أعصي ثم أتوب ثم أعود للمعصية

منذ 2019-09-21
السؤال:

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته. بعزة الله, اني لواجهت أكبر صعوبة عندي فى كتابة تلك الرسالة, لأن بها خطيئتي التي تحيط بي و مهما التوبة أقع و مهما العزم أخدع من الشيطان. أنا شاب عمري 16 عاما, منذ أن كنت ذا عشر و أنا أعاني من الشهوة (الاستمناء), و ظللت ست سنوات علي أن أقضي عليها فما استطعت, الحمد لله قد هداني لما أرداده من صلاة و صوم و قراءة قران و طلب علم في العلم التجريبي و رد شبهاتة و لكني مازلت أسقط, درست الشهوة و تعلمت مكائد الشيطان فى جلب الاستناء و كيفية مقاومة هذا و لكن ما استطعت, قرأت القران حتي كاد أن يغشي علي من الهول و لكن ما استطعت, قمت الليل و فعلت ما بوسعي و لكن ما استطعت, طلبت العلم فى تلك المسألة أن أنوب التوبة النصوحة فما استطعت, كلمت زملائي فيها أن يوقفها لعلي أستحي و لأن الله أحق أن يستحي منه فما استطعت, و هذا لأن ارادتي ضعيفة و عزمي ضعيف و الشيطان لا يتعب و لا يمل من الوسوسة و اني في هذا تغلبت علي شهوتي, حتي أقصي ما تبت كان 60 يوما, و فجري فيها تخطي الحدود, و أقل ما أقول أنني أفقد عقلي و قلبي عندها و ليس ديني, و منها أني في يوم وقعت, و كان وقت مغرب أو عشاء, و سمعت الشيخ يقرا: و لقد خلقنا الانسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب اليه من حبل الوريد, و رغم هذه الصاعقة لم أتوقف, رغم أني جاهدت حينها فى التوقف فلم أستطع, و أخاف أن يتخذ الشيطان هذا الطريق فيذهب بي الي الاكتئاب و انعدام الارادة و الحزن و بلادة الاحساس حتي يصبح الأمر عاديا, و الأن, أكتب تلك الرسالة و لا أشعر بالندم الشديد أو حتي لا أشعر فاني تبلدت, لأني فقدت الاحساس من كثرة التوبة و كثرة العودة, لكن لم ينقشع أملي, و دائما ما اجتهدت لأخلص النية لله فى التوبة, فما استطعت, و يريد الشيطان أن يتخذ من هذا سبيلا أن ربي لن يستجيب لي أو أنك تتخيل فقط و هو ليس بحق, كلا بل و الله ان لي ربا,وصاني بأهل الذكر, فاللهم يا مالك الملك ان لكل داء دواء فاجعل من نصيبي هذا الدواء لذلك الداء الملعون و ارزقني التوبة النصوحة و للمؤمنين جميعا يا الله. و في النهاية أسألكم الدعاء الخالص لنا شباب هذا الزمن فان لحالنا لبكاء, و باذن الله يجعل فى علمكم الوافر و سعيكم المشكور دواء انه هو الهاد و هو علي كل شئ قدير. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

الإجابة:

 

فالله تعالى يقبل توبة العبد النصوح وهي الخالصة من كل غش، وهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى، ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قَبِل الله توبته الأولى ثم إذا عاد استحق العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضا، ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يُصّر، بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة، كما دلت السنة المشرفة؛ ففي الصحيح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: "أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك "، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: "اعمل ما شئت".

قال النووي في "شرح مسلم" (17/ 75):

"وهذه الأحاديث - يقصد أحاديث التوبة - ظاهرة في الدلالة لها، وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة، قبلت توبته، وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها، صحت توبته.

قوله عز وجل للذي تكرر ذنبه: "اعمل ما شئت فقد غفرت لك": معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك". اهـ.

هذا؛ وحقيقةُ التَّوبة: تَرْكُ الذَّنْبِ والنَّدمُ على ما سَبَقَ، والعَزْمُ على أن لا يعودَ إلى مِثْلِه، والإشْفاق فيما بين ذلك كلِّه، لأنَّه لا سبيلَ إلى القطع بأنَّه أتى بالتَّوبة النَّصوح فيكون خائفًا؛ قال تعالى: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9].

وأبشر بالخير فأنت في بداية الشباب؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظِل إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه".

وأما أعظم ما يعينك على الثبات على الحق، فصدق اللجوء إلى الله، والندم، وتقوية الخوف من الله، فبذلك يعفو الله؛ كما قال - تعالى -: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17]، وقال: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ . وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } [الشورى: 25، 26].

والعبدَ إذا أذنبَ ثُمَّ تاب مِن ذُنُوبِه وصدق في توبته، فإنَّ الله يقبَلُ توبَتَه؛ كما قال عزَّ وجلَّ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طـه: 82].

روى الإمام أحمد والترمذيُّ وابنُ ماجه والحاكمُ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ ابْنِ آدَمَ خطَّاء، وخَيْرُ الخطَّائين التَّوَّابون"، وروى ابنُ ماجه عن أبي عبَيْدَة بنِ عبداللَّهِ عَن أَبِيهِ قال: قال رسُولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم -: "التَّائِبُ مِن الذَّنبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ"؛ رواه ابن ماجه.

قال ابن القيم في "مدارج السالكين" (1/ 313-314):

 "فإذًا التوبةُ هي حقيقةُ دين الإسلام، والدِّينُ كلُّه داخلٌ في مُسمَّى التَّوبة، وبِهذا استحقَّ التَّائبُ أن يكونَ حبيبَ اللَّه؛ فإنَّ الله يُحِبُّ التَّوابين ويُحب المتطهِّرين، ويدخل في مُسمَّاها الإسلامُ والإيمان والإحسان، وتتناول جَميعَ المقامات، ولهذا كانت غايةَ كلِّ مُؤمن وبدايةَ الأمر وخاتمتَه، وهي الغايةُ التي وجد لأجلها الخَلْقُ والأمر، والتَّوحيد جزء منها بل هو جُزْؤُها الأعظمُ الذي عليه بناؤُها، ولم يَجعلِ الله تعالَى محبَّته للتَّوَّابين إلا وهُم خواصُّ الخَلْقِ لدَيْهِ، ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان، لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم، فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها". اهـ.

" اهـ.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية طرق عملية لتكفير الذنوب؛ فقال رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (10/ 45-46): "والمُؤْمِنُ إذا فعل سيِّئةً فإِن عُقُوبتها تندفِعُ عنهُ بعشرةِ أسْبابٍ: أنْ يتُوب فيتُوبُ اللهُ عليْهِ؛ فإِنَّ التائِب مِن الذنْبِ كمنْ لا ذنْب لهُ، أو يسْتغْفِر فيغْفرُ لهُ أوْ يعْمل حسناتٍ تَمْحُوها فإِن الحسناتِ يُذْهِبْن السيِّئاتِ، أوْ يدْعُو لهُ إخْوانُهُ المُؤْمِنُون ويسْتغْفِرُون لهُ حيًّا وميِّتًا، أوْ يُهْدُون لهُ مِنْ ثوابِ أعْمالِهِمْ ما ينْفعُهُ اللهُ بِهِ، أوْ يشْفعُ فِيهِ نبِيُّهُ مُحمدٌ - صلى اللهُ عليْهِ وسلم -، أوْ يبْتلِيهِ اللهُ تعالى فِي الدُّنْيا بِمصائِبَ تُكفِّرُ عنْهُ أوْ يبْتلِيهِ في البرْزخِ بِالصعْقةِ فيُكفَّرُ بِها عنْهُ، أوْ يبْتلِيهِ في عرصاتِ القِيامةِ مِنْ أهْوالِها بِما يُكفِّرُ عنْهُ، أوْ يرْحمُهُ أرْحمُ الراحِمِين، فمَنْ أخْطأتْهُ هذِهِ العَشَرةُ فلا يلُومنَّ إلا نفْسَهُ؛ كما قال تعالى فِيما يرْوِي عنْهُ رسُولُهُ - صلى اللهُ عليْهِ وسلم -: ((يا عِبادِي إنَّما هِيَ أَعْمالُكُمْ أُحْصِيها لكُمْ ثُمَّ أُوفِيكُمْ إيَّاهَا فمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَليَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ)) انتهى.

وأمَّا التَّوبة النَّصوحُ التِي يَمحو اللَّهُ بِها الخَطايَا فلابدَّ فيها من شروطٍ وهي:

1- الإقلاع عن المعصية على الفَوْرِ والمُبادرة بالتوبة.

2- النَّدم على ما فعل.

3- والعزم عزمًا جازمًا أن لا يعودَ إليْها أبدًا تعظيمًا لله سبحانه، وإخلاصًا له، وحذرًا من عقابِه.

4- ردُّ المظالم إلى أهلها أو تحصيل البراءة منهم، إن كانت المعصية تتعلَّق بِحَقِّ آدمِيٍّ، فالبدار بالتوبة؛ فإنَّها تَمحو الحوْبَة وتَجُبُّ ما قبلها، والحذرُ من التَّسويف.

ومِمَّا يُعِينُ على التوبة:

- الإكثار من الحسناتِ؛ فإنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات، ومن ذلك كثرةُ الاستغفار والنوافل والذِّكْر والدُّعاء.

- البُعْد عن دواعي المعصية وأسبابِها كمُفارقة موضِع المعصية إذا كان وجودُك فيها قد يُوقِعُك في المعصية مرَّة أخرى، ومفارقة قُرناء السوء.

- مُرافقة الأَخْيَارِ والصَّالحين.

- تعلُّم العلم النافع والحرص على حضور مَجالس العلم، وأن تَملأَ وقتَك بِما يُفِيدُ حتَّى لا يَجِدَ الشيطانُ لديْكَ فراغًا.

فإن أحسنتَ وصدقتَ فأبْشِرْ بقول الله تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70]". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام