التوبة تجبّ ما قبلها

منذ 2023-09-26
السؤال:

انا فتاة كنت لمدة ١٥ سنة لا اصلي وكنت افعل الذنوب والحماقات ومن مدة التزمت بالصلاة ، ولكن في فترة المراهقة حصلت مشاجرة بيني وبين فتاة ادت الى ضربي على الوجه و جرح بالعين وانا بدون وعي وبسبب بعدي عن الدين ولم اكن اعي افعالي وبسبب الشيطان اتهمتها بأنها قذفتني كذباً وكل هذا بسبب ضربها لي . الفتاة لم يحصل لها اي ضرر بسببي كالفصل مثلاً من المدرسة . الان انا تبت الى الله والتزمت بالصلاة لكن هل علي شيء ؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:

فقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أن الله تعالى يغفر كل ذنب للتائب منه؛ كما قال تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، أي: لا ييأس مذنب من مغفرة الله، ولو كانت ذنوبه ما كانت؛ فإن الله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب، ويدخل في عموم الآية الكريمة الشرك والنفاق والكبائر، وغيرها من الذنوب، فإن الله تعالى يغفر كل ذلك لمن تاب منه، ودلّت السنة أن الله يقبل  توبة القاتل؛ كما في الحديث المتفق عليه في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وأن ملائكة الرحمة هي من قبضته.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10]، قال الحسن البصري: "انظروا إلى هذا الكرم! عذبوا أولياءه وفتنوهم، ثم هو يدعوهم إلى التوبة"، والآية ظاهرة الدلالة أن الله سبحانه يتوب على أئمة الكفر، كما هو الحال فيمن حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تاب.

والحاصل أن كل ذنب فيه وعيد، فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة؛ حيث إن نصوص التوبة مبيّنة لتلك النصوص؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (15/ 55): "فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات، انقلب ما كان يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له، بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، فمن نسي القرآن ثم حفظه خير ممن حفظه الأول، لم يضره النسيان، ومن مرض ثم صح وقوي لم يضره المرض العارض". اهـ.

وقال أيضًا في "منهاج السنة"(2/ 429-433): "... وإذا عُرف أن أولياء الله يكون الرجل منهم قد أسلم بعد كفره، وآمن بعد نفاقه، وأطاع بعد معصيته؛ كما كان أفضل أولياء الله من هذه الأمة - وهم السابقون الأولون - والإنسان ينتقل من نقص إلى كمال، فلا ينظر إلى نقص البداية، ولكن ينظر إلى كمال النهاية، فلا يعاب الإنسان بكونه كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة، إذا كان الله بعد ذلك خلقه في أحسن تقويم". اهـ.

إذا تقرر هذا، فاستعيني بالله وأكثري من الأعمال الصالحة، وكلما تذكرت ذلك الذنب أحدثي توبة واستغفار،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام