دخول المرأة على الضيوف واستقبالهم ومشاركة الرجل في العمل الوظيفي

منذ 2014-05-03
السؤال:

هناك بعض الشباب الملتزمين بالإسلام، والحريصين على التمسك به، والغيورين عليه، تعرض عليهم بعض الشبهات، وخاصة في قضية المرأة مثل:

أ - يرون أنه لا مانع من دخول المرأة على ضيوف زوجها، مع وجوده، وتقديم الشاي وغيره للضيوف، والجلوس معهم، ويحتجون لذلك بحديث رواه البخاري عن سهل رضي الله عنه قال: «لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمرات في تور (إناء) من حجارة في الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الطعام أمائته له - أي: هرسته بيدها - فسقته تتحفه بذلك»، ويحتجون كذلك بما ذكره البخاري (باب: قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس) وعندما سئل الإمام مالك رحمه الله في هذا الموضوع، أجاب بالجواز، وذلك في (الموطأ)، وبما ذكره البخاري في باب: ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس.

ب - يرون أنه لا مانع من استقبال الزوجة ضيوف زوجها من الرجال، حتى في عدم وجوده، ويحتجون لذلك بما رواه مسلم أن رسول الله قال: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا معه رجل أو اثنان»، ويحتجون كذلك بزيارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لأم هانئ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ج - يرون أن لا مانع من مشاركة المرأة الرجل أو الرجال في أعمالهم الوظيفية، وفي مجالس العلم والذكر ما دامت متحجبة، ويحتجون لذلك بعدة أمور، منها: مشاركة الصحابيات للمسلمين في الجهاد، وبتدريس عائشة رضي الله عنها لبقية الصحابة، وبفتاويها التي تفتي بها.

الإجابة:

أ- يجب على المسلم إذا بحث عن حكم مسألة إسلامية أن ينظر فيما يتصل بهذه المسألة من نصوص الكتاب والسنة، وما يتبع ذلك من الأدلة الشرعية، فهذا أقوم سبيلاً، وأهدى إلى إصابة الحق، ولا يقتصر في بحثها على جانب من أدلتها دون آخر، وإلا كان نظره ناقصًا، وكان شبيهًا بأهل الزيغ والهوى، الذين يتبعون ما تشابه من النصوص ابتغاء الفتنة، ورغبة في تأويلها على مقتضى الهوى.

ففي مثل هذا الموضوع يجب أن ينظر إلى نصوص الكتاب والسنة، في وجوب ستر المرأة عورتها، وفي تحريم النظرة الخائنة، وفي مقصد الشريعة من وجوب المحافظة على الأعراض والأنساب، وتحريم انتهاكها والاعتداء عليها، وتحريم الوسائل المفضية إلى ذلك من خلوة امرأة بغير زوجها ومحارمها، وكشف عورتها وسفرها بلا محرم، واختلاط مريب، وإفضاء الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد، وإلى أمثال ذلك مما قد ينتهي إلى ارتكاب  جريمة الفاحشة.

وإذا نظر إلى مجموع ما ذكر لزمه أن يحمل ما جاء في حديث سهل في إعداد امرأة أبي أسيد الطعام والشراب لضيوفه، وتقديمه لهم على أنها كانت متسترة، وأن الفتنة مأمونة، ولم تحصل خلوة ولا اختلاط، إنما كان منها مجرد إعداد وتهيئة شراب، وتقديمه لضيوف زوجها دون جلوسها معهم، إذ ليس في الحديث ما يدل على جلوسها معهم كما ذكر في السؤال.

ب - بناءً على ما تقدم ذكره في جواب الفقرة الأولى يقال أيضًا في حديث: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا معه رجل أو اثنان»: أنه محمول على ما إذا وجدت الدواعي إلى الدخول عليها عند غيبة زوجها ومحارمها، وأمنت الفتنة، وبَعُدَ التواطؤ منهم على الفاحشة، لا على الإطلاق، وليس هذا من التأويل بالرأي، بل هو مبني على المقصد الشرعي المفهوم من مجموع النصوص الواردة في حفظ الفروج والأنساب، وتحريم انتهاك الأعراض، ومنع الوسائل المفضية إلى ذلك، ومنها الحديث المذكور في هذه الفقرة، حيث اشترط في جواز الدخول وجود ما يزيل الخلوة؛ إبعادًا للريبة، وتحقيقًا للأمن من الفتنة.

  ج - لا مانع شرعًا من قيام المرأة بواجب التدريس، والوعظ والإفتاء، لكن مع مراعاة الحجاب الشرعي، والأمن من الفتنة، وعدم الاختلاط المريب، كما حصل من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، ولقوله تعالى في أمهات المؤمنين: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}، ويجوز لهن الخروج مع المجاهدين لخدمتهم في سقي، وإسعاف جرحى، وتمريض مصاب ونحو ذلك، لكن على أن يكون خروجهن لذلك مع أزواجهن أو محرم لهن؛ تحقيقًا للمصلحة، ومحافظة على أعراضهن، وذلك هو ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لا كما تفعله الدول الكافرة، من خروجهن بلا زوج ولا محرم لقصد الترفيه الفاحش عن المحاربين، وتجنيدهن لذلك، أو لمباشرة القتال، فإنهن قد رفع عنهن الجلاد بالسلاح.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء