حكم حب الوالدين الكافرين

منذ 2018-08-28
السؤال: السلام عليكم و رحمة الله، ما هو حكم حب الوالدين الكافرين؟ أرجو اجابة مفصلة لأن هذه المسألة في غاية الأهمية لإخواننا من خلفية غير مسلمة هنا في الغرب. وهل في هذه المسألة خلاف بين الفقهاء من المذاهب المعتبرة؟ وجزاكم الله خيرا
الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فإن من يتأمل أدلة الشريعة الإسلامية وما جبل الله تعالى عليه الإنسان من ميل  طبيعي لا يتردد في جواز حب الوالدين الكافرين وعدم وجوب هجر الأرحام الكفار غير المحاربة ولا قطع أسباب المودة من الإحسان والهدايا والزيارة، لأنه لا يلزم من البر والصلة بالمعروف والرحمة والإحسان والعدل لا يلزم من كل هذا الموالاة القلبية ولا حب دينهم، قال الإمام البخاري في صحيحه (3/ 164)

باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، ثم روى فيه حديثين الأول عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد؟ فقال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: (إني لم أكسكها لتلبسها! تبيعها، أو تكسوها)، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم"

والثاني عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: (نعم صلي أمك)

قال ابن حجر في فتح الباري (5/ 233):

"والمراد منها بيان من يجوز بره منهم، وأن الهدية للمشرك إثباتًا ونفيًا ليست على الإطلاق، ومن هذه المادة قوله تعالى {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [لقمان: 15]، ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [المجادلة: 22]، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل". اهـ.

وقد حرر تلك المسألة الإمام أبو محمد بن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 94)، فبين الفارق بين المحبة الجائزة للأبوين الكافرين والتي تكون محبة مجردة بمقتضى الجبلة البشرية والطبع، وبين المحبة المحرمة؛ فقال:  

"فكل ما هو مأمور بتعظيمه فاضل، وكل فاضل فمأمور بتعظيمه، وليس الإحسان والبر والتوقير والتذلل المفترض في الأبوين الكافرين من التعظيم في شيء؛ فقد يحسن المرء إلى من لا يعظم ولا يهين، كإحسان المرء إلى جاره وغلامه وأجيره ولا يكون ذلك تعظيمًا وقد يبر الإنسان جاره والشيخ من أكرته ولا يسمى ذلك تعظيما وقد يوقر الإنسان من يخاف ضره ولا يسمى ذلك تعظيمًا وقد يتذذلل الإنسان للمتسلط الظالم ولا يسمى ذلك تعظيمًا، وفرض على كل مسلم البراءة من أبويه الكافرين وعداوتهما في الله عز وجل قال الله عز وجل {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}[المجادلة: 22]، وقال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة: 4]، وقال عز وجل:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].

فقد صح بيقين أن ما وجب للأبوين الكافرين من بر وإحسان وتذلل ليس هو التعظيم الواجب لمن فضله الله عز وجل؛ لأن التعظيم الواجب لمن فضله الله عز وجل هو مودة في الله ومحبة فيه وولاية له، وأما البر الواجب للأبوين الكافرين والتذلل لهما والإحسان إليهما فكل ذلك مرتبط بالعداوة ولله تعالى وللبراءة منه وإسقاط المودة كما قاله تعالى في نص القرآن". اهـ.

وقال صاحب كتاب "الولاء والبراء والعداء في الإسلام" (ص: 99-101):

"المحبة الطبيعية للكافر المُعيَن غير المحارب الذي يعسر التحرز من مودته لأي سبب شرعي: هذه المحبة الظاهر أن حكمها جائز، وهي من قبيل الرخصة ولكن هذه المحبة جائزة بشرط ألا تُقدم على محبة الله ورسوله وألا تحمل على ترك واجب أو فعل محرم، علماً بأن المسلم لو أبغض هذا الكافر في الله، فلا تثريب عليه بشرط ألا يحمل هذا البغض على ظلم هذا الكافر أو تضييع حقوقه، ويجب أن يُلاحظ أن هذه المحبة يجب أن تبقى في حدودها الدنيوية، فلا يُبالغ بها. والدليل على جواز هذه المحبة

ما يلي:

الدليل الأول: مودة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، دل عليه حرصه وإلحاحه عليه بالإسلام، كما دل عليه شفاعته له في تخفيف العذاب عنه؛ فلولا المحبة والمودة لقرابته، ونصرته، لما كان هذا منه، فإنه لم يفعل ذلك مع غيره.

 وقد قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في شأن عمه أبي طالب الكافر {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [القصص: 56]، أي من أحببته لقرابته على أحد التفسيرين للآية وهو الأظهر، وقال الإمام سليمان بن عبد الله - رحمه الله - في كتابه "تيسير العزيز الحميد": وقد ثبت في الصحيحين أنها أنزلت في أبي طالب، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في حقه، ويحبه حبًا طبعيًا لا حبًا شرعيًا".

  الدليل الثاني: إباحة الشرع زواج العفائف الحرائر من نساء أهل الكتاب فإذا أجاز الشارع نكاح الكتابية وهي كافرة، فذلك يفيد جواز مودتها؛ إذ الزواج متضمن للمودة فما كان للشارع أن يأذن بالزواج منها، ثم يمنع من مودتها، فالشارع لم يُحرَج في محبة الزوجة الكتابية لجمالها وحب الاستمتاع بها بل لا بد أن توجد المودة والرحمة التي أشار الله إليها في كتابه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } [الروم: 21]، وهذا عام في كل الأزواج سواءً كانت مسلمة، أم كتابية.

الدليل الثالث: قول الله تعالى في حق الوالدين المشركين اللذين يُجاهدا ابنهما على الشرك {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، ومن المعلوم أن مقتضى البغض في الله أن يبعد المسلم عمن يبغضه ويهجره ولا يُصاحبه ولا يُداخله ولا يُباسطه، والله عزوجل أمر بمصاحبتهم في الدنيا معروفاً، بل أذن بالزواج من الكتابية، فإن عدم مؤاخذة المسلم في محبة والديه الغير مسلمين من باب أولى؛ لأن المتزوج من الكتابية قد تزوج من تلقاء نفسه ولم يُكرهه أحد على ذلك، أما من ابتُلي بوالدين كافرين أو إخوة كفار فهو مُكر على ذلك، ولم يختر والديه وأقاربه وهو أولى بالإعذار من المتزوج للكتابية؛ ويدلك على هذا التقرير حديث أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي)، ومن المعلوم أن البكاء والشفقة لا يكونان إلا من ميل قلبي جبلي لا يُؤاخذ عليه الإنسان.

الدليل الرابع: قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الممتحنة: 8، 9] وهو استدلال ضمني بأنَّ الله نهى عن الإحسان إلى المحاربين وأَذِنَ بالصلة والإحسان لمن لم يحارب من الكفار، وقوله {أَن تَوَلَّوْهُمْ} في وصف المحاربين يدل على أنَّ غير المحاربين له نوع موالاة جائزة بالإحسان والمودة الجزئية ونحو ذلك، وهذا واضح بالمقابلة ثم إن عموم البر والإحسان فيه قدر من المودة لا ينفك عنه، وتكرمها إكرام الولد لوالده إذا قدم عليه، وهذا الإكرام لابد فيه من مودة وارتياح وانبساط ومؤانسة.

الدليل الخامس: حكمة الشارع وأن الشرع يُصدق بعضه بعضاً ولا يتناقض وذلك أن الشارع لم يقطع أسباب المودة الطبيعية كلياً للكافر المسالم للدين وأهله بل شرع صلة الأرحام ولو كانوا كفاراً وقيل رخص فيها ولا يُمكن أن يُرخص في صلة الأرحام ثم يُحرَج الشارع من محبتهم المحبة الطبيعية الجبلية إذ من المعلوم أن إعطاء الوسيلة حكم التوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية؛ لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالباً لوقع الناس في حرج عظيم فما بالك لو كان تعاطي هذه الوسائل واجب كوجوب بر الوالدين المشركين وصحبتهما في الدنيا معروفاً؛ قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]". اهـ. مختصرًا بصرف يسير.

إذا تقرر هذا؛ ظهر أن المحبة نوعان، محبة طبيعة جبلية، ومحبة شرعية، وأن المحبة الطبيعية جائزة للوالدين الكافرين بخلاف المحبة الشرعية، وهما أي المحبتين يجتمعان، ويتفرقان على حسب المحل،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام