التلفظ بالنية في الصلاة

منذ 2013-01-06
السؤال:

كيف تكونُ النيَّة في الصَّلاة، هل تَتَلَفَّظ بها في قلبك؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالنِّيَّة: هي العزمُ على فعْل العبادة؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى، وقد عرَّفها صاحبُ فيْضِ القَدير، نقلاً عن البيْضاويِّ فقال: "هي انبِعاث القَلْبِ نَحو ما يراهُ مُوافقًا لغرضٍ: من جلْبِ نفعٍ أو دفْع ضرٍّ، حالاً أو مآلاً، والشرعُ خصَّها بالإرادة والتَّوجُّه نحو الفعل؛ ابتغاءً لوجه الله تعالى وامتِثالاً لحكمِه".

ولا تصحُّ الصَّلاة بدونِها بِحال؛ والأصْل فيها قولُه تعالى: {} [البينة: 5]، وقول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "".

ولابدَّ في النِّيَّة من تعْيين الفرضيَّة ونوعيَّة الصَّلاة: هل هي ظهْر أو عصْر؟ ومحلُّ النيَّة القلْب لا اللِّسان؛ فلذلِك لا يجوز التلفُّظ بِها في الصَّلاة وغيرها، وإنَّما يَجب استحضارُها في القلْب، ولا يتوقَّف قبول الصَّلاة على التلفُّظ بِها سرًّا أو جهْرًا، ولو تلفَّظ بها المسلم ولم يستحْضِرْها قلبُه، لم تنعقِدْ.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: "محَلُّ النِّيَّةِ القَلبُ دُونَ اللِّسانِ، باتِّفاقِ أئِمَّةِ المُسلمينَ في جَميعِ العِبادَاتِ: الصَّلاةِ والطَّهارةِ، والزَّكاةِ والحَجِّ، والصِّيامِ والعِتقِ، والجِهادِ وغَيرِ ذَلِكَ، ولَو تَكَلَّمَ بِلِسانِه بخِلافِ ما نَوى في قَلْبِهِ، كانَ الاعْتِبارُ بمَا نَوَى بِقَلبِه لا باللَّفْظِ، ولَو تَكَلَّمَ بلِسانِه ولَمْ تَحْصُل النِّيَّةُ في قَلْبِه، لم يُجزِئْ ذَلِكَ باتِّفاقِ أَئِمَّةِ المُسْلِمينَ.... والجَهْرُ بالنِّيَّةِ لا يَجِبُ ولا يُستحَبُّ باتِّفاقِ المُسلِمينَ؛ بَل الجاهِرُ بِالنِّيَّةِ مُبْتدِعٌ مُخالِفٌ لِلشَّريعةِ، إذا فعَلَ ذَلكَ مُعتقِدًا أنَّه من الشَّرْعِ، فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ، يَسْتحِقُّ التَّعْزيرَ؛ وإلاَّ العُقُوبة على ذَلكَ، إذا أَصَرَّ على ذَلكَ بعْدَ تَعْريفه والبَيانِ لهُ، لاسيَّما إذا آذى مَنْ إلى جَانِبِه برَفْعِ صَوْتِهِ، أَوْ كَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزيرَ البَليغَ على ذَلكَ.... وَلكن تَنازَعَ العُلماءُ: هَلْ يُستَحَبُّ التَّلفُّظُ بالنّيةِ سِرًّا أم لا؟ هذا فيه قَولانِ مَعرُوفانِ للفُقَهاءِ:

فقالَ طائِفةٌ مِنْ أَصْحابِ أَبي حَنيفةَ والشَّافِعيِّ وأَحْمَد: يُستَحَبُّ التَّلفُّظُ بِها؛ كَونهُ أَوْكَدَ.

وقالَتْ طائِفةٌ مِنْ أَصْحابِ مالِكٍ وأَحْمَد وَغَيْرِهما: لا يُسْتَحَبُّ التَّلفُّظُ بِها؛ لأَنَّ ذَلكَ بِدْعةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ ولا عَنْ أَصْحابِه، ولا أَمَرَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم أحَدًا مِن أمَّتِه أنْ يتَلَفَّظَ بالنِّيَّة، وَلا علَّمَ ذَلكَ أَحَدًا مِن المُسلِمينَ، ولَو كانَ هَذا مَشْهورًا مَشْرُوعًا، لم يُهْمِلهُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم وأَصْحابُه، مَعَ أنَّ الأمَّةَ مُبْتَلاةٌ بِه كُلَّ يَومٍ ولَيْلةٍ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ الأَقْوالِ، بَل التَّلَفُّظُ بالنِّيَّةِ نَقْصٌ في العَقْلِ والدِّينِ، أَمَّا في الدِّينِ، فَلأنَّهُ بِدْعةٌ، وأَمَّا في العَقْلِ، فَلأنَّهُ بمَنْزِلةِ مَن يُريدُ أنْ يَأْكُلَ طَعامًا فَيَقُولُ: نَوَيْت بِوَضْعِ يَدي في هَذا الإِناءِ: أَنِّي أُريدُ أَنْ آخُذَ مِنهُ لُقْمةً، فَأَضَعُها في فَمي، فَأمْضُغُها، ثُمَّ أَبْلَعُها؛ لأَشْبَعَ، مِثْل القائِلِ الَّذي يَقُولُ: نَوَيْت أُصَلِّي فَريضةَ هَذِه الصَّلاةِ المَفْرُوضةِ عَليَّ، حاضِرَ الوَقْتِ، أَرْبَعَ رَكَعاتٍ في جَماعةٍ، أَداءً لِلهِ تَعالَى؛ فَهَذا كُلُّهُ حُمْقٌ وجَهْلٌ؛ وذَلِكَ أنَّ النِّيَّةَ بَلاغُ العِلْمِ، فَمَتَى عَلِمَ العَبْدُ ما يَفْعَلُهُ كانَ قَدْ نَواهُ ضَرُورةً، فَلا يُتَصوَّرُ مَعَ وجودِ العِلْمِ بِالعَقْلِ أنْ يَفْعَلَ بلا نيّةٍ، ولا يُمْكِنُ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ أنْ تَحْصُلَ نيَّةٌ".

وقال الإمام ابن القيِّم في "زاد المعاد": "وكان صلَّى الله عليْه وسلَّم إذا قام إلى الصَّلاة قال: "الله أكبر"، ولم يقُلْ شيئًا قبلَها، ولا تلفَّظ بالنيَّة البتَّة، ولا قال: أصلِّي لله كذا، مُسْتقبِلَ القبلة، أربع ركعاتٍ، إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداءً ولا قضاءً، ولا فرْض الوقْت، وهذه عشْر بدَع، لم ينقُل عنْه أحدٌ قطُّ بإسنادٍ صحيحٍ، ولا ضعيفٍ، ولا سندٍ مُرْسَلٍ - لفظةً واحدةً منْها البتَّهَ؛ بل ولا عَنْ أحدٍ من أصْحابه، ولا استَحْسنه أحدٌ من التَّابعين، ولا الأئمَّة الأربعة، وإنَّما غرَّ بعضَ المتأخِّرين قولُ الشافعي رضي الله عنْه في الصَّلاة: "أنَّها ليستْ كالصيام، ولا يدخُل فيها أحدٌ إلا بذِكْر"، فظنَّ أنَّ الذِّكْر تلفُّظ المصلِّي بالنيّة؛ وإنَّما أراد الشَّافعي بالذِّكر تكبيرةَ الإحرام ليس إلاَّ، وكيف يستحبُّ الشَّافعي أمرًا لَم يفعَلْه النَّبيُّ صلَّى الله عليْه وسلَّم في صلاةٍ واحدٍة، ولا أحدٌ من خُلفائِه وأصحابِه، وهذا هدْيُهم وسيرتُهم، فإن أوْجدَنا أحدٌ حرفًا واحدًا عنهم في ذلك، قبِلْناه، وقابلْناه بالتَّسليم والقبول، ولا هدْيَ أكْملُ من هدْيِهم، ولا سنَّة إلا ما تلقَّوه من صاحبِ الشَّرع - صلَّى الله عليه وسلَّم". اهـ، كلامُه - رحمه الله،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام