هل الثقة في أمانة الكفار أكثر من المسلمين محرمة

منذ 2022-10-20
السؤال:

قلت في نفسي أني صرت أثق في الكفار أكثر من المسلمين فيما له علاقة بالبيع والشراء خاصة أني صرت ألاحظ أن الجودة عندهم والأمانة بينما انتشر في أوساطنا للأسف الغش، فما حكم ذلك؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الثقة في أمانة الكفار من ناحية الصناعة أو التجارة أو غير ذلك كالأخذ بعلومهم المتقدمة، فلا يعد من المحاذير الشرعية، وإنما مدار الأمر على المهارة والإتقان، فإن تفوقوا على المسلم في التجارة فلا يعني هذا صحة منهجهم الديني وإنما صحة قواعدهم وأساليبهم التجارية.

والشارع الحكيم إنما منع من اعتقاد أن يكون غير المسلم أفضل من المسلم دينيًا؛ كم يفهم من قوله تعالى: { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

كذلك حرم سبحانه موالاة الكافرين وحبه؛ لأنه هَدم للإيمان كله، الذي هو مبنيٌّ على محبة أولياء الله تعالى، ومعاداة أعدائه؛ كما رَوَى أحمدُ عن البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الموالاةُ في اللهِ، والمعَادَاةُ في اللهِ، والْحَبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ))،  فمن يحب الكافر ويتخذِه صديقًا وخلًّا، على خطر عظيم؛ لأنه يهدم بابًا عظيمًا من أبواب التوحيد، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ* وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [الْمَائِدَة: 55 -56].

وأخبر سبحانه أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله؛ لأن نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله؛ قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22].

ومن تمام عدْل الله - تعالى - أن كلَّ من أخَذَ بأسباب الرزق، أعطاه الله - تعالى - إن شاء الله، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا؛ كما قال - تعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 18]، قال ابن كثير في تفسيره - (5/ 62): "يخبر - تعالى - أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم، يحصل له؛ بل إنما يحصل لمن أراد الله ما يشاء". اهـ.

ورتَّب سبحانه الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة، ويريد الحياة الدنيا، ويريد حرث الدنيا؛ فقال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20]، وقالتعالى -: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16]؛ أي: نوفِّ لهم أجور أعمالهم في الدنيا بسَعة الرزق، ودفع المكاره وما أشبهها، {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}؛ أي: في الدنيا لا ينقص حظهم،، والله أعلم.

 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام