المرشحون للرئاسة المصرية لم يتم اختبارهم بعد

منذ 2012-04-08

يطرب أنصار كل مرشح للرئاسة كلما نجح في تخطي أسئلة برنامج تافه يتعاطى معه المذيع قليل الثقافة بأسئلة هامشية خطرت على باله وبال المعد، ويعمدون فوراً إلى بثها على اليوتيوب للدلالة على أن مرشحهم المفضل لا يشق له غبار..


يطرب أنصار كل مرشح للرئاسة كلما نجح في تخطي أسئلة برنامج تافه يتعاطى معه المذيع قليل الثقافة بأسئلة هامشية خطرت على باله وبال المعد، ويعمدون فوراً إلى بثها على اليوتيوب للدلالة على أن مرشحهم المفضل لا يشق له غبار.. هذا حقهم، ومن الطبيعي أن يفرحوا لتجاوز محنة برنامج تليفزيوني يمكن أن يؤثر إيجاباً أو سلباً على مرشحهم، لكن ما ليس من حقهم، هو اعتبار أن هذا البرنامج أو ذاك مؤشر على قدرة صاحبهم على تولي هذا المنصب الكبير في مصر.


وما يمكن استخلاصه من بعض هذه البرامج هو أن بعض المرشحين يمكنه أن يجتاز مطباً ما، أو يقفز فوق فخ منصوب، نسج على قدر ثقافة أصحاب مثل هذه البرامج التليفزيونية، والتي لا يبدو أنها قادرة على اختراق الحجب الكثيفة، أو وضع أسئلة ترتقي إلى مستوى التحديات الحقيقية التي تواجهها البلاد، وتبدو استجابة هؤلاء المرشحين لها طبيعية، من حيث الإجابة المنمقة الدبلوماسية التي لا تغور إلى الأعماق، اتساقاً مع الأسئلة ذاتها، والتي لم تلجئهم إلى شيء من ذلك وغير ذلك.

وكلما ازداد الأمر غموضاً بالنسبة للرئيس القادم من حيث احتمالات نجاحه من عدمها، كلما قلت قدرة المحاور على المناورة معه وإحراجه، وإلجائه إلى زاوية حوارية ضيقة، لأنه ربما كان الرئيس القادم لمصر بالفعل، ولا حاجة لاصطناع مشكلة معه ومع القناة، لاسيما أن بعضاً من مشاهد ما بعد الثورة يعد سُريالياً وعصياً على الفهم والاستيعاب.

علينا أن نستذكر دوماً أننا لم نطلع حتى هذه اللحظة على برامج متكاملة، وإنما بعض خواطر أو تسريبات لبرامج، وأن معظم هذه الخواطر هي ملائمة لبدء الإعلان عن نية للمترشح ولا تمثل حداً أدنى من طموح الناخبين، ولا يمكن نظمها في رؤية واضحة لمصر القادمة، وهذا لا أعتقد أن أيا من المرشحين يخالف في ذلك لكنه ينتظر اللحظة الملائمة لإعلان برنامجه الحقيقي، بحيث لا يدعيه غيره من المنافسين، وهذا بحد ذاته مقبول في المراحل السابقة، غير أنه بعيد كل البعد عن جوهر ما يتوقع أن يتطلع إليه الناخبون، أو لنقل المسيس منهم والمنتظم في أطر أيديولوجية وفكرية معينة وواضحة.


ومن البؤس بعينه أن نطالع الصورة فنجد قطاعات عريضة من الشباب بل من نخبة المصريين قد حسمت خياراتها فيما تنتظر الجماهير التي يطيب للبعض أن يطلق عليها اسم: "العامة" أن تطلع على برامج أو تنتظر مناظرات حقيقية بين المرشحين.

والأخطر من ذلك: أن تؤسس بعض الحساسيات الدينية في مصر مواقفها المبدئية بناءً على ما ترغب في أن يكون اختباراً حقيقياً يتجاوز ما يطلع عليه (العامة) للمرشحين، بقدر من الفصل بين المرشح والمناخ الذي تجري فيه الانتخابات، كما لا تبدي ـ فيما يظهرـ حماسة كبيرة للتدقيق في هذا المناخ ورسم صورة واقعية للحاضر، آخذة في الاعتبار كل المتاعب التي رافقت المسيرة الثورية منذ انطلاقها، ولا حظوظ القوة والنفوذ المتوافرة لأطراف تحيط مصر بسوار من الضغوط والتدخلات، ولا الإخفاقات المتوالية لتلك المسيرة، ودور بعض القوى الداخلية في مباشرة عملية إخماد ممنهج، وناجحة لكثير من المكتسبات الثورية، وإفراغ معظمها من فعاليتها.


فالحاصل أننا أمام مجموعة من المرشحين لم يعرضوا بعد برامجهم، وحالة ضبابية تخيم على المشهد، لا تمكن الناخب ولا حتى غيره من المفاضلة الصحيحة بالنظر إليها، وحيث يحسن بعضنا الظن بغيره في ترشيح هذا أو ذاك، سواء أكان من هذا التيار أو ذاك -إسلامياً، ليبرالياً، يسارياً، فلولياً- أو حتى المفاضلة التالية داخل كل تيار، ويَنتظر آملاً أن تنجح بعض مكونات هذه التيارات -نخبتها، أو كبار رموزها، أو قادة أحزابها وهيئاتها العليا- في الاختيار الصحيح، ليتابعه العامة..

فإن أولئك لا يمنحون أنصارهم الشفافية الكاملة حول المناخ الغائم، كما أنهم -في العادةـ يخفقون في تسويق بعض مبررات تأخيرهم أو ترددهم، ويجد الناخب الذي أدلى بصوته تأييداً لهذا الحزب أو ذاك، عاجزاً عن تفهم الحالة الاستثنائية التي نعيشها الآن، حيث إن أكثر من 85% من نواب البرلمان حتى هذه اللحظة ممتنعون عن تسمية مرشحهم أو مرشح حزبهم، سواء أكان (إسلامياً، أو ما سواه) وفي الوقت عينه لا يقدم تبريراً متماسكاً لهذا التأخر، الذي يغيب في أي دولة أخرى، حيث لا يتقاذف الأحزاب هكذا منصب الرئاسة كأنه جمرة، بل يتداعى الجميع إلى تسمية مرشحهم المعلن والواضح، بما يعني أن ثقلة الضغوط هائلة على الجميع، ونحن لم نزل نختبر المرشحين وهمياً عبر أسئلة المذيعين التافهة، ولا نختبرهم حقيقة أمام الرأي العام الذي اندفع إلى الشوارع والميادين يوماً ظاناً أنه يفجر ثورة!


إنها حالة شاذة بكل ملامحها، لا يتوفر فيها الناخب على ما يروي ظمأه، لا من المرشح، ولا من انتدبوا أنفسهم للتفكير نيابة عن الناخب، ولا من الإعلام، ولا من السلطة، وهي على غرابتها لا تجعل كثيرين ليس من الشباب المتحمس وحده مندفعاً، لا. بل حتى من النخبة ذاتها، إذ يحسم البعض خياره دون أن يتوفر لديه الحد الأدنى من الأسباب، ولا المعلومات، ولا الحسابات، وعليه فنحن أمام حالة سُريالية، واختيارات اعتباطية، وابتعاد سافر عن الشفافية والوضوح ممن يملكون بعض المعطيات عن حاضر مصر، وهامش استقلالها الممنوح..