حكم الاستهانة بالصغائر

منذ 2020-11-14
السؤال:

انا استهين بالصغائر مع أنني بفضل الله ملتزم لاكن استهين بها لأنها مغفوره ولا لم يرد بها عقاب فما الحل وشكرا؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فلا شك أن الصغائر متى كثرت يخاف على صاحبها عدم المغفرة حتى توجب الهلاك، وأن اعتيادها يؤدي إلى قلة المبالاة بها، وعدم الحياء من الله، ولأن اعتيادها يؤدي إلى ارتكاب الكبائر، لأن الإصرار على الصغيرة يحولها إلى كبيرة.

وعن سعيد بن جبير: أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: "هن إلى السبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقال: كل شيء عصي الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئًا منها فليستغفر؛ فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحدًا فريضة، أو مكذبا بقدر"؛ رواه الطبري في "التفسير"(8 / 245).

وقد بينت السنة المطهرة أن الصغائر إذا اجتمعت أهلكت صاحبها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود: "إياكم ومُحَقَّراتَ الذنوب، فإنهن يجتَمعْن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه"، وِإن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلاً، كمثلَ قوم نزلوا أرضَ فلاهٍ فحَضر صنِيعُ القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعُود، والرجلُ يجيء بالعُود، حتى جمعوا سَواَداً، فأجَّجُوا ناراً، وأنْضَجُوا ما قَذَفُوا فيها"، ومحقرات الذنوب: صغائرها.

عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة، إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله عز وجل طالبًا"؛ ورواه النسائي وابن ماجه.

 

وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات.»

وقد بين شيخ الإسلام ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين"  (1/ 199) خطورة الإصرار على الصغيرة وأنه يصيرها كبيرة، فقال:

"... فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضًا بها، وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه، فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم، وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر، وانسلاخ من الإسلام بالكلية، فهو دائر بين الأمرين: بين قلة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه، وبين الكفر والانسلاخ من الدين". اهـ.

وقال (1/336): "واعلمْ أن الإصرارَ على المعصية يُوجِب من خوف القلب مِن غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذُلِّه لغير الله، وتوكُّلِه على غير الله ما يَصير به مُنْغَمِسًا في بِحار الشرك، والحاكمُ في هذا ما يعلمه الإنسانُ مِن نفسه، إن كان له عقلٌ، فإن ذُلَّ المعصية لا بد أن يقومَ بالقلب، فيورثه خوفًا مِن غير الله، وذلك شركٌ، ويورثه محبة لغير الله، واستعانةً بغيره في الأسباب التي تُوَصِّله إلى غرَضِه، فيكون عمله لا بالله ولا لله، وهذا حقيقةُ الشرك".

وقال في معرض كلامه عن العقبات السبع التي يضل بها الشيطان المؤمنين، (1/ 239):

"العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر، فكال له منها بالقفزان، وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يُصر عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالاً منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار". اهـ.

 وبين شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإصرار على الصغائر قد يكون أعظم من الكبائر "مجموع الفتاوى" (15/ 293): "فإن الزنا من الكبائر وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن لا يأتي كبيرة ولا يصر على صغيرة، وفي الحديث المرفوع "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار"، بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]".

أما الدواء الناجع فهو التوبة الصادقة والتحفظ واليقظة، والانتباه وكمال الاحتراز من الشيطان الرجيم، والعمل بقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]،، والله أعلم.

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام