هل تجوز الطهارة بالماء المستعمل؟

منذ 2015-05-01
السؤال:

ما حكم الوضوء و الغسل بالماء المستعمل؟ وهل الماء المستعمل يرفع الحدث ويزيل النجاسة ام لا؟

الإجابة:

الحمد لله تعالى
أولًا:
الماء الذي اغتسل به الإنسان أو توضأ به، يقال له: "الماء المستعمل"، فهو الماء المتساقط من الأعضاء بعد غسلها، وليس هو الماء الباقي في الإناء الذي يغترف الإنسان منه.
انظر : (الذخيرة" للقرافي:1/175).
ومن صور ذلك: لو أن شخصاً جمع ماءً في البانيو حتى امتلأ ثم اغتسل فيه من الجنابة، فهل له أن ينغمس فيه ويغتسل فيه من الجنابة مرة أخرى أو يتوضأ منه؟
وإذا جَمع الماءَ المتساقط منه في الوضوء في إناء، فهل له أن يتوضأ به مرة أخرى؟
وقد اختلف العلماء هل تصح الطهارة به مرة ثانية أم لا؟ 
فذهب جمهور العلماء إلى أن الماء المستعمل في رفع الحدث: هو ماء طاهر، ولكنه ليس بطهور، فلا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً.
انظر : (المغني:1/31) ، (المجموع:1/150).
واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ [الراكد]، وَهُوَ جُنُبٌ».
فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟  
قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. رواه مسلم (283).
ففي هذا الحديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، والسبب في ذلك أنه يُفسده على غيره، لأنه بالاغتسال به يصير مستعملاً، فلا يستطيع غيره أن يغتسل به، لذلك أمر أن يتناول الماء منه تناولاً، وَحُكْمُ الْوُضُوءِ حُكْمُ الْغُسْلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
فال الحافظ العراقي: "اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ مَسْلُوبُ الطَّهُورِيَّةِ، فَلَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَوْلَا أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يَغْتَسِلُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى لَمَا نَهَى عَنْهُ"، انتهى من (طرح التثريب في شرح التقريب:2/ 34).
قال الحافظ ابن حجر: "وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الِانْغِمَاسِ فِيهِ لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا، فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْغَيْرِ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ غَيْرُ طَهُورٍ" انتهى من (فتح الباري:1/ 347).
غير أن الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر.
قال النووي: "وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ وَالصَّوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الدَّائِمِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِئَلَّا يُقَذِّره، وَقَدْ يُؤَدِّي تَكْرَارُ ذَلِكَ إلَى تَغَيُّرِهِ" انتهى من (المجموع شرح المهذب:1/154).
وقال شيخ الإسلام: "نهيه عن الاغتسال في الماء الدائم ... لما فيه من تقذير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته، ولا لصيرورته مستعملاً " انتهى من (مجموع الفتاوى:21/46).
قال النووي: "وَأَقْرَبُ شَيْءٍ يُحْتَجُّ بِهِ ..: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ رضي الله تعالى عنهم احْتَاجُوا فِي مَوَاطِنَ مِنْ أَسْفَارِهِمْ الْكَثِيرَةِ إلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ لِاسْتِعْمَالِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: تَرَكُوا الْجَمْعَ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَمَّعُ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يُسَلَّم، وَإِنْ سُلِّمَ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يُسَلَّمْ فِي الْغُسْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَمْعِهِ مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْمَعُوهُ لِلشُّرْبِ وَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَالتَّبَرُّدِ وَنَحْوِهَا مَعَ جَوَازِهَا بِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ تَرْكَ جَمْعِهِ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ لِلِاسْتِقْذَارِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا ... وَأَمَّا الطَّهَارَةُ بِهِ ثَانِيَةً فَلَيْسَ فِيهَا اسْتِقْذَارٌ، فَتَرْكُهُ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ " انتهى من (المجموع شرح المهذب:1/154).


ثانيا: ذهب المالكية والظاهرية إلى أن الماء المستعمَل في رفع الحدثين الأكبر والأصغر يظل على طَهوريته، ويجوز للإنسان أن يرفع به الحدث ويزيل به النجس. ينظر: (الاستذكار:2/198).
وأقوى ما يستدل به عل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فهو يدل على طهورية كل ماء ما لم يتغير بالنجاسة.
ولأن الأصل في الماء الطَّهورية، ولا دليل يدل على إخراجه عنها بالاستعمال.
قال ابن المنذر: "وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّدَى الْبَاقِي عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِمَا طَاهِرٌ : دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَإِذَا كَانَ طَاهِرًا، فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَرْجِعُ إِلَيْهَا مَنْ خَالَفَ الْقَوْلَ" انتهى من (الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف:1/288).
واختار هذا القول : شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: "كل ما وقع عليه اسم الماء فهو طاهر طهور، سواء كان مستعملا في طهر واجب، أو مستحب أو غير مستحب " انتهى من (مجموع الفتاوى:19/236).
وذكر المرداوي في كتابه (الإنصاف:1/35) أن هذا القول اختاره كثير من علماء الحنابلة ثم قال: "وَهُوَ أَقْوَى فِي النَّظَرِ" انتهى.
وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، وكذلك الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله تعالى جميعاً.
والأولى عدم استعماله احتياطا لصحة العبادة، حتى لا يتوضأ المسلم وضوءاً وهو يشك في صحته.
قال الشيخ ابن باز: "والصواب أنه طهور، فلو أن إنسانا تطهر من حوض صغير، أو من إناء كبير، ثم صب ماءه الذي تطهر فيه في إناء آخر، فتوضأ به آخر فلا بأس إذا كان ليس به نجاسة ....
لكن تركه أحسن من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" انتهى من (فتاوى نور على الدرب:5/272).
وقال أيضاً: "ترك الوضوء من مثل هذا الماء المستعمل أولى وأحوط ؛ خروجاً من الخلاف، ولما يقع فيه من بعض الأوساخ الحاصلة بالوضوء به أو الغسل". انتهى من (مجموع فتاوى ابن باز:10/18).
والله تعالى أعلى وأعلم.