعبّاسيةِ إلى أيّام الدولةِ العثمانيّةِ مثلُ وِلايةِ القضاةِ وأهلِ الدِّيوانِ ونحوهِم، إلى أنْ أُلْغِيَتْ مِن أكثرِ بِلادِ المسلمينَ في عصور الضعف والتبعية، فألْغاها في مِصرَ أحدُ أَبناءِ محمَّد علي، وكان مُتَولِّي الحِسبةِ يَأمُر العامَّةَ بالصَّلواتِ الخمسِ في مَواقِيتِها وَيُعاقِبُ مَن لَمْ يُصلِّ بالضَّربِ والحبْسِ، ويأمرُ بالجُمُعةِ والجَماعَةِ وأَداءِ الأَمانَةِ، ويتَفقَّدُ الأسواقَ وأحوال المكاييلِ والموازينِ وغيرها الكثير مما تدخله الحسبة.

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: "وجميعُ الوِلاياتِ الإسلاميّةِ إنَّما مقصودُها الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر سواءٌ في ذلكَ وِلايةُ الحربِ الكُبرى: مِثلُ نيابةِ السَّلطنَةِ، والصُّغرى: مثلُ وِلاية الشُّرطةِ، وَوِلايةِ الحكْم؛ أو وِلاية المالِ وهي وِلايةُ الدَّواوين الماليّة، وَوِلاية الحسْبَة.
لكنْ منَ المتوَلِّين مَنْ يكونُ بِمَنزلةِ الشَّاهد المؤْتَمنِ والمطلوبُ منِه الصِّدقُ".

وقالَ: "أمَّا المحتَسِبُ فَلَه الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المنكَر ممَّا ليسَ مِن خَصائصِ الوُلاةِ والقُضاةِ وأهلِ الدِّيوانِ ونحوهِم، وكثيرٌ مِنَ الأمورِ الدِّينيةِ هو مُشتركٌ بينَ وُلاةِ الأمورِ؛ فمَنْ أدَّى فِيه الواجبَ وَجَبتْ طاعتُه فيه، فَعَلى المحتَسِبِ أنْ يأمرَ العامَّةَ بالصَّلواتِ الخمسِ في مَواقِيتِها ويُعاقِبُ مَنْ لَمْ يُصلِّ بالضَّربِ والحبسِ؛ وأمَّا القتلُ فإلى غَيرِه، ويتعهَّد الأئمةَ والمؤذِّنينَ؛ فَمَنْ فرَّطَ مِنْهم فيما يجبُ مِن حُقوقِ الإمامةِ أوْ خرَجَ عنِ الأذانِ المشروعِ ألَزَمَهُ بذلكَ، واسْتعانَ فيما يعجِزُ عنه بوالي الحربِ والحكمِ، وكلّ مُطاعٍ يُعينُ على ذلكَ... ويأمرُ المحتَسِبُ بالجمعةِ والجماعاتِ وبِصدقِ الحديثِ وأَداءِ الأماناتِ وينْهى عنِ المنكَراتِ: مِنَ الكذِبِ والخيانةِ، وما يدخلُ في ذلك مِن تطْفيفِ المِكيالِ والميزانِ، والغشِّ في الصِّناعاتِ والبِياعاتِ والدِّياناتِ ونحْو ذلكَ؛ قالَ اللهُ تعالى: {} [المطففين: 1]... وهذا بابٌ واسِعٌ قدْ صنَّفَ فيه أهلُ الخبرةِ ما لا يحتَملُ ذِكْره في هذا الموضعِ، ويدْخلُ في المنكَراتِ ما نهى اللهُ عنهُ ورسولهُ منَ العُقودِ المُحَّرمةِ: مثل عُقودِ الرِّبا والميسِر، ومثل بيع الغَرَرِ وكحَبَلِ الحَبَلَةِ".

وقالَ: "ووِليُّ الأمْرِ إذا تَرَك إنكارَ المنكَراتِ وإِقامَةَ الحُدودِ عليها بمالٍ يأخُذُهُ: كانَ بِمَنْزِلةِ مُقَدِّمِ الحَرَامِيَّة الذي يُقاسِم المحاربينَ على الأَخِيذةِ، وبِمنزِلة ِالقوَّادِ الذي يأخذُ ما يأخذُه؛ لِيجمعَ بينَ اثْنينِ على فاحِشةٍ، وكانَ حالُهُ شَبيهًا بِحالِ عَجوزِ السُّوءِ امْرأةِ لوطٍ التي كانتْ تدُّلُ الفجّارَ على ضَيْفهِ، فعذَّبَ اللهُ عجوزَ السُّوءِ القوَّادةَ بِمثلِ ما عذَّبَ قومَ السُّوءِ الذينَ كانوا يَعمَلونَ الخَبائِثَ، وَوَلِيُّ الأمْرِ إنّما نُصِبَ لِيأمُرَ بالمعروفِ وينْهى عنِ المنكَر، وهذا هو مقْصودُ الوِلايةِ، فإِذا كانَ الوالي يُمَكِّنُ مِنَ المنكَرِ بِمالٍ يَأخُذُهُ كانَ قَدْ أَتى بِضِدِّ المقصودِ، مثل مَنْ نَصَبْتَه لِيُعينَك على عدوِّكَ فَأَعانَ عدوَّك عليكَ، وبِمنزِلةِ مَن أَخذَ مالاً لِيجاهدَ به في سبيل الله فقاتلَ به المسلمينَ؛ يُوضِّحُ ذلكَ أنَّ صلاحَ العبادِ بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر" اهـ مُختصرًا.

وقَد ورَدَ في فتاوى اللجنةِ الدَّائمةِ للبحوثِ العلميَّة والإفتاءِ: "يجبُ على المسلمينَ أنْ يكونَ منهم جماعةٌ يدعونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمعروفِ وينهَونَ عن المنكَر، قالَ اللهُ تعالى: {} [آل عمران: 104] وفي تحقيقِ ذلكَ صلاحُ النَّاسِ واستقامَةُ أحوالِهِم، وتكونُ هذهِ الأمَّةُ كما أثنى الله عليها بقولِه: {} [آل عمران: 110]، وعلى القائِمِ بذلكَ أنْ يَعِظ قُساةَ القلوبِ بِما تَلينُ به أفئدَتُهم، وتطمئِنُّ به أنفسُهم، وتُقبِلُ على طاعةِ الله وعبادتهِ، وأنْ يُجادِلوا مَن لديْه شُبهةٌ بالتي هي أحسنُ؛ حتى يتبَصَّرَ ويتبيَّنَ لهُ الحقُّ، فيهتدي إلى الصِّراطِ المستقيمِ، قالَ اللهُ تعالى: {} [النحل: 125]".

قال فضيلةُ الشَّيخِ محمَّد بن صالح العثيمين طيَّب اللهُ ثراه: "ولا شكَّ أنَّ هيئةَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَرِ، هي أعظمُ مَرافِقِ الدَّولةِ نفعًا للعبادِ ودفعًا للفسادِ، وهُم كما يُعَبِّر بعضُ المعاصرينَ: هُم الجنديُّ المجهولُ الذي لا تُعْرَف قيمتُه إلا بفَقْدِه، والحقيقةُ أنِّي أرى أنَّهم أنْفَعُ ما يكونُ للبلادِ، وأنَّهم أشدُّ ما يكونونَ حِفاظًا على الأَمنِ، يعْني: هم أشدُّ حِفاظًا على الأَمْنِ مِن رجالِ الأمْن المجنَّدينَ؛ لأنَّ الأمنَ لا يُمْكِنُ أنْ يسْتَتِبَّ في البلادِ إلا إذا قامتْ شرائِعُ الله وشعائُره في البلادِ، واستقامَ النَّاسُ على دينِ اللهِ؛ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {} [الأعراف: 96]... فالحقيقةُ: أنَّ هيئةَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر مِن أفضلِ مَرافقِ الدَّولةِ، وأنَّه ينبغي بل يجب أنْ تُشَجَّع هذه الهيئاتُ على إقامَةِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكَر، وأنْ يُجْعَل لها من الصَّلاحياتِ ما يُحْفَظ به الأمنُ ويُدْفَع به الفسادُ"،، واللهُ أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام