حكم الميراث من شركات تتعامل بالربا

منذ 2022-03-20
السؤال:

نحن "ورثة" أربعة إناث وذكرين.. توفي والدنا ونحن صغار فكان الذي يهتم بأموالنا جدي، ولما كبرنا وبعد وفاة جدي تحديدًا وجدنا أن لنا أسهم في عدد من الشركات، لكن المشكلة أن هذه الشركات تتعامل بالربا علمًا بأننا لم نكن نعلم عن ذلك حتى لحظة رغبتنا في بيعها والانتفاع بالمال.. فما حكم أخذنا للمال؟

الإجابة:

لحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فإن كان الحال كما ذكرت فجميع المال حلال لكم؛ لأن من رحمة الله بعباد أن من شرط التكليف التمكنهم من معرفة الحكم الشرعي، وأنه لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ جملة وتفصيلا، فالجاهل الذي لم يبلغه حكم الخطاب يعفى عنه ما تركه من الواجبات لعدم اعتقاد الوجوب، وكذلك كذلك ما قبضه من العقود الربوية أو ميسر والتي لم يبلغه تحريمها لجهل يعذر به، أو تأويل، إنه يقر على ما قبضه بهذه العقود، وتكون مباحة له؛ والدليل على هذا لقوله تعالى {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء: 15]، ولقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء: 165]، ونحوها من الآيات كثير، يبين الله عز وجل أنه لا يعاقب أحدا حتى يبلغه ما جاء به الرسول.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "تفسير آيت أشكلت"(2/575-586) في معرض كلامه على آيات الربا من سورة البقرة وأن من تأب من الكفار أو المسلمين حلّ له ما قبضه من عقود ربوية -: ".... أما المسلم فله ثلاثة أحوال:

تارة يعتقد حل بعض الأنواع -يعني الربا- بإجتهاد أو تقليد.

وتارة يعمل بجهل، ولا يعلم أن ذك ربًأ محرم.

وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك ربًا محرم.

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربًا محرم، قيل يرد ما قبضه كالغاصب، وقيل لا يرده. وهو أصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلال ، والكلام فيما إذا كان مختلفًا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر يغفر له إذا تاب ما استحله، ويباح له ما قبضه، فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.  

أما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي ان يكون كذلك فليس هو شرًا من الكافر.

وقد ذكرنا فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجبات التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه.

وأصل ذلك أن حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره.

ثم ذكر أدله كثير تدل على أن الأظهر أنه لا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ، ثم قال بعدها: "والشريعة أمر ونه، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي، فمن فعل شيئًا لم يعلم أنه محرم، ثم علم لم يعاقب، وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرًا من الكافر لو كان قد باع خمرًا أو حشيشة أو كلبًا لم يعلم أنه حرام وقبض ثمنها.

والكافر إذا غفر له قبضه لكونه تاب ، فالمسلم أولى بطريق الأولى.

والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فقد جعل الله له ما سلف، ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم برد ما قبضوه، فدل على أنه لهم مع قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } [البقرة: 275]، والله يقبل التوبة عن عباده". اهـ. مختصرًا.

إذا تقرر هذا، فيباح لكم بيع الأسم والانتفاع بثمنها لأن جميع الأموال تحل لكم،، والله أعلم

    

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام