مقدار السترة طولاً وعرضاً

منذ 2015-07-19
السؤال:

قرأت الفتاوى المتعلقة بالسترة على موقعكم وما زال لدي بعض الإشكال في مسألتين:

1- ما هو الطول والعرض الوارد في حجم السترة؟

2- ما أقرب وأبعد مسافة ينبغي أن تكون بين المصلي والسترة؟

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أولاً:

يستحب للإمام والمنفرد أن يصلي إلى سترة؛ لما رواه أبو داود (598) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ، فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا» قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: "إسناده حسن صحيح" انتهى من (صحيح سنن أبي داود:3/281).

وجاء في (الموسوعة الفقهية:24/177): "يسن للمصلي إذا كان فذا (منفردا)، أو إماما أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه، وتمكنه من الخشوع في أفعال الصلاة؛ وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدا يمر بين يديه»، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم».

أما المأموم فلا يستحب له اتخاذ السترة اتفاقا؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو لأن الإمام سترة له" انتهى.

وللفائدة ينظر الجواب لسؤال سابق.

ثانياً:

السنة أن يستتر المصلي بشيء قائم، والأفضل أن يكون بمقدار مؤخرة الرحل فما فوق؛ لما رواه مسلم (771) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّهَا قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (مسلم:771).

قال النووي رحمه الله تعالى: "وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى السُّتْرَة بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَبَيَان أَنَّ أَقَلّ السُّتْرَة مُؤْخِرَة الرَّحْل، وَهِيَ قَدْر عَظْم الذِّرَاع، هُوَ نَحْو ثُلُثَيْ ذِرَاع، وَيَحْصُل بِأَيِّ شَيْء أَقَامَهُ بَيْن يَدَيْهِ هَكَذَا" انتهى من (شرح مسلم للنووي:4/216).

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

"وقدر السترة في طولها: ذراع أو نحوه. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن آخرة الرحل كم مقدارها؟ قال: ذراع. كذا قال عطاء: ذراع. وبهذا قال الثوري، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد، أنها قدر عظم الذراع. وهذا قول مالك، والشافعي.

والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بآخرة الرحل، وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر، فتارة تكون ذراعا، وتارة تكون أقل منه، فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به، والله تعالى أعلم.

فأما قدرها في الغلظ والدقة: فلا حد له نعلمه، فإنه يجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يستتر بالعنزة). وقال أبو سعيد: كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة، وروي عن سبرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استتروا في الصلاة ولو بسهم» رواه الأثرم. وقال الأوزاعي: يجزئه السهم والسوط. قال أحمد: وما كان أعرض فهو أعجب إلي؛ وذلك لأن قوله «ولو بسهم» يدل على أن غيره أولى منه " انتهى من (المغني:2/38).

 

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: عن مقدار السترة للمصلي؟

فأجاب: "السترة التي يضعها المصلي الأفضل أن تكون كمؤخرة الرحل نحو ثلثي ذراع، وإن كانت أقل من ذلك، فلا حرج حتى لو كانت سهماً أو عصاً، فإنه تجزئ" انتهى من (مجموع فتاوى ابن عثيمين:13/326).

ثالثاً:

السنة أن يدنو المصلي من سترته، ويكون قريباً منها، بحيث يتمكن من رد المار بين يديه؛ لما رواه أبو داود (695) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله تعالى عنه عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا ، لَا يَقْطَعْ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» حسنه ابن عبد البر في (التمهيد:4/195)، وصححه النووي في (المجموع:3/244)، وصححه الألباني في (صحيح أبي داود).  

 

وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في مقدار المسافة، ومن أين تحسب؟

فمنهم من رأى أن المسافة بمقدار ثلاثة أذرع من قدمي المصلي؛ لما روى البخاري (506) عن نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما (كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ).

جاء في(الموسوعة الفقهية:24/184): "يسن لمن أراد أن يصلي إلى سترة أن يقرب منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه، ولا يزيد على ذلك؛ لحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع)، وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ وهو المفهوم من كلام المالكية؛ لأن الفاصل بين المصلي، والسترة يكون بمقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده" انتهى بتصرف.

 

وذهب آخرون إلى أن المسافة بمقدار ممر شاة من مكان سجود المصلي؛ لما روى البخاري (474)، ومسلم (508) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: «كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ» .

قال النووي رحمه الله تعالى: "قَوْله: (كَانَ بَيْن مُصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن الْجِدَار مَمَرّ الشَّاة) يَعْنِي بِالْمُصَلَّى: مَوْضِع السُّجُود، وَفِيهِ أَنَّ السُّنَّة قُرْب الْمُصَلَّى مِنْ سُتْرَته" انتهى.

 

ومن العلماء من جمع بين حديث ابن عمر وحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم جميعاً، فحمل حديث ابن عمر (ثلاثة أذرع)، على حال القيام، وحديث سهل (ممر الشاة)، على حال السجود.

قال الشيخ الألباني رحمه الله في (صفة الصلاة:1/114): "وكان صلى الله عليه وسلم يقف قريبا من السترة، فكان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، و بين موضع سجوده، والجدار ممر شاة" انتهى.

 

والله تعالى أعلم.