حكم الجماع لمن خفي عليه أذان الفجر

منذ 2022-05-11
السؤال:

جامعت زوجتى قبل اذان الفجر فى رمضان و انتهينا و لكننا لم نسمع الاذان بوضوح حيث ان المسجد ليس قريب الى ان شككت فى الامر و قمت لاتاكد من الاذان فى الجوال فوجدت انه قد اذن للفجر من ٩ دقائق . اكملنا صيام اليوم. السوال هل علينا القضاء و الكفاره باطعام ٦٠ مسكينا عن كل منا؟ وهل فى خلال ٩ دقائق بعد وقت الفجر فى التقويم يعتبر الفجر الصادق لم يدخل و ليس علينا شيء؟ و لو علينا كفاره يجب اخراج الكفاره قبل ان نتماسا؟

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فالذي يظهر من كلام السائل أنه جامع زوجته ظانًّا عدم طلوع الفجر، ثم تبيَّن له خطأه، فإذا كان الحال كذلك فالصيام صحيح، ولا يجب عليه قضاء ولا كفارة؛ لأن القضاء والكفارة إنما تجبا في حق من تعمد الجماع بعد دخول الفجر الصادق، وهو ذاكر لصومه، أما من الجاهل والمخطئ والناسي فمعذورون؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].

قال - تعالى -: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:  286]، وفي صحيح مسلم أنَّ الله أجاب هذا الدعاء، فقال سبحانه: ((قد فعلت)).

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيانُ وما استكرهوا عليه))؛ رواه ابن ماجه وابن حبان وغيرهما.

وروى أحمد والبخاري وأبو داود، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما – قالت: ((أفطرنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومَ غَيْمٍ، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ قال: لا بُدَّ من قضاء، وقال معمر: سمعت هشامًا: لا أدري أقضوا أم لا)).

والظاهر أن هشامًا قال هذا اجتهادًا منه؛ لقول معمر: سمعت هشامًا يقول: لا أدري أقضوا أم لا.

قال الإمام ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (6/ 346): "واختلف الناس هل يجب القضاء في هذه الصورة، فقال الأكثرون يجب، وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم وحكمهم حكم من أكل ناسيًا، وحكي ذلك عن الحسن ومجاهد، واختلف فيه على عمر فروى زيد بن وهب قال كنت جالسًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر فأتينا بكأس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة، قال فجعل الناس يقولون نقضي يومًا مكانه فسمع بذلك عمر فقال: والله لا نقضيه وما تجانفا لإثم" رواه البيهقي وغيره.

وقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم "أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال له يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر الخطب يسير وقد اجتهدنا"، قال مالك يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى، وكذلك قال الشافعي وهذا لا يناقض الأثر المتقدم، وقوله: وقد اجتهدنا مُؤذن بعدم القضاء،

وقوله الخطب يسير إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره.

 فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء؛ لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسيًا لصومه لم يجب عليه قضاؤه، والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي؛ فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام، فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع، وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة". اهـ. مختصرًا.

 ومما يبين أن قياس الجاهل على الناسي قياس صحيح ما رواه البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}، عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك، فقال: ((إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار))، وفي الصحيحين أيضًا عن سهل بن سعد قال: أنزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ}، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ}، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار"، وليس في كلا الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا بالقضاء.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "... والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود، لم يأمرهم بالقضاء وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} هو الحبل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما هو سواد الليل وبياض النهار))، ولم يأمرهم بالقضاء". اهـ.

 وعليه فإن كان الحال كما ذكرت فالصيام صحيح ولا يجب عليكما القضاء ولا الكفارة،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام