التوبة و كيفية التكفير عن الدنوب

منذ 2023-07-26
السؤال:

اريد ان اتوب لكن ما انفك ارجع لدنبي القديم و كل مره اقول اني اتوب توبه خالصه بس ارجع تاني فمادا افهل الدنب هو العاده السريه و مو ارجع لارادتي حيت انا نايمه احس اني اعملهها تم استيقظ و اتوب و اعود و اتوب فمادا افعل و كيف اكفر عن دنوبي السابقه هل دعاء الدي ادا قته غفرت لك دنوببك سيستجيب له الله سبحانه و تعاللى ارجوكم افيدوني

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فكل من نظر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله ىعليه وسلم، أيقن أن التوبة من أجل وأحب الطاعات إلى الله تعالى، وأنه سبحانه يفرح بتوبة عبده أعظم من فرح الواجد لراحلته في الأرض المهلكة، بعد اليأس منها، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واللهِ، لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة"، وهذه فرحة إحسان وبر ولطف، لا فرحة محتاج إلى توبة عبده، منتفع بها، وإنما هو محض كرم وبر، فهو سبحانه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته، وعفوه مؤاخذته، وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، والعفو والمغفرة والرحمة أحب إليه من الانتقام، والعقوبة والغضب، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع، حتى صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها"؛ متفق عليه، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟! والتائب حبيب الرحمن؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].

والله تعالى يقبل توبة كل من تاب، متى اجتمعت فيه شروط التوبة الصادقة من الإقلاع عن الذنب، والابتعاد عن أسبابه، وكلِّ ما يؤدي إليه، والعزمُ على عدم العود إليه، والندمُ على ما فات؛ قال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء: 17]، وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110]، وقال - سبحانه وتعالى -: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [الزمر: 53]، وقال – تعالى -:{وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا* إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان:67-70]، وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور31]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [الشورى: 25]، والآيات بهذا المعنى كثيرة جدًا.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يَبْسُطُ يَدَهُ بالليل؛ ليتوب مسيءُ النهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنهار؛ ليتوب مسيءُ الليل حتى تَطْلُعَ الشمس من مغرِبِهَا"؛ رواه مسلمٌ من حديث أبي موسى، وروى ابن ماجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو : "التائب من الذنب، كمن لا ذنب له".

بل إن الله تعالى لم يجعل التائب في آخر القائمة وإنما جعله من أول ركب المتقين؛ قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، ثم ذكر منهم: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136]،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (2/ 358): "... والذنب وإن عظم، والكفر وإن غلظ وجَسُمَ، فإن التوبة تمحو ذلك كله؛ والله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك وغيره للتائبين؛ كما قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين". اهـ.

جاء في "منهاج السنة النبوية" (2/ 429): "... وإذا عرف أن أولياء الله يكون الرجل منهم قد أسلم بعد كفره وآمن بعد نفاقه وأطاع بعد معصيته، كما كان أفضل أولياء الله من هذه الأمة - وهم السابقون الأولون - والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال، فلا ينظر إلى نقص البداية ولكن ينظر إلى كمال النهاية". اهـ.

أما تكرار العودة للذنب فلا يصدنقك عن التوبة، وسارع بالتوبة كلما أذنبت ولو عدت في اليوم مائة مرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش، وإذا كانت كذلك كائنة فإن العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمن خرج من قلبه الشبهة والشهوة لم يعد إلى الذنب، فهذه التوبة النصوح وهي واجبة بما أمر الله تعالى.

ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قبل الله توبته الأولى ثم إذا عاد استحق العقوبة، فإن تاب تاب الله عليه أيضًا، ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يُصرَّ؛ بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة؛ فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يحب العبد المفتن التواب"، وفي حديث آخر: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار"، وفي حديث آخر: "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة". اهـ.

هذا؛ وستجد على موقعنا فتاوى كثيرة فيها طرق عملية للإقلاع عن تلك العادة،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام