ماذا يفعل من مرّ ببلد ملئ بالشهوات فوقع في الزنا

منذ 2020-09-18
السؤال:

إنسان متزوج كان حافظ للقرآن وملتزم وسافر للعمل ولكنه مر ببلد مكث بها أسبوعين ملئ بالشهوات وارتكب الزنا مرة وغادر هذا البلد هو لم يذهب من اجل هذا ولكنه كان مجرد ترانذيت ولكنه ندم ندما شديدا على ما وقع منه كيف يفعل هذا ندم وتحسر ويطلب التوبه من الله والمغفرة لا يدري كيف يكمل حياته قلبت تحسرا وندما وانكسار يطلب النصيحة لله هل يتوب الله عليه ؟ أصبح أكثر حرصا على الصلاة في جماعة وقيام الليل والصدقه ماذا يفعل ؟؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالشارع الحكيم حذَّرنا من التساهل في أمر الخلطة بالنساء، وسدَّ كُلَّ المنافذ التي تؤدِّي إلى الحرام، وتعدي حدود الله، وأمر المسلمين بالفرار من مواضع الفتنة، والهرب من مظانها، والبعد عنها، فما استعين على التخلص من الفتن بمثل البعد عن أسبابها ومظانها؛ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((من سمع بالدجال فلينا عنه؛ فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات))؛ رواه أحمد وأبو داود،

وبين - صلى الله عليه وسلم – مصير من تعرض للفتنه أنها تهلكه؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تَشَرَّف لها تستشرفْه، فمن وجد فيها ملجأً، أو معاذًا، فليَعُذ به)).

ومن أخطر الفتن على الرجل وأكثر ضررًا وأشد فسادًا لدينهم ودنياهم فتنة النساء، وبإغرائهن وإمالتهن عن الحق، لا سيما في زماننا هذا، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، ولذلك سدًّ الشارع الحكيم جميع ذرائع الفَساد، وقطع طريق الشر أمام الرجال، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إيَّاكم والدخولَ على النساء))، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: ((الحموُ الموتُ))؛ متفق عليه من حديث عقبة بن عامر.

وفتنةَ الشَّهَوَاتِ إنما تُدْفَعُ بالصَّبرِ على الفتن وبِكَمَالِ العَقْلِ والنظر في عواقب الأمور، والموازنة بين لذَّة المعصية وما يتولّد عنها من الخوف والوحشة، فمن باع أنسَ الطَّاعة وأمنَها وحلاوتَها، بوحشة المعصية وخوفها، فقد عظم غبنه.

والواجب على هذا الرجل سرعة الفِرار إلى الله بصدق، مع أخْذ النفس بالشِّدَّة وعدم التَّهاون معها، والتوبة النصوح والعزم الأكيد على عدم العود، وتقطع النفس بالندم على ما فات، ومن شرط توبته العزم على عدم السفر لتلك البلاد وما شابهها.

فالزنا وإن كان من أقبح الكبائر وأفحشها، إلا أن عفو الله تعالى ورحمته أعظم، فهو سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، والذنب وإن عظم والكفر وإن غلظ يغفره سبحانه للتائبين؛ لعظيم فضل الله وسَعة رحمتِه، وحلمه وكرمه.

وقد سبق بيان ذلك في الفتويين: "التوبة من الزنا"، "شروط التوبة من الزنا في نهار رمضان".

 قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" في معرض كلامه على مكفِّرات الذنوب: "... فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية؛ فإنَّه - تعالى - يحب التوَّابين ويحب المتطهِّرين، وهو يبدل بالتَّوبة السيئات حسنات، والذَّنب مع التَّوبة يوجب لصاحبِه من العبوديَّة والخشوع، والتَّواضُع والدعاء وغير ذلك - ما لم يكن يَحصل قبل ذلك؛ ولهذا قال طائفة من السَّلف: إنَّ العبد ليفعل الذَّنب فيدخل به الجنَّة، ويفعل الحسنة فيدخل بها النار؛ يفعل الذنب فلا يزال نصْب عينيه، إذا ذكره تاب إلى الله ودعاه وخشع له، فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة، فيُعْجب بِها، فيدخل النَّار.

وفي الأثر: ((لَو لم تذنِبوا، لخِفْت عليْكم ما هو أعظم من الذَّنب، وهو العجْب))، وفي أثر آخر: ((لو لَم تكُن التَّوبة أحبَّ الأشياء إليه، لما ابتلى بالذَّنب أكرم الخلْق عليه))، وفي أثر آخر يقول الله - تعالى -: ((أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي؛ إن تابوا فأنا حبيبُهم، فإن الله يحب التَّوابين ويحب المتطهِّرين، وإن لَم يتوبوا فأنا طبيبُهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهِّرَهم من المعايب))، والتَّائب حبيب الله، سواءٌ كان شابًّا أم شيخًا.

السَّبب الثَّاني: الاستِغْفار؛ فإنَّ الاستغفار هو طلب المغفِرة، وهو من جنس الدُّعاء والسؤال، وهو مقرونٌ بالتَّوبة في الغالب ومأمور به؛ لكن قد يتوب الإنسان ولا يدْعو، وقد يدْعو ولا يتوب، والتَّوبة تَمحو جَميع السيِّئات، وليس شيءٌ يَغفر جَميع الذُّنوب إلاَّ التَّوبة، فإنَّ الله لا يغفِر أن يُشْرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وأمَّا التَّوبة فإنَّه قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وهذه لِمن تاب؛ ولهذا قال: لا تقنطوا من رحمة الله بل توبوا إليْه، وقال بعدها: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]، وأمَّا الاستِغفار بدون التَّوبة فهذا لا يستلزم المغفِرة؛ ولكن هو سبب من الأسباب.

السَّبب الثالث: الأعمال الصَّالحة؛ فإنَّ الله - تعالى - يقول: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لمعاذ بن جبل يوصيه: ((يا معاذ، اتَّق الله حيثُما كنت، وأتْبِع السيِّئة الحسنة تَمْحُها، وخالقِ النَّاس بخلُق حسن)).

وفي الصَّحيح عنه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنَّه قال: ((الصَّلوات الخمْس، والجمُعة إلى الجمُعة، ورمضان إلى رمضان، كفَّارات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائِر))؛ أخرجاه في الصَّحيحين.

وفي الصَّحيح عن النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه))، وقال: ((مَن حجَّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولَم يفسق، خَرَج مِن ذُنوبه كيوم ولدتْه أمُّه))، وقال: ((أرأيتم لو أنَّ بباب أحدكم نهرًا غمرًا يغتسل فيه كلَّ يوم خَمس مرَّات، هل كان يبْقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا، قال: ((كذلك الصَّلوات الخَمس، يَمحو الله بهنَّ الخطايا كما يَمحو الماءُ الدَّرن))، وهذا كلُّه في الصَّحيح، وقال: ((الصدقة تطفئُ الخطيئة كما يطفئُ الماءُ النَّار))؛ رواه الترمذي وصحَّحه.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [الصف: 10 - 12].

وفي الصَّحيح: ((يُغْفَر للشَّهيد كلُّ شيءٍ إلاَّ الدَّين))، وفي الصَّحيح: ((صوم يوم عرفة كفَّارة سنتين، وصوم يوم عاشوراء كفَّارة سنة))، ومثل هذه النصوص كثيرٌ، وشرح هذه الأحاديث يَحتاج إلى بسطٍ كثير.

فإنَّ الإنسان قد يقول إذا كفّر عني بالصَّلوات الخمْس، فأي شيء تكفِّر عني الجمعة أو رمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة وعاشوراء؟ وبعض النَّاس يجيب عن هذا بأنَّه يُكتب لهم درجات إذا لم تجد ما تكفِّره من السيئات، فيقال: أوَّلاً العمل الَّذي يمحو الله به الخطايا ويكفِّر به السيِّئات هو العمل المقبول، والله - تعالى - إنَّما يتقبَّل من المتَّقين، والسَّلف والأئمَّة يقولون: لا يتقبَّل إلاَّ ممَّن اتَّقاه في ذلك العمل، ففعله كما أُمر به خالصًا لوجْه الله تعالى". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام