حكم صلاة الجماعة مع التباعد بسبب العدوى

منذ 2020-06-07

من المقرر في الأصول الكلية للشريعة الإسلامية أن ما عجز عنه المكلف ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور، وأن الله سبحانه لا يوجب على المكلف ابتداء ما يعجز عنه، وأن الواجبات تسقط للحاجة والمصلحة الراجحة.

السؤال:

قرأت لأحد علماء المسلمين الأفاضل فتوى يقول فيها: لا يفتي بصحة الجماعة على هذا النحو فقيه يعرف معنى الجماعة!
فهذه عينها التي قال ابن تيمية عنها "مجموع الفتاوى" (23/ 394): "
فإن صلاة الجماعة سميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانا وزمانا فإذا أخلوا بالاجتماع المكاني أو الزماني مثل أن يتقدموا أو بعضهم على الإمام أو يتخلفوا عنه تخلفا كثيرا لغير عذر كان ذلك منهيا عنه باتفاق الأئمة وكذلك لو كانوا مفترقين غير منتظمين مثل أن يكون هذا خلف هذا وهذا خلف هذا كان هذا من أعظم الأمور المنكرة بل قد أمروا بالاصطفاف بل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتقويم الصفوف وتعديلها وتراص الصفوف وسد الخلل وسد الأول فالأول كل ذلك مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان ولو لم يكن الاصطفاف واجبا لجاز أن يقف واحد خلف واحد وهلم جرا. وهذا مما يعلم كل أحد علما عاما أن هذه ليست صلاة المسلمين".

فما رأيكم في تلك الفتوى.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فلا شك أن الفتوى المشار إليها صحيحة في الحالة العامة وفي حالات الإمكان الأحوال العادية، وليس في الأحوال الاستثنائية وعند العجز، والتي منها انتشار الوباء - وسواء قلنا إن انتشار الوباء بفعل فاعل أم لا، فإن النتيجة واحدة وهي أن الوباء منتشر ويصيب البعض، وهو ما يوجب الاحتياط، ويجيز الأمور الاستثنائية –

ومن المقرر في الأصول الكلية للشريعة الإسلامية أن ما عجز عنه المكلف ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور، وأن الله سبحانه لا يوجب على المكلف ابتداء ما يعجز عنه، وأن الواجبات تسقط للحاجة والمصلحة الراجحة، وهذا ما قرره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة في كتبه، وليس هذا تناقضًا من إمام الدنيا أعني شيخ الإسلام، وإنما هما حالتان مختلفتان:

جاء في "مجموع الفتاوى" (23/ 406-407):

"والمقصود هنا: أن الجماعة تفعل بحسب الإمكان، فإذا كان المأموم لا يمكنه الائتمام بإمامه إلا قدامه، كان غاية ما في هذا أنه قد ترك الموقف لأجل الجماعة، وهذا أخف من غيره، ومثل هذا أنه منهي عن الصلاة خلف الصف وحده فلو لم يجد من يصافه، ولم يجذب أحدًا يصلي معه-: صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة؛ كما أن المرأة إذا لم تجد امرأة تصافها فإنها تقف وحدها خلف الصف باتفاق الأئمة، وهو إنما أمر بالمصافة مع الإمكان لا عند العجز عن المصافة".

وقرر أيضًا هذا الأمر كقاعدة عامة فقال (21/ 633-634):

"فإن الصواب ما عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه فلا إعادة عليه كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ولم يعرف قط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر العبد أن يصلي الصلاة مرتين لكن يأمر بالإعادة من لم يفعل ما أمر به مع القدرة على ذلك؛ كما قال للمسيء في صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تصل"، وكما أمر من صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة، فأما المعذور كالذي يتيمم لعدم الماء، أو خوف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد، وكالاستحاضة، وأمثال هؤلاء.

فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء أن يفعلوا ما يقدرون عليه بحسب استطاعتهم، ويسقط عنهم ما يعجزون عنه، بل سنته فيمن كان لم يعلم الوجوب أنه لا قضاء عليه؛ لأن التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل... فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يُعجزه؛ ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولهذا عُذر المجتهد المخطئ لعجزه عن معرفة الحق في تلك المسألة، وهذا بخلاف المفرط المتمكن من فعل ما أمر به، فهذا هو الذي يستحق العقاب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، وهذه قاعدة كبيرة" اهـ. مختصرًا.

وقال أيضًا - في معرض كلام في الصلاة خلف الصف - مجموع الفتاوى (20/ 559-560):

  "... فإن الواجبات تسقط للحاجة، وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات، فإذا تعذر ذلك سقط للحاجة؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة. وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه وهو قول طوائف من أهل العلم وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك التقدم عليه.

وفي الجملة: فليست المصافة أوجب من غيرها فإذا سقط غيرها للعذر في الجماعة فهي أولى بالسقوط. ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجوب وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد ولم يحرم ما يضطر إليه العبد".

إذا تقرر هذا، فالصلاة على الهيئة الموجودة حاليًا صحيحة بسبب العذر،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام