كيف أكون مؤهلا للفتوى؟

منذ 2014-03-25
السؤال:

لا أُخفيكم فأنا مُعْجَب بمشايخ الدعوة والعلم في بلاد الحجاز المبارَكة، خاصة في طريقة الإفتاء؛ ولستُ أُبالِغ إن قلت: إنني ما أحسستُ بجمال الفتوى، وكونها علمًا حقيقيًّا قائمًا على أصولٍ وقواعدَ مدروسةٍ، وأنها ليستْ كلامًا مُرْسَلًا على عواهنه إلا بعد اطِّلاعي على فتاوى المشايخ، خاصة في برامج الفتاوى المباشرة على الفضائيات، ومنذ ذلك الحين وأنا تتملَّكني رغبةٌ هائلةٌ تدفعني دفعًا؛ طمَعًا في اللحاق بركْبِهم، لكن الطموحات أكثر مِن الإمكانياتِ؛ إذ لا مشايخ راسخين في بلدتي, فعكفتُ على مُطالَعَةِ الكُتُب، وسماع الأشْرِطة، وحضرتُ بعض الدروس لبعض المشايخ في بلدتنا، وحفظتُ جملةً مِن المُتون في الفرائض، وعلوم القرآن، والمصطلح، مع مُطالَعة شروحها، وحصَّلتُ منها شيئًا لا بأس به والحمد لله، هذا بعد تخرجي من معهد تكوين الإطارات الدينية لمدة عامين.
 

لكنني أجد نفسي في الفقه شِبْهَ عاجزٍ، وأتهم نفسي بعدم الفَهم، ونقص الذكاء، والغفلة؛ من خلال بعض الفتاوى التي قد أفتي بها بعض الناس؛ إذ أُوَفَّقُ أحيانًا، وأُخْطِئُ أحيانًا، فأضطر إلى البحث عمن أفتيتهم لأُصحِّحَ لهم الفتوى، فصرتُ حائرًا في نفسي، هل يرجع عدم تأهلي لقلة ذكائي؟ أو لغفلتي؟ أو لقلة علمي؟ أو...؟ وهل يمكن مع هذه العوارض وخاصة نقص الذكاء أن أتأهل يومًا للإفتاء؟ خاصة إذا قرأت أنَّ من صفات المجتهد الذكاءَ الفطريَّ, وهل هناك أماراتٌ ظاهرةٌ يميز الطالب مِن خلالها إن كان مُؤهلًا أم لا؟

أشيروا عليَّ - جزاكم الله خيرًا، وبارك في جهودكم.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

ففي البدايةِ أُحَيِّي فيك تلك الهمَّةَ العاليةَ، والرغبةَ النبيلةَ في طلَب العلم الشريف؛ علم الشريعة المطهَّرة، كما أُحيِّي فيك ذلك التحصيلَ الذي ذكرتَهُ، وهو يدلُّ على عكس ما تظنُّه مِن نفسك؛ حيثُ إن تحصيل قدرٍ -ولو يسيرًا- مِن العلم الشرعي دليلٌ على رجاحة العقل، وعلى الاستعداد والتهيُّؤِ لقبول الحق والعمل به، فَوَاصِلْ -بَارَكَ اللهُ فيكَ- وَضَعْ تلكَ الغايةَ النبيلةَ نُصْبَ عينيكَ، وتمثَّلْ قولَ أبي الطيب المتنبِّي وهو يقول:

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ °°° وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ <br>

وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُها °°° وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِم

ويقول:

إِذا غَامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ °°° فَلا تَقْنَعْ بِما دُونَ النُّجُومِ

فَطَعْمُ المَوْتِ في أَمْرٍ صَغِيرٍ °°° كَطَعْمِ المَوْتِ في أَمْرٍ عَظِيمِ

ويقول:

وَلَمْ أَرَ في عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا °°° كَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمَامِ

أما علمُ الفتوى فينبغي أن يكونَ قائمًا على معرفة الكتاب، والسُّنَّة، والأدلة العقليَّة، والتضلُّع من علومٍ وثقافاتٍ واسعةٍ، ومعرفةِ التاريخ، ومنه الواقعُ الذي تعيش فيه، والذي هو مناطُ الحكم الشرعي، ومعرفة أعراف الناس، وحفظ آياتِ الأحكامِ، وأحاديثِ الأحكامِ، وأقوال أهل العلم، وفقه الخلاف، والقواعد الكبار التي يقوم عليها الدين، ومقاصد التشريع، مع مُراعاة حال المستفتي، وحال البلد الذي تحيا فيه، ومعرفة أسباب الخلاف.

كل هذه المعايير ذَكَرَها أهلُ العلم في حقِّ الإنسان الذي يتصدَّر للإفتاء، أو يُفتي الناس.
 

ولقد ألَّفَ شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه ''رفع المَلام عن الأئمة الأعلام''؛ بَيَّن فيه أسباب الخلاف، وهو رسالةٌ صغيرةُ الحجمِ، عظيمةُ القدْرِ، يحتاجها مَن يتصدَّر للفتوى، ليحسن الظن بالآخرين، ويعتذر عنهم.

كما يجب تَحَرِّى الحق، والقول بالدليل الذي علمتَهُ، مع ذِكْر مَنْ قال به مِن الأئمة المتبِعين؛ كالأربعة؛ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ -رحمهم الله جميعًا- وغيرِهِم.

ويجب عليك -كذلك- دراسةُ كتابِ ''إعلام الموقعين'' لابن القيم دراسةً متأنِّيةً؛ فهو أصلٌ في هذا الباب، وكذلك أَكْثِرْ من القراءةِ في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتأملْ كيف يَفْهَمُ مُرَادَ السائل، ويُجِيبُ عليه بما صحَّ مِن دليلٍ، ويذكر مَن قال بموجِبِهِ من الأئمة، وإن كان السؤالُ يَحْتَمِلُ أشياءَ ذَكَرَهَا، وهو كتابٌ فريدٌ لا شبيهَ له في كُتُبِ الإسلام، وكذلك أَكْثِرْ مِن القراءة في فَتَاوَى اللجنة الدائمة؛ لِتَتَعَلَّمَ كيف تُصَاغُ الفتوى، وطريقةَ العُلَمَاءِ الكِبَارِ في الإفتاء.
 

 

اعْتَنِ بِكُتُبِ أَحَادِيثِ الأحكامِ وشُرُوحِهَا؛ مثل: ''مُنتقى الأخبار'' لأبي البركات ابن تيمية، وشَرْحِهِ ''نيل الأوطار'' للشوكاني، و''عمدة الأحكام'' للمَقْدِسيِّ، وشرحِهِ لابن دقيق العيد في كتاب ''إحكام الأحكام''.
 

احرِصْ على تَحْصِيلِ عُلُوم الوَسَائِلِ؛ كَعُلُومِ اللُّغَةِ العربية، والتمكُّن منها، ومعرفةِ دِلَالَات الألفاظِ، وتعلُّمِ علمِ أُصُول الفقه الذي هو غايةُ عُلُومِ الوَسَائِلِ، فتتعلم القواعدَ؛ كالمنطوقِ من المفهومِ، والعامِّ مِن الخاصِّ، والمطلقِ من المُقَيَّدِ، والمجمَلِ من المبيَّنِ، والقياسِ وشُرُوطِهِ.
 

أَمْرٌ أخيرٌ: يلزَمُكَ الاطِّلَاعُ على أَحَدِ المَذَاهِبِ، والفقهِ المُقَارَنِ؛ مثل: ''بداية المجتهد'' لابن رشد، و''المحلَّى'' لابن حَزْم، و''المغني'' لابن قُدامة، و''المجموع'' للنووي، و''الاستذكار''، أو''التمهيد'' لابن عبد البر.

كما يلزمُك أن تعلم مواضع الإجماعِ من مواضع الخلاف.
 

وفقك الله للعلم النافع والعمل الصالح.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام