تعبنا من الواقع الذي نعيشه!

منذ 2014-04-06
السؤال:

أنا فتاةٌ مِن العراق، ومنذ الصِّغر والحصارُ والجوع يُطارداننا، مع نقْص الدواء، ونظرة الألم بادية في وجه والديَّ، ثم أصبحنا شبابًا، وأصبحتْ حربًا، وانتشر القتلُ والقصفُ باحتلال أمريكا، وهُجِّرنا طائفيًّا بسبب الروافض والأعاجم الإيرانيين، الذين أدخلوا المليشيات.

كنا نعيش تحت ضغط وخوفٍ بعد التهديدات التي واجهناها، ثم انتشرت الحربُ الطائفية إلى يومنا هذا، ترتبتْ عليها الاعتقالاتُ والتعذيب في السجون لكل شاب بريءٍ ملتزمٍ من أهل السنة.

كلَّ يومٍ يعدمون الشباب بعد تعذيبهم، وكل يومٍ أسمع بأن فلاناً أُعْدِم، وأَجِد صورته وآثار التعذيب ظاهرة عليه كتعذيب أبناء بورما المسلمين، بل أسوأ!

الأمرُ انتقل إلى سوريا حيث أسمع بالقتل والانفجارات والخطف والاعتقالات الطائفية أينما ذهبت.. انتشر الجوع والفقر في بلادنا، تعبتُ نفسيًّا، أشعر بخوفٍ على إخوتي وأهلي، وأحس بقلبي يعتصر كلما وجدت شابًّا ملتزمًا قد قُتِلَ بعد تعذيبٍ وتمثيلٍ بجُثته، ولا أجد أحدًا في العالم يُنادي مِن أجْلِ أهل السنة في العراق، بل لا أجد مَن يدعو دعوةً صادقةً مِن على منابر الجوامع.. فأحسُّ بإحباطٍ وألمٍ!

أعلم أنَّ ما يصيبنا مِن بعض ذنوبنا التي أغضبت الله علينا، فسلَّط علينا مَن لا يرحم، لكن أحسُّ بحزنٍ وتعبٍ، فماذا أفعل؟ لا أريد أنْ يقلَّ إيماني بالله، بل أريد أن أزداد منه قربًا، لا يهمني أن أُقتلَ ظلمًا، لكن أخاف مِن التعذيب والاغتصاب، ولا أريد أن يُصيب أحدًا مِن أهلي أذًى -لا قدَّر الله-، أحس بخوفٍ مِن الموت الذي يحيط بنا، فماذا أفعل؟

أُخبرهم بأن يُكثروا مِن الاستغفار، لكن بسبب الانشغال بعملٍ، أو دراسةٍ ينشغلون عن ذلك، لا أستطيع التركيز في دراستي، وأتمنى لو عندي قوة خارقة لأوقفَ القتل والتعذيب؛ لأُعَلِّمَ الروافضَ درسًا ليروا حقيقة الإسلام الذي يَدَّعون أنهم ينتسبون إليه، لكن ماذا أفعل وأنا بنت، لا حول ولا قوة لي؟!

إذا كان الرجلُ لا يملك حولًا ولا قوةً أمام الدبابات والطائرات، وأحدث أنواع الأسلحة، فماذا عساي أن أفعل؟ وأتساءل.. متى يتوقف ذلك؟ متى ينصر الله الإسلام الحقيقي؟

لا أعرف كيف أُرَتِّب أفكاري؟ أستعيذ بالله مِن الشيطان، وأُفَكِّر أنَّ كل شيءٍ بقدرٍ، وأنَّ كلَّ شخصٍ يموت بقَدَرٍ، ولا يُكَلِّف اللهُ نفسًا إلا وُسْعها؛ أي: لن يُكَلِّفَنا إلا ما نطيق، وأقول في نفسي: الموتُ أرحم، والخلاصُ مِن الدنيا أفضل، ثم أفكر وأقول: وماذا أكون بعد الموت، أمن أهل النار أم الجنة؟ عندها سينتهي كل شيءٍ، ولا عودة للعمل، فأعود وأحاول أن أبذلَ جهدي في الطاعات، ثم أحس بكسلٍ وضعفٍ، خصوصًا عندما أسمع عن الأزمات والقتل والقصف والتعذيب؛ إنهم كالمغول، بل أسوأ، فكيف أزداد إيمانًا في ظل هذه الأجواء؟

أحاول أن أقرأ السيرة النبوية، وأتعظ بما أصاب خير البشر وأصحابه مِن تعذيبٍ وأذًى، لكني أسمع صوت انفجارٍ، فأسرح وأشرد بعقلي، لا يمكنني التركيز، وأتساءل: هل سيُداهمون بيوتنا؟ هل؟ هل؟

أُريد أمةً إسلاميةً مُوَحَّدةً، أريد أن أرى الحق ينتصر، أريد أن يرجعَ هؤلاءِ الظالمون إلى جحورهم، وأن يرينا الله فيهم قوته وبأسَه.

أخبروني كيف أصبر على مناظر التعذيب والقتل؟ كيف أصبر وأنا أرى أبناء الأمهات الثَّكالى معتقلين، ومجهولي المصير؟ كيف أصبر وأنا أرى آباء يرون أجساد أبنائهم مُعذبةً مشوهةً؟ كيف أصبر وأنا أرى أبناءً يبكون وهم يفتقدون أباهم الذي قُطِّع أشْلاءً بسيارةٍ مُفَخَّخةٍ؟

أصبحتُ أخاف المجهول، لكن ماذا أفعل؟ أُفَكِّر بأن كل شيءٍ مِن الله جميل، حتى إن عُذِّبْتُ، أو قُتِلْتُ، لكن لا أتحمل فكرة أنْ أفْقِدَ شخصًا عزيزًا عليَّ، أصبحتُ بلا أحلامٍ ولا أمنياتٍ.. فمثلًا: مستحيل أن أُفَكِّرَ في أنني سأتزوج يومًا وأصبح أمًّا، كيف ونسبة العنوسة لدينا 90% وزيادة؟ كيف والشباب يقتلون أو في السجون؟!

كيف أُتِم حفظي لكتاب الله، وأُتْقِن تِلاوته، وأنا أخاف مِن أنْ أفْقِدَ معلمتي وشيوخنا وقراءنا؟ كيف أُصَبِّر نفسي وأنا لا أجد شخصًا يصبرني كما كان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يُصبر أصحابه على ما يصيبهم؟

أخبروني ماذا أفعل في ظل هذه المِحَن؟

 

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعدُ:

فتعلمين -أيتها الابنةُ الكريمة- أنَّ الله -سبحانه وتعالى- حكيمٌ عليمٌ، وأن أفعاله -سبحانه- صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ، فلا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنًى ومصلحةٍ، وحكمتُه هي الغاية المقصودة، فهو بكلِّ شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، يُدَبِّره بحكمته ولُطْفِه.

وكلامه -سبحانه- وكلامُ رسوله دالٌّ على هذا، ومَن تأمَّلَ خَلْقَه وأمره، أدْرَك ذلك لا محالة، وأيْقَنَ أنه -سبحانه- حكيمٌ رحيمٌ، يخلُق بحكمةٍ ورحمةٍ، فإذا سلَّط قومًا على آخرين يعذبونهم فذاك لحكمةٍ جاريةٍ على مُقتضاها، على ما فيها مِن التأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكي النفوس ويطيبها، ويُمحصها ويخلصها مِن شرهِّا وخبثها؛ قال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 140 - 145]، وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 16]، وقال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، قال ابن عباسٍ: "وقد فعل"، والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.

فالله تعالى شرَع لنا جهاد الكُفَّار، وبَيَّن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فضْلَ الجهاد في أحاديثَ مشهورةٍ؛ منها: «أنه يرفع به العبد مائة درجةٍ في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»؛ (رواه مسلم).

وكان الله تعالى يُعاقب الكفَّار مِن الأمم السابقة بالقوارع العامة؛ كما أهْلَك قوم نوحٍ بالطوفان، وعادًا الأولى بالدَّبُور، وثمود بالصيحة، وقوم لوطٍ بالخَسْف والقلب، وحجارة السجيل، وقوم شعيبٍ بيوم الظلَّة، وفرعون وقومه بالغرَق.

فلو شاء الله لانتصر مِن الكافرين، ومِن غير احتياجٍ إلى قتالكم لهم؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4]، فلا تلتفتي كثيرًا -أيتها الابنة الفاضلة- إلى ما يلم بك مِن وساوس النفس والشيطان، أو مِن استشراف النفس للنصر والفرَج القريب؛ فهو آتٍ لا محالة، وتأمَّلي حكمةَ الله تعالى فيما يمُر بالأمة الإسلامية؛ حتى لا يتخبَّطَك الشيطان في المِحَن، وسأنقل لك بعضًا مِن كلام شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدَر والحكمة والتعليل" (ص: 225 - 226) وهو يُبَيِّن بعض الحكم في الخلق والأمر، ومنها الحكمة مِن خلْقِ الشر؛ لتكون تسليةً لك في تلك المِحْنَة، قال:

"... وكذلك مِن تمام قدرته وحكمته أن خلَق الضياء والظلام، والأرض والسماء، والجنة والنار، وسِدرة المنتهى، وشجرة الزَّقُّوم، وليلة القدر، وليلة الوباء، والملائكة والشياطين، والمؤمنين والكفار، والأبرار والفجَّار، والحر والبرد، والداء والدواء، والآلام واللذات، والأحزان والمسرات، واستخرج - سبحانه - مِن بين ما هو من أحب الأشياء إليه مِن أنواع العبوديات، والتعرُّف إلى خلْقِه بأنواع الدلالات، ولولا خلقُ الشياطين والهوى والنفس الأَمَّارة لما حصلتْ عبودية الصبر، ومجاهَدة النفس والشيطان ومخالفتهما، وترك ما يهواه العبد ويحبه لله؛ فإن لهذه العبودية شأنًا ليس لغيرها، ولولا وجودُ الكفار لما حصلتْ عبودية الجهاد، ولما نال أهله درجة الشهادة، ولما ظهر مَن يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده، ومَن يقدم أدنى حظ مِن الحظوظ عليه، فأين صبرُ الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع المكاره والمشاق، وأنواع العبودية المتعلِّقة بالدعوة وإظهارها لولا وجودُ الكفار؟ وتلك العبوديةُ تقتضي علمه وفضله وحكمته، ويستخرج منه حمده وشكره، ومحبته والرضا عنه، يُوَضِّحه:

الوجه الحادي والعشرون:

أنه قد استقرتْ حكمتُه -سبحانه- أنَّ السعادةَ والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسرِ المشقة والتعَب، ولا يدخل إليها إلا مِن باب المكاره والصبر، وتحمُّل المشاقِّ، ولذلك حفَّ الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات؛ ولذلك أخرج صفيَّه آدم من الجنة، وقد خلَقها له، واقتضتْ حكمته ألا يدخلها دخول استقرارٍ إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخولٍ؛ فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني مِن التفاوت! وكم بين دُخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في جوار المطعم بن عدي، ودخوله إليها يوم الفتح، وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها! وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه! وأغناه بعد فقره! وهداه بعد ضلالةٍ! وجمع قلبه بعد شتاته! وفرحة مَن لم يذق تلك المرارات! وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات؛ كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

ورُبَّما كَانَ مَكْرُوهِ النُّفُوسِ إلى °°° مَحْبُوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُه سَبَبُ

يُوَضِّحه:

الوجه الثاني والعشرون:

أن العقلاء -قاطبةً- مُتَّفقون على استحسان أتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها مِن العلم، والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة، وطلب محمدة مَن ينفعهم حمده، وكل مَن كان أتعب في تحصيل ذلك كان أحسن حالًا، وأرفع قدرًا، وكذلك يستحسنون إتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعز والشرف، ويذمون القاعد عن ذلك، وينسبونه إلى دناءة الهمة، وخِسَّة النفس، وضعة القدر:

دَعِ المَكارِم لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِهَا °°° وَاقْعُدْ فإنَّكَ أنت الطَّاعِمُ الكاسِي

وهذا التعَبُ والكَدُّ يستلزم آلامًا، وحصول مكاره ومَشاقّ، هي الطريق إلى تلك الكمالات، ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة مَن يحملها، ولا يعدونه عائبًا، بل هو العقلُ الوافر ومن أمر غيره به، فهو حكيمٌ في أمرِه، ومن نهاه عن ذلك فهو سَفِيهٌ عدو له.

هذا في مَصالح المعاش، فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم المقيم؟! كيف لا يكون الآمرُ بالتعَب القليل في الزمن اليسير الموصل إلى الخير الدائم حكيمًا رحيمًا محسنًا ناصحًا لمن يأمره وينهاه عن ضده من الراحة واللذة التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة! هذا إلى ما في أمره ونهيه مِن المصالح العاجلة التي بها سعادته، وفلاحه، وصلاحه، ونهيه عما فيه مَضرته، وعطبه، وشقاوته، فأوامرُ الرب تعالى رحمةٌ، وإحسانٌ، وشفاءٌ، ودواءٌ، وغذاءٌ للقلوب، وزينةٌ للظاهر والباطن، وحياة للقلب والبدن، وكم في ضمنه من مسرةٍ، وفرحةٍ، ولذةٍ، وبهجةٍ، ونعيمٍ، وقرة عينٍ! فما يسميه هؤلاءِ تكاليف إنما هو قرة العيون، وبهجة النفوس، وحياة القلوب، ونور العقول، وتكميل للفطر، وإحسان تام إلى النوع الإنساني أعظم مِن إحسانه إليه بالصحة والعافية، والطعام والشراب واللباس؛ فنعمتُه على عباده بإرسال الرسل إليهم، وإنزال كتبه عليهم، وتعريفهم أمره ونهيه، وما يحبه وما يبغضه - أعظم النعم وأجلها، وأعلاها وأفضلها، بل لا نسبة لرحمتهم بالشمس والقمر، والغيث والنبات، إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع، والحلال، والحرام..."، إلى آخر كلامه الذي أنصحك بقراءته كاملًا.

 

وتأمَّلي أيضًا -رعاك الله- ما كتَبَه الأستاذ سيد قطب، وهو يصف حالنا وصفًا دقيقًا، ويشرح واقعنا المعاصر والمؤلم بلا شك؛ فقال في "ظلال القرآن" (6/ 3286) عند قوله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]: "إن هؤلاءِ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وأمثالهم في الأرض كلها في كلِّ زمانٍ من البُغاة الطغاة المفسدين الذين يظهرون في ثوب البطْش والاستكبار، ويتراءون لأنفسهم وللضالين مِن أتباعهم قادرين أقوياء - إن هؤلاء جميعًا حِفنة مِن الخلق، تعيش على ظهر هذه الهباءة الصغيرة المسماة بالأرض بين هذه الكواكب والنجوم والمجموعات الفلكية، والمجرَّات والعوالم التي لا يعلم عددها ولا مداها إلا الله في هذا الفضاء الذي تبدو فيه هذه المجرات والعوالم نُقَطًا متناثرةً، تكاد تكون ضائعةً، لا يمسكها ولا يجمعها ولا ينسقها إلا الله.

فلا يبلغ هؤلاء ومن وراءهم من الأتباع، بل لا يبلغ أهل هذه الأرض كلها، أن يكونوا نمالًا صغيرةً، لا بل إنهم لا يبلغون أن يكونوا هباءً تتقاذفه النسمات، لا بل إنهم لا يبلغون شيئًا أصلًا حين يقفون أمام قوة الله.

إنما يتخذ الله المؤمنين -حين يأمرهم بضرب رقاب الكفار وشد وثاقهم بعد إثخانهم- إنما يتخذهم -سبحانه- ستارًا لقدرته، ولو شاء لانتصر من الكافرين جهرةً، كما انتصر من بعضهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم.

بل لانتصر منهم مِن غير هذه الأسباب كلها، ولكنه إنما يريد لعباده المؤمنين الخير؛ وهو يبتليهم، ويُربيهم، ويصلحهم، ويُيَسِّر لهم أسباب الحسنات الكبار.

يريد ليبتليهم، وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النفس البشرية من طاقاتٍ واتجاهاتٍ، فليس أكرم في النفس مِن أن يعز عليها الحق الذي تؤمن به، حتى تجاهد في سبيله فتَقْتُل وتُقْتَل، ولا تسلم في هذا الحق الذي تعيش له وبه، ولا تستطيع الحياة بدونه، ولا تحب هذه الحياة في غير ظله.

ويريد ليربيهم، فيظل يخرج مِن نفوسهم كل هوًى، وكل رغبةٍ في أعراض هذه الأرض الفانية؛ مما يعز عليهم أن يتخلوا عنه، ويظل يقوي في نفوسهم كل ضعفٍ، ويكمل كل نقصٍ، وينفي كل زغَلٍ ودخَلٍ، حتى تصبح رغائبُهم كلها في كفةٍ، وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد، والتطلع إلى وجه الله ورضاه؛ فتُرَجِّح هذه، وتشيل تلك، ويعلم الله من هذه النفوس أنها خُيِّرَتْ فاختارت، وأنها تَرَبَّتْ فعرفت، وأنها لا تندفع بلا وعيٍ، ولكنها تُقَدِّر وتختار.

ويريد ليصلحهم؛ ففي معاناة الجهاد في سبيل الله، والتعرض للموت في كل جولةٍ - ما يعود النفس الاستهانة بهذا الخطر المخوف، الذي يكلف الناس الكثير مِن نفوسهم، وأخلاقهم، وموازينهم، وقيمهم؛ ليتقوه، وهو هين هين عند مَن يعتاد ملاقاته؛ سواء سلم منه أو لاقاه، والتوجه به لله في كل مرةٍ، يفعل في النفس في لحظات الخطر شيئًا يقربه للتصوُّر فعل الكهرباء بالأجسام! وكأنه صياغة جديدة للقلوب والأرواح على صفاءٍ ونقاءٍ وصلاحٍ.

ثم هي الأسباب الظاهرة لإصلاح الجماعة البشرية كلها، عن طريق قيادتها بأيدي المجاهدين الذين فرغتْ نفوسهم من كل أعراض الدنيا، وكلِّ زخارفها، وهانتْ عليهم الحياة؛ وهم يخوضون غِمار الموت في سبيل الله.

ولم يعدْ في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، والتطلع إلى رضاه، وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلُح الأرض كلها، ويصلح العباد، ويصبح عزيزًا على هذه الأيدي أن تسلم في راية القيادة للكفر والضلال والفساد؛ وهي قد اشترتها بالدماء والأرواح، وكل عزيزٍ وغالٍ أرخصتْه؛ لتتسلم هذه الراية؛ لا لنفسها، ولكن لله! ثم هو - بعد ذلك كله - تيسير الوسيلة لمن يريد الله بهم الحسنى؛ لينالوا رضاه وجزاءه بغير حسابٍ".

وتأملي قوله -أيضًا- عند قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

إنها صورةٌ رهيبة، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل، وهم يواجهون الكفر والعمى، والإصرار والجحود.

وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليلًا، وتكر الأعوام؛ والباطل في قوته، وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة، وقوتهم الضئيلة.

إنها ساعات حَرِجة، والباطل ينتفش ويطغى، ويبطش ويغدر، والرسل ينتظرون الوعد، فلا يتحقق لهم في هذه الأرض، فتهجس في خواطرهم الهواجس؛ تراهم كذبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرْب والحرَج والضيق فوق ما يطيقه بشرٌ، وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرتُ بقشعريرةٍ مِن تصوُّر الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ، ومِن تصوُّر الهول الكامن في هذه الهواجس، والكرْب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة، وحالته النفسية في مِثْل هذه اللحظات، وما يحس به مِن ألمٍ لا يطاق.

في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكربُ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة مِن الطاقة المُدَّخرة  -في هذه اللحظة- يجيء النصر كاملًا حاسمًا فاصلًا؛ {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

تلك سُنة الله في الدعوات؛ لا بد من الشدائد، ولا بد مِن الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهدٍ، ولا بقية من طاقةٍ، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من عند الله، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون مِن الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون مِن البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون، ويحل بأس الله بالمجرمين؛ مدمرًا ماحقًا، لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير.

ذلك؛ كي لا يكون النصرُ رخيصًا، فتكون الدعوات هزلًا، فلو كان النصرُ رخيصًا، لقام في كل يومٍ دَعِيٌّ بدعوةٍ لا تُكلفه شيئًا، أو تُكلفه القليل.

ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا ولا لعبًا؛ فإنما هي قواعد للحياة البشرية، ومناهج ينبغي صيانتها وحراستها مِن الأدعياء، والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة؛ لذلك يشفقون أن يدعوها، فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطرحوها، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة الله، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة! إن الدعوة إلى الله ليست تجارةً قصيرة الأجَل؛ إما أن تربح ربحًا مُعينًا محددًا في هذه الأرض، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارةٍ أخرى أقرب ربحًا، وأيسر حصيلةً! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والاتباع في أي زمانٍ أو مكانٍ - يجب أن يوطنَ نفسه على أنه لا يقوم برحلةٍ مريحةٍ، ولا يقوم بتجارةٍ ماديةٍ قريبة الأجل! إنما ينبغي له أن يستيقنَ أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال، ويملكون استخفاف الجماهير؛ حتى ترى الأسود أبيض، والأبيض أسود! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله؛ باستثارة شهواتها، وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات!

 

ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضًا، وأنه - مِن ثَم - لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله، التي تُؤْثِر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا، وأن عدد هذه الصفوة يكون - دائمًا - قليلًا جدًّا ...، في قصة يوسف ألوان من الشدائد؛ في الجب، وفي بيت العزيز، وفي السجن، وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس...، ثم كانت العاقبة خيرًا للذين اتقوا -كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب- وقصة يوسف نموذج من قصص المرسلين، فيها عبرة لمن يعقل، وفيها تصديق ما جاءتْ به الكُتُب المنزلة مِن قبل، على غير صلةٍ بين محمدٍ، وهذه الكتب"، في ظلال القرآن: (4/ 2035 - 2037)

أما ما يجب عليك فعله فهو الاعتصام بالله، والاعتصام بحبل الله من صدق الضراعة إليه، والاستعانة به في كل شيءٍ، مع الاستعاذة مما ترهبين، والتوكل عليه سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78]؛ فالاعتصامُ بحبله يَعصمك مِن الضلالة، والاعتصام به يعصمك من الهلكة.

وأكْثِري مِن الدعاء: «اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، كن لي جارًا من فلان بن فلانٍ، وأحزابه من خلائقك؛ أن يَفْرطَ عليَّ أحدٌ منهم، أو أن يطغى، عزَّ جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت» (الأذكار للنووي132).

«اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب كل شيءٍ، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك مِن شر كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر» (صحيح الجامع).

«أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر مِن شرِّ ما خلَق وذرأ، وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شرِّ فِتَن الليل والنهار، ومِن شر كل طارقٍ إلا طارقًا يطرق بخيرٍ، يا رحمن» (صحيح الجامع).

وواظبي على أذكار الصباح والمساء؛ ففيها الحرز الواقي -إن شاء الله- مِن المهلكات.

أما كونك أنثى لا حول لك ولا قوة، فهذا شأن الخلْق كلهم، ومن ثَم كانت "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنزًا من كنوز الجنة؛ كما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصح عنه -أيضًا-: «وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم»؛ (رواه البخاري، والنسائي)، وزاد: «بصومهم، وصلاتهم، ودعائهم»؛ قال القَسْطِلَّاني في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (5 / 92):

"ووجه بأن عبادة الضعفاء أشد إخلاصًا؛ لخُلُوِّ قلوبهم من التعلق بالدنيا، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا، فزكتْ أعمالهم، وأجيب دعاؤهم".

فاستعيني بالله، ولا تعجزي، ولا تكفِّي عن الدُّعاء، وكثرة الطاعات، ولقراءة القرآن بتدبُّر.

ونسأل الله أن يُنجي المستضعفين من المؤمنين في مَشارق الأرض ومغاربها، وأن يشددَ وطأته على الكافرين.