معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وليدَيه فاغفر)

منذ 2015-04-09
السؤال:

ظهر أحد المشايخ في أحد البرامج وهو يرْوي قصة أحد الصحابة:

أنَّ الطُّفيل بن عمرو الدَّوسي أتَى النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة، قال: حصن كان لدوْسٍ في الجاهليَّة، فأبى ذلك النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - للَّذي ذخر اللهُ للأنصار، فلمَّا هاجر النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إلى المدينة، هاجَر إليْه الطُّفَيْل بن عمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجتَوَوا المدينة فمرِض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطَع بها براجمَهُ، فشخبت يداه حتَّى مات، فرآه الطُّفَيل بن عمرو في منامِه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطِّيًا يديْه، فقال له: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي بِهجرتي إلى نبيِّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: ما لي أراك مغطِّيا يديْك؟ قال: قيل لي: لن نُصْلِح منك ما أفسدتَ، فقصَّها الطُّفَيل على رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «اللَّهُمَّ وليديْه فاغفر».

ثم قال: وفي الأثر: يدخُل الجنَّة ويداه مقطوعتان.

فالسؤال: هل أحد يدخل الجنَّة ويداه مقْطوعتان، حتَّى لو كان منتحِرًا؟

نريد إجابةً شافيةً، وجزاكم الله كلَّ خير.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فهذا الحديث من حُجَج أهل السنَّة والجماعة: أنَّ المنتحر مآلُه إلى الجنَّة إن مات على التوحيد، سواء بعد الاقتِصاص أم دون اقتِصاص، على ما توجِبُه الموازنة، ومنعه من الخلود في النار؛ قال تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195]، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، وقال: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115].

أمَّا قول الشَّيخ المذكور: "وفي الأثر: يدخُل الجنَّة ويداه مقطوعتان" فخطأ محض، أو ذهول شديد عن كلِّيات الشَّرع والأدلة الجزئية؛ فدعاء رسولِ الله - عليْه الصلاة والسَّلام - ليدَيْ هذا الرجُل بالغفران دعاءٌ له، وذلك لا يكون إلاَّ عن جناية كانت منْه على يديه استحقَّ بها العقوبة، فدعا له رسول الله - عليه الصَّلاة والسَّلام - بالغُفْران ليديْه.

قال في "المفهم": "وقوله: "لن نصلح منك ما أفسدت": دليل على أنَّ المغفرة قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصل منه توزيع العقاب على المعاقب؛ ولذلك قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «اللهم، وليدَيه فاغفر»؛ رواه مسلم .

والظَّاهر: أنَّ هذا الرَّجل أدركتْه بركة دعْوة النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فغفر ليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة عليه.

وعلى هذا؛ فيكون قوله: "لن نصلح منك ما أفسدتَ" ممتدًّا إلى غاية دعاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – له، فكأنه قيل له: لن نصلِح منك ما أفسدتَ؛ ما لم يدْعُ لك النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وهذا الحديث يقتضي أنَّ قاتل نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يخلَّد في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48].

وهذا الرَّجُل ممَّن شاء الله أن يغفر له؛ لأنَّه إنما أتى بما دون الشرك". اهـ.

وقد خفِي على هذا الشَّيخ أنَّ ذلك الصَّحابي من أهل الجنَّة، وقد دفع اللهُ عن أهلها كلَّ مَحذور، وكلُّ ما يتمنَّونه يدركونه ويجدونه، فيحصل لهم فيها كل محبوب للنُّفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، حتَّى إنَّهم لا يطلبون منها بدلاً، فكيف يتأتَّى هذا مع وجود العجْز في الجسد، والقطع في اليدين؟!

قال الله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 107، 108]، وقال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21، 22].

قال الحافظ ابن كثيرٍ في تفسيره: "أي: لا يختارون غيرَها، ولا يحبُّون سواها، كما قال الشاعر:
 

فَحَلَّتْ سُوَيْدَا القَلْبِ لا أَنَا بَاغِيًا        سِوَاهَا  وَلا  عَنْ  حُبِّهَا   أَتَحَوَّلُ


وفي قوله تعالى: {لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف: 108] تَنبيه على رغبتهم فيها، وحبِّهم لها، مع أنَّه قد يتوهم فيمَن هو مقيم في المكان دائمًا أنَّه يسأمه أو يملُّه، فأخبر أنَّهم مع هذا الدَّوام والخلود السَّرمدي، لا يَختارون عن مقامهم ذلك متحوَّلاً ولا انتِقالاً، ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلاً". اهـ.

وفي الصَّحيحين عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إنَّ الله - تبارك وتعالى - يقول لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيك ربَّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرْضى وقد أعطيْتنا ما لم تعْطِ أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك، قالوا: يا رب، وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلُّ عليْكم رضواني فلا أسخط عليْكم بعده أبدًا».

هذا،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام