المذهب الدي يجب العمل به

منذ 2019-04-18
السؤال: السلام عليكم اريد معرفة المذهب الذي يجب على المسلم العامي العمل به هل هو مدهب بلده او قول الجمهور ام القول الذي يغلب على ظنه أنه الأصح، كما أنني اجد بعض مواقع الفتوى يفتون بقول الجمهور كموقع اسلام ويب مثلا فقد عملت بالكثير من فتواهم ثم تبين لي أنها قول الجمهور وليس مدهب بلدي كما ارجو منكم ان تخبروني متى يجوز لي العمل بفتوى مدهب غير مدهب بلدي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ان في اختلافهم رحمة ففيما تتمثل هذه الرحمة
الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالواجب على المسلم اتِّباع كتاب الله - عزَّ وجلَّ - وسنة رسوله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم؛ لأنَّ الله فَرَضَ طاعته وطاعة رسوله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - على كل أحد في كل حين، سواء انتسب إلى مذهب منَ المذاهب الأربعة أم لم ينتسب، قال الله - عَزَّ وَجَلَّ -: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].

أمَّا اتِّباع مذهبٍ معين أو عالم بعينه فإن في ذلك تفصيل:-

 فإن كان المسلم من أهل الاجتهاد وله القدرة على معرفة الدليل واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فهذا لا يَجوزُ له التَّقليد، وإنَّما يعمل بِما تَرَجَّحَ عنده بالدَّليل الشَّرعي، وكذلك من لم يكن من أهل الاجتهاد ولكنه يعرف الأدلة ويفهمها ويميز بينها، فهذا يجب عليه اتباع الدليل، إن ظَهَرَ له الحقُّ بوجود الدَّليل الصحيح في مسألةٍ ما، فعليْهِ اتّباعُه وإن كان ذلك بخلاف قول المذهب الذي يتَّبعه، لأنَّه لا يَجوز العدول عن الحق إلى قول أحد كائنًا مَن كان بإجماع أهل العلم، ولا عُذرَ لأحد عند الله في اتِّباع قول يعلم أنَّ الدليل بخلافه.

وأمَّا مَن كان منَ العوامّ الذين ليست لهم أهليَّة لمعرفة الأدلة الشَّرعيَّة واستنباط الأحكام، فإنَّه يجوز له أن يسأل عما أَشكل عليه مَن يثق في علمه وورعِه كما قال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ويجوز له أن يُقَلِّد مذهبًا معيَّنًا دون أن يكون مُلْزمًا بأخْذِ جَميع أقوال ذلك المذهب، سواء كان مذهب أهل بلده أم لا.

قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (20/ 209):

"ولا يَجب على أحد منَ المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد منَ المسلمينَ التزام مذهب شخص معين غير الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - في كلّ ما يوجبه ويخبر به؛ بل واتباع الشخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع بغير ذلك الطريق". اهـ.

وقال أيضًا (20/ 210): "قد ثبت بالكتاب والسّنَّة والإجماع أنَّ الله سبحانه وتعالى فَرَض على الخلق طاعتَهُ وطاعةَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ولم يُوجب على هذه الأُمَّة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان صِدِّيق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول: "أطيعوني ما أطعتُ الله فإذا عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم"، واتَّفَقُوا كلُّهم على أنَّه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلاَّ رسول الله - صَلَّى الله عليه وَسَلَّم - ولهذا قال غيرُ واحد من الأئمَّة: كلّ أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء الأئمة الأربعة - رضيَ الله عنهم - قد نَهَوُا النَّاسَ عن تقليدِهِم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت؛ فمن جاء برأْيٍ خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بِمالكٍ فسأله عن مسألة الصاع؛ وصدقة الخضراوات؛ ومسألة الأجناس؛ فأخبره مالكٌ بِما تدلّ عليه السّنَّة في ذلك فقال: رجَعت إلى قولك يا أبا عبدالله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت.

 ومالك كان يقول: إنَّما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلامًا هذا معناه. والشَّافعي كان يقول: إذا صَحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحُجَّة موضوعةً على الطريق فهي قولي. وفي "مختصر المزني" لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال: مع إعلامِية نَهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد كان يقول: لا تُقَلِّدُوني ولا تُقَلِّدوا مالكًا ولا الشافعيَّ ولا الثوري، وتعلَّموا كما تَعَلَّمنا، وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يُقَلِّد دينه الرجال وقال: لا تقلد دينكَ الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا".

إلى أن قال: "لكن منَ الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلَّة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه، وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز عند الحاجة؛ كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال".

قال: "وعلى القول بتجزيء الاجتهاد - وهو الرَّاجح - فكلّ مَن بلغه دليل صحيح في مسألة، فلا يجوز له العُدول عنه إلى قول أحد منَ الأئمَّة، ما دامَ له سَلَف من إمام مُعتَبر عند الأُمَّة".

وقال العلاَّمة ابن القيّم - رحِمَه الله - في كتابه "إعلام الموقعين": "وهل يلزم العامّيَّ أن يَتَمَذهَب ببعضِ المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان:

أحدهما: لا يلزم وهو الصواب المقطوع به؛ إذْ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد منَ الناس أن يَتَمَذهَب بمذهب رجُلٍ منَ الأُمَّة فَيُقَلِّدَهُ دِينَهُ دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة؛ بل لا يصلح للعامّيّ مذهب، ولو تَمَذهب به، فالعامّيّ لا مذهب له؛ لأنَّ المذهب إنَّما يكون لِمَن له نوع نظرٍ واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حسبه أو لِمَن قَرَأ كتابًا في فُرُوع ذلك المذهب وعَرَف فتاوى إمامه وأقواله...

قال: والعامّيّ لا يتصور أن يصح له مذهب، ولو تصوّر ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قطُّ أن يَتَمَذهَب بمذهب رجل منَ الأمَّة؛ بحيث يأخذ أقواله كلها، ويدع أقوال غيره.

وهذه بدعةٌ قبيحة حَدَثَت في الأمَّة لم يَقُل بها أحد من أئمَّة الإسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرًا، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلكَ.

وأبعدُ منه قَوْلُ مَن قال يلزمه أن يَتَمَذهَب بمذهب عالم منَ العلماء، وأبعد منه قول مَن قال يلزمه أن يَتَمَذهَب بأحد المذاهب الأربعة".

 ومِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّن أن القادِرُ على فهم الكتاب والسُّنَّة أو المجتهد ولو جزئيًا لا يسوغ له التقليد فيما يعتقد الحق بخلافه، بل يجب عليه اتباع الدليل؛ كما قال الإمام الشافعي: "أجمع المسلمون على أنَّ مَن استبانَ له سنَّة عن رسوله - صَلَّى الله عليه وسلم - لم يحلَّ له أن يدَعَها لقول أحد".

أما من عجز فهم الأدلة ولا قُدرة له على الاستنباط، فيجوز له أنْ يُقَلِّد من تطمئن نفسه إلى تقليده، وإذا حَصَل في نفسه عدم الاطمئنان سأل حتَّى يَحصل عنده اطمئنان، فالعامّيّ يقلد مَن يعتقده الأعلم والأقرب للحق؛ ولكن إن ظَهَر له وَتَبَيَّنَ رجحان قول على قول بالدليل، فيجب عليه الرُّجوع إلى القول المُوَافق للبرهان الصحيح، ولا يعدل عنه ولقول أحد كائنًا مَن كان،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام