حول الشك بعد الزواج
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فمما لا شك فيه أن العلاقات بين الجنسين مما حرمته جميع شرائع الله سبحانه، حتى وإن كانت بغرض الزواج؛ فالإسلام منع من أي علاقة بين الجنسين إلا في ظل زواج صحيح.
والفتاة التي تعصي ربها، وتخون أهلها بإقامة تلك العلاقلات هي أو من يدفع الثمن؛ إذ أول من يزهد فيها هو الشاب الذي رافقها! متناسيًا أنهما متشابهان ومتكافئان، والذي يظهر أن تلك النفرة، بله الفرار والهروب هو عقاب لها على معصيتها، ثم تنتظره هو أيضًا عقوبة لا يحسب حسابها، إلا أن يتوب توبة صحيحة.
أما إن كان الاثنان قد تابا وأنابا، فلا ينبغي له تركها بتلك الحجج الواهية؛ لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو يبدل بالتوبة السيئات حسنات، والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك؛ والعِبْرة في المسلم بما هو عليْه الآن.
وبكل هذا نطق الكتاب العزيز؛ كما قال الله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}[الشورى: 13]، فالله سبحانه يمنُّ على عبده بالهداية ويجذبه إلى حماه، بعد عودته إليه سبحانه، وقد يكون ابتداء ذلك قصد العبد وعمله، وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن الله عليه ابتداءً باجتبائه إليه وإنابته إلى مولاه، قال الله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[المائدة: 16]، فإنابة العبد لربه هو السبب الذي يتوصل به إلى هداية الله تعالى، وانجذاب دواعي قلبه إليه.
والله – سبحانه - يَهدي سُبُل السلام، ويُخرج من الظُّلمات إلى النور، ويهدي إلى صراطِه المستقيم في الدّنيا والآخِرة = كلَّ مَن سلك سبيل الهُدى وسار فيه، ويُعينُه – سبحانه - على الهُدى؛ كما قال عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وقال: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}[الرعد: 27]، فيقضي سبحانه بالهدى لكل من رجع إليه.
فلا ينبغي للمسلم بعد تلك الآيات البينات أن يحجر على رحمة الله سبحانه؛ لا سيما إن كانت علامات التوبة بادية على الفتاة مثل: الإكثار من الأعمال الصالحة؛ فإنها تصلح القلب وتصرِفُه عن دواعي الشَّرّ؛ قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 100]، وقال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].
والحاصل أن عفو الله سبحانه وتعالى، ومغفرته حاصلة لكل عباده، ومهما بلغت سيئاتهم، فإن الله عز وجل غافر الذنب، وقابل التوب، والذنب مهما عظم وقَبُح، والكفر والشرك والنفاق مهما غلظ= فإن التوبة تمحو ذلك جميعًا، والله سبحانه وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب؛ قال الله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136]، وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 119]، وقال: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا* وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 70، 71]، وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وقال:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْ} [مريم: 60]، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[الشورى:25].
وقال تعالى:{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، فكل من تاب لله توبة نصوحًا، واجتمعت فيه شروط التوبة من الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم معاودته، والندم على فعل= فإنه يقطع بقبول توبته تفضلاً من الله ورحمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (10/ 299): "والاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى في البداية، والأعمال بخواتيمها، والله تعالى خلق الإنسان وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه فنقله من حال النقص إلى حال الكمال، فلا يجوز أن يعتبر قدر الإنسان بما وقع منه قبل حال الكمال، بل الاعتبار بحال كماله". اهـ.
وقال أيضًا (15/ 55): " ... فالعبد المؤمن إذا تاب وبدّل الله سيئاته حسنات، انقلب ما كان يضره من السيئات بسبب توبته حسنات ينفعه الله بها، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له، بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية؛ فمن نُسِّي القرآن ثم حفظه خير ممن حفظه الأول، لم يضره النسيان، ومن مرض ثم صحّ وقوي لم يضره المرض العارض.
والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع والخشوع لله، والإنابة إليه، وكمال الحذر في المستقبل، والاجتهاد في العبادة= ما لم يحصل بدون التوبة.
وينبغي أن يعرف أن التوبة لا بدّ منها لكل مؤمن، ولا يكمل أحد ويحصُل له كمال القرب من الله، ويزول عنه كل ما يكره= إلا بها". اهـ. مختصرًا.
هذا؛ والله أعلم.
خالد عبد المنعم الرفاعي
يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام
- المصدر: