حوار مع الدكتور محمد يسري حول انتخابات الرئاسة

منذ 2012-06-06

ليس لأحد أن يقول بالتدرج في تطبيق الشريعة؛ إلا في الضرورة والاضطرار. لسنا مع تثوير الناس ضد مؤسستي العسكر والقضاء لأنهما تمثلان أعمدة نظام الدولة. على المصريين أن يبحثوا عن الأتقى لله والأرضى له - سبحانه- والأنفع لعباده.


ليس لأحد أن يقول بالتدرج في تطبيق الشريعة؛ إلا في الضرورة والاضطرار.

لسنا مع تثوير الناس ضد مؤسستي العسكر والقضاء لأنهما تمثلان أعمدة نظام الدولة.

على المصريين أن يبحثوا عن الأتقى لله والأرضى له - سبحانه- والأنفع لعباده.

قضية الرئاسة من قضايا الشأن العام التي ينبغي أن يتجرد فيها الناس لله في تقديم من هو الأنفع والأصلح والأفضل.

تُعدُّ الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح أول هيئة إسلامية تمَّ إنشاؤها عقب سقوط النظام البائد، وفيها ممثلون لكل الجماعات والتيارات الإسلامية بأسمائهم وصفاتهم، وتلعب دوراً كبيراً في تسيير دفة الأحداث في مصر سواء أكان فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية – وهي الحدث الأبرز على الساحة المصرية الآن- أم غيرها من القضايا المطروحة وما تحتمله من صدامات مستقبلية استناداً إلى احتقانات ماضية وحالية؛ ومن هنا جاءت أهمية الحوار مع أمينها العام الدكتور محمد يسري إبراهيم؛ لنطرح معه بعض التساؤلات المهمة في شأن الانتخابات الرئاسية؛ وخاصة بعد أن أظهرت الهيئة دعمها للدكتور محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة؛ فإلى الحوار:

البيان: ما رؤيتكم في المشهد السياسي المصري الآن، وخاصة بعد أن جلستم مع معظم التيارات المتفاعلة في الأجواء المصرية؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله صحبه أجمعين: هذه اللقاءات التي جرت بين اللجنة التي شكلتها الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ومرشحي الرئاسة انتهت إلى جملة نتائج، وتحققت من خلال هذه اللقاءات مجموعة أهداف؛ فلقد هدفت الهيئة إلى تحقيق هذا القدر المهم من التواصل بين رموز الحياة المصرية ورموز المشاركين في العملية السياسية، وقد تحقق -بحمد الله- هذا الهدف من خلال الاتصال بعشرة من كبار المرشحين الموجودين على الأرض؛ وقد عنيت الهيئة بلقاء كل من ينتسب إلى هذه البلاد بوطنية وصدق واشترطت ألا يكون ممن شارك في الحياة السياسية، أو انتسب بشكل أو بآخر إلى ما سميَّ بـ (فلول) النظام البائد أو بـ (فلول) الحزب الوطني الذي ساد البلاد في مرحلة من مراحل الضعف والفساد.

وقد استطاعت الهيئة أن تكتسب ثقة واحترام هؤلاء المرشحين نظراً لما قامت به من مقابلات كشفت عن حرفية ومهنية عالية، حيث إن الهيئة شكلت لجنة من كبار المتخصصين في الجوانب السياسية والاقتصادية وما يتعلق بالشأن العام، كانوا يهتمون بمقابلة هؤلاء المرشحين إضافة إلى أعضاء مجلس أمناء الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، كما استطاعت -من خلال هذا التواصل- أن تفتح باباً من أبواب التفاهم، وتسعى إلى إحداث هذا القدر من التناغم، وتصحيح الصورة المغلوطة عند بعض المرشحين عن الاتجاهات الوطنية أو الإسلامية الموجودة في بلادنا.

معايير الاختيار

البيان: دعمت الهيئة الشرعية مؤخراً الدكتور محمد مرسي رئيساً لجمهورية مصر العربية، فما المحاور الرئيسة التي وضعتها الهيئة كآليات في نقاشها للمرشحين التي قابلتهم؟

مضت الهيئة لتحقيق هذه الأهداف عبر خطوات، الخطوة الأولى: قامت بتشكيل لجنة لإدارة هذه العملية، وشُكلت بالأصالة من أعضاء الهيئة الشرعية؛ ولقد قامت بمراجعة المختصين؛ وعملت على وضع المعايير التي على أساسها يمكن أن يُختار رئيس البلاد.

هذه المعايير متعلقة بمختلف القضايا والمحاور الشخصية والمنهجية والعملية الخاصة بالشخصية، ووضعت أوزاناً نسبية لكل معيار من هذه المعايير، كما وضعت قيماً ودرجات إلى آخره بحيث إن اللقاء يخرج عن كونه كلمة يلقيها المرشح، أو إبداء وجهات نظره في بعض القضايا، إلى مُراجعة شاملة في كل محاور التفكير، وكل مسائل السياسة الداخلية والخارجية، وبالتالي تعرض المرشح لنقاشات تفصيلية حول محاور ستة رأت الهيئة أهميتها وأولوياتها، فناقشت الهيئة المرشحين في الموقف من قضية تطبيق الشريعة، ومن المؤسسات والجهات الرسمية الدينية كمؤسسة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية؛ والواجب نحو هذه المؤسسات. وكيف يمكن العمل على تطويرها؟ وما الآليات والإجراءات والتصورات الموجودة عند المرشح لتطبيق الشريعة الإسلامية؟، ثم الموقف من الكنيسة المصرية والأقباط، وكيف يمكن التعامل مع الفتنة الطائفية التي تطل برأسها بين حين وآخر؟ وما موقف المرشح من الدستور المقبل؟ وكيف ينظر إليه؟ وما موقفه ممَّا يسمى بالتوافق حول الدستور المصري هذا كله كان في محور استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية.

محور السياسة الداخلية

ثم ننتقل مع المرشح إلى محور السياسة الداخلية فنسأله: كيف يمكن أن يعود الجيش إلى ثكناته مرة أخرى؟ وكيف يمكن أن تستعيد مؤسسات الدولة هيبتها؟ وكيف يمكن أن يُعاد هيكلة وزارة الداخلية؟ وكيف يمكن للأمن أن يعود؟ وكيف يمكن القضاء على حالة الانفلات الموجودة في الشارع المصري ليس فقط عملياً ولكن أيضاً تنظيرياً؟ وكيف يمكن إعادة حالة الانضباط إلى الحياة المصرية؟ وغير ذلك من ملفات الشأن الداخلي للدولة.

محور الحكم وشؤون الدولة

ثم نذهب معه إلى محور آخر وهو ملف الحكم وشؤون الدولة، فنسأل المرشح: ما موقفه من قضية المركزية واللامركزية في الحكم؟ وما رؤيته في الدولة المقبلة؛ هل تكون دولة رئاسية أم برلمانية أم دولة مختلطة؟ ثم ننتقل إلى الحديث عن محور السياسات الخارجية، وكيف يراها المرشح؟ وما الموقف الصحيح والمنضبط من قضية الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي أبرمتها مصر مع العالم الخارجي سواء أكان منها المعاهدات الإقليمية أم الدولية وما يتعلق بالمعاهدات الخاصة كاتفاقية كامب ديفيد مثلا؟.

محور دور مصر الإقليمي

ونتحاور بعد ذلك حول دور مصر الإقليمي؛ فنناقش مصر قُطرياً، وأفريقياً، وعربياً، وإسلامياً، وعالمياً، وننظر كيف يمكن أن تستعيد مصر دورها الخارجي؟ وكيف تعود إلى سابق عهدها وأثرها الملموس في العالم بأسره؟ ونناقش معه بعض القضايا الدولية ذات الصلة بالشأن المصري كقضية مياه النيل والمشاكل التي تتعلق بها، وتأثيرات ما يجري في السودان على الحياة في مصر؟.

ملف التنمية

كما نسأله عن ملف التنمية في مصر؛ لنناقش كيف تخلفت مصر؟ وكيف يمكن أن تنهض؟ وما مشاريع المرشح وخططه التي سوف يقوم بها في حال فوزه بانتخابات الرئاسة؟ كيف يستطيع أن يعود بمصر لسابق عهدها في الازدهار الاقتصادي؟ كيف يحقق لها الرواج التجاري؟ كيف ينهض بملف تنمية الإنسان واستعادة خصائصه التي فقدت عبر العهود السابقة؟

كما نتناقش معه تفصيلاً في بعض الملفات المهمة كملف الصحة والعلاج المجاني، والتعليم؛ والتعليم المجاني، والتربية؛ والرؤية التي يجب أن تُعتمد لتربية النشء وتهيئته لغد مشرق - بإذن الله تبارك وتعالى -، ورؤيته حول الخروج من الأزمات الاقتصادية الحقيقية والمفتعلة.

وأخيراً: ملف أولويات الرئيس في المرحلة الأولى من رئاسته وهي القضايا الأخطر بالنسبة إليه، فمثلاً: ما المسائل التي سوف يبدأ بها؟ وأين سيتوجه في أول زيارة سيقوم بها خارج البلاد؟ وما أجنداته في أول مئة يوم لرئاسته؟.

كل ما سبق وأكثر هو ما نديره في حوار طويل يمتد مع كل مرشح إلى بضع ساعات في اللقاء الواحد.

البيان: بعد انتهاء اللجنة التي وضعتموها لاختيار مرشح الرئاسة القادم؛ هل تحققت تلك الأهداف المرجوة قبلاً؟

-بفضل الله تعالى- حققت هذه اللجنة أهدافها التي توختها من مدَّ جسور التواصل مع هؤلاء المرشحين، وتصحيح الصورة عند بعضهم عن الإسلاميين، وتصحيح الصورة عنهم وعن مواقفهم أنفسهم من القضايا المختلفة، ومحاولة وزن كل مرشح من خلال المعايير التي وضعتها الهيئة وإعطائها تقويماً دقيقاً لكل شخص من هؤلاء؛ والنتيجة أن كل ذلك - بحمد الله تبارك وتعالى - قد تحقق.

ويبقى أن أذكر في هذه النقطة أمراً مهماً؛ وهو أن المشهد متغير، وما كان من قرار قد يتغير بتغير الظروف والمآلات.

رجل رفع سقف الدعوة

البيان: تابع العالم كله تقريباً؛ قضية الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل مع لجنة الانتخابات، والتي انتهت باستبعاد الشيخ من سباق الرئاسة، وأظهرته في صورة الرجل الكاذب المتجرئ على أمته بالخداع؟ فما رأيكم فكيف تقرؤون هذه القضية؟

فضيلة الشيخ حازم أحد الدعاة المعروفين، وأحد المتحدثين الذين يُشهد لهم بالكفاءة في القول، وممَّن ساهم في الدعوة الإسلامية بإسهامات واضحة جداً في الفترة الأخيرة من خلال لقاءاته الفضائية والتلفزيونية المصورة والمسموعة؛ فلقد استطاع من خلال سباق الرئاسة أن يحقق أهدافاً كثيرة للدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - حيث إنه استطاع أن ينشر هذا المنهج الإسلامي ويكسب له أنصاراً كثيرين، وأنْ يبشر بقضية الشريعة وأن يجمع الناس حولها، وهذه من أكبر الحسنات التي تحققت من خلال الشيخ للدعوة إلى الله، وقضية الشريعة وهذا ممَّا ينبغي أن يذكر فيشكر، ولو لم يكن له من هذه الحملة الانتخابية الموسعة إلا نشر قضية القناعة والإيمان العميق بقضية الشريعة، وبقضية المنهج الإسلامي لكفاه عند الله - عزَّ وجلَّ -، وفي النهاية: إن الهيئة الشرعية تُكِنُ لعضو جمعيتها العمومية الشيخ حازم صلاح كل التقدير وتثمن كثيراً هذه المواقف التي قام بها في المرحلة السابقة.

افتراء إعلام

البيان: ما تعليقكم على تصوير الإعلام لمواقف أنصار الشيخ حازم، بأنهم إرهابيون يسعون في الأرض فساداً، فينقلون الأكاذيب عنهم، ويؤولون على ألسنتهم التصريحات والافتراءات؟

هذه قضية لا نقبلها؛ لأن المحيطين بالشيخ حازم أبو إسماعيل فئات متعددة ومتنوعة منهم من عامة الشعب المصري، ومنهم من المنتسبين إلى المنهج السلفي، ومنهم من ينتسب إلى جماعه الإخوان، ومنهم من ينتسبون إلى جماعات الغلو والتطرف، فلا يصلح أن يُعمَم الحكم على هؤلاء جميعاً بأنهم على هذا النحو المذكور؛ وذلك لأن الشيخ حازم بشخصه ليس ممَّن ينتسب إلى طوائف الغلو بحال لا في تاريخ ولا في خطابة.



أداء سياسي

البيان: ما تعليقكم على أداء الإسلاميين السياسي منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير؟

هذا موضوع كبير جداً يحتاج إلى تفصيل وبسط في الكلام، كما يحتاج إلى بحث طويل؛ إنما الحركات الإسلامية المصرية - بحمد الله تبارك وتعالى - في الجملة أبلت بلاء حسناً وأدت دوراً جيداً، واستطاعت التأثير في مجريات الأحداث، ولا نستثني أحداً من هذا، فالإخوان والجماعات السلفية، والجماعة الإسلامية وجماعة أنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية –على الرغم من انقطاعها للعمل الدعوي فقط - وجماعة التبليغ والدعوة... إلخ من الهيئات الإسلامية الأخرى.

فلقد استطاعت هذه الجماعات أن تملأ المشهد وأن تملأ الفراغ، وأن تحقق كثيراً من الإنجازات والإيجابيات: بعضها يتعلق بالجانب الدعوي والشرعي، وبعضها يتعلق بالجانب السياسي، وبعضها يتعلق بجانب إدارة الحياة بشكل عام، ومعظمها جماعات لم يظهر لها مشروع سياسي في الفترة السابقة فبدا الآن.

ومن واجب القول: إن بعض الهيئات أحسنت في مواقف وأساءت في أخرى، واستطاعت أن تكسب الجولة في قضية وأن تخسرها في أخرى؛ لكن التقييم العام والإجمالي هو أن هذه الطوائف والجماعات كانت على قدر المسؤولية، وهذا حكم عام لأبناء الحركة الإسلامية اليوم برفع غطاء القهر والاستبداد الذي كان يجثم على صدور وقلوب الجميع، والكل الآن في مسيرة من البناء والتنمية ومسيرة من المواجهة والمدافعة، فهم يواجهون ويدفعون كثيراً من الإشكالات وكثيراً من الافتراءات وكثيراً من الشبهات؛ وفي نفس الوقت يعملون على بناء أنفسهم وتنمية قدراتهم وإقامة هياكلهم وإنشاء حياتهم المعاصرة على شكل يحقق لمصر ما تصبو إليه من التقدم والرقي والنماء والاستقرار - بإذن الله تبارك وتعالى - الأداء العام للتيارات والجماعات والطوائف الإسلامية بالجملة أداء محمود؛ ولهذا استثناءات لكن الاستثناء كما يقال يثبت القاعدة.

ملحوظات على الأداء

البيان: هلا مثَّلتَ لنا بعض النماذج من تلك الاستثناءات التي تثبت القاعدة كما ذكرتم؟

يمكن أن نرصد بعض هذه الملحوظات على أداء هذه التيارات منها: أولاً: التأثر بالخلفية السابقة والتاريخية في العلاقات التي كانت بين تلك الجماعات، وقد كان هذا من عمل النظام البائد؛ كأجهزة أمن الدولة مثلاً؛ ممَّا ترتب عليه وجود حساسيات بين هذه الطوائف جعلت الكلمة مفترقة، والصف منقسم، والرايات متعددة؛ واستمرار هذه الحال أمر لا ينبغي.

والأمر الثاني: هو أن الحركة الإسلامية التي تمارس العمل السياسي أو الحزبي اليوم تستشعر قدراً من عدم النضج؛ ولتحقيق هذا النضج وتحصيله يحتاج إلى أسباب وإجراءات متعددة بدءاً من التثقيف السياسي مروراً بالتربية السياسية وانتهاء بالجهاد والحراك السياسي، فلا بدَّ من إيجاد ثقافة سياسية عند مختلف أبناء الحركة الإسلامية، وأن يربى أبناء الحركة الإسلامية على كيفية وقوف الفرد منهم موقفا سياسياً صحيحاً من قضيه من القضايا السياسية المعاصرة أو المطروحة. وكيف تقوم الطائفة أو الفئة أو الجماعة بهذا الدور بين أبنائها حين تحسن تربيتهم سياسياً؟ ثم كيف يمكن أن تمارس هذه الجماعة أو هذا الحزب اجتهاده السياسي برشد من خلال المواجهات السياسية والمنازلات السياسية والوسائل السياسية المختلفة؟

والعمل الإسلامي يحتاج اليوم إلى هذا المعنى للحرص على النضج السياسي، والبعد عن المراهقة السياسية في مواقف أو في تصريحات أو في رؤى أو في تحالفات، وهذا يبدو لي من الأهمية بمكان تحقيق وتحصيل النضج في الممارسة السياسية، طبعاً حداثة هذه التجربة وقلة الكفاءات والكوادر المدربة، وهذا ممَّا ينبغي الاعتناء به والاهتمام به في المرحلة الآتية - بإذن الله تبارك وتعالى -.

كمال الشريعة

البيان: كيف ترون قضية تدرج تطبيق الشريعة خاصة أننا رأينا في النموذج التونسي تصريحات تنادي بعدم تطبيقها؟

هــــذه الشــريعة انتهــت - بحمد الله تبارك وتعالى - كاملة مكمله حين أنزل الله - عزَّ وجلَّ - قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

فالأصل ألا يتوقف تطبيق الشريعة على شيء، ولا على أحد بعد اكتمالها وتمامها، وتحكيمها بالكامل، خلال ثلاثة عشر قرناً متعاقبة من الزمان، فليس لأحد أن يقول بالتدرج في تطبيق الشريعة؛ لكن الحال التي يمكن القبول فيها هي حال الضرورة والاضطرار؛ فقط في هذه الحالات: إذ لا محرم مع الاضطرار، والضرورات تبيح المحظورات؛ لكن الضرورة تقدر بقدرها، فالأصل أن تطبق الشريعة بكمالها وبجملتها إلا إذا تعذر هذا التطبيق، وامتنع فإنه يبقى هذا موضع من مواضع الضرورة التي يقدرها أهل العلم وينظرون فيها ويهيئون الأسباب لتلافي حال الضرورة ورفع حكمها حتى يتهيأ المجتمع لتطبيق الشريعة بكاملها - بإذن الله تبارك وتعالى- ولدينا من القواعد الفقهية والأصولية والنصوص الشرعية ما يشهد لهذا المعنى بتمامه وكماله.

مجلس رئاسي

البيان: نعود لقضية الرئاسة المصرية، هل ترون إمكانية التفاوض على فكرة عمل مجلس رئاسي أو رئيس توافقي إسلامي، وذلك لجمع الشمل؟

هذه فكرة مطروحة طبعاً؛ وهي موضع بحث الآن من مختلف الأطراف كيف يمكن أن يجمع بين المرشحين الإسلاميين في نسيج واحد وقوي ومتماسك ومتناسق؟، وكيف يمكن احتواء القوى الأخرى في المجتمع وتمثيلها بشكل معتبر في هذا المجلس الرئاسي؟؛ الذي قد يتكون من رئيس ومن نواب ومن مجموعة من المساعدين والمستشارين في نفس الوقت، وفي حال يبنى من خلالها مشروع للنهضة على خلفية هذه الشريعة الإسلامية - بإذن الله تبارك وتعالى - وهذا مما يجري فيه العمل الآن، ونرجو أن تُسفر الأيام القليلة القادمة عن وجود هذا المجلس والاتفاق عليه والتوافق عليه - بإذن الله تبارك وتعالى-.

الدستور والرئاسة

البيان: ما رأيكم في قضية وضع الدستور والرئاسة أيهما أولاً؟، ثم من وجهة نظركم لماذا يتمسك المجلس العسكري بالدستور قبل الرئاسة؟

في الحقيقة إن المجلس العسكري هو جهة من الجهات المؤثرة في الحياة السياسية اليوم؛ لأن الجيش المصري حكم ولمدة 60 عاماً، وخروجه من السلطة بهذه السهولة ليس أمراً ميسوراً؛ وقد قال الله - تعالى -: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْـمُلْكِ تُؤْتِي الْـمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْـخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] فهنا نازع للملك والنزع لا يكون بسهولة؛ النزع لا يكون إلا بمشقة فلا شك أن فيه مشقة حقيقية على الذين عاشوا يحكمون لعقود متصلة أن يتركوا الحكم ويغادروه، ولهذا أستطيع أن أفهم قلق المجلس العسكري على وضعه في الدستور، قلقه على الموقف من ميزانية الجيش، قلقه على استثمارات يقوم بها الجيش لحسابه؛ ربما تمثل ثلث الاقتصاد المصري. كل هذا قد يدعو إلى القلق بالإضافة إلى الامتيازات الشخصية التي قد توجد لأعضاء هذا المجلس. كل هذا ممَّا يحمل الجميع على القلق، ماذا سوف تؤول إليه الأمور؟

وينبغي على الحكماء والعقلاء أن يوجهوا هذه الرسائل التي تطمئن المجلس العسكري أننا لسنا بصدد ثورة تطيح بالمجلس العسكري، وإنما بصدد ثورة تحترم الجيش المصري، وتحترم المؤسسة العسكرية، وتعطيها قدرها، وليست في الحقيقة الخصومة والمنازعة والثورة على الجيش المصري أو على المؤسسة العسكرية.

الرئيس والعسكري

البيان: كيف ترون سيناريوهات الرئيس القادم والمجلس العسكري؟

لا بدَّ على كل حال من الأحوال أن تقوم عَلاقة متوازنة بين الرئيس وهذه الجهات التي يقوم على رئاستها، فهو رئيس لكل المصريين العسكريين والمدنيين على حد سواء. وهو رئيس القضاة ورئيس المحاميين، فلابدَّ أن يجد الرئيس المصري هذه الوسائل التي من خلالها يحقق التوازن في التعامل مع هذه القوى الموجودة في المجتمع، وأن يستطيع العمل على هذا القدر المطلوب من التوازن بين السلطات، وينبغي لرئيس الجمهورية أن يكون بهذه القوة وهذه الصلاحية وهذه القدرة التي تمكنه من إدارة المرحلة التي تمرُّ بها البلاد بقدر عال من الهدوء، وقدر عال من التوازن، وقدر عال من مراعاة الخصوصية الموجودة من غير أن يفضي هذا إلى تفريغ الثورة من محتواها، أو تحويلها إلى ثورة غير حقيقية أو هامشية.

البيان: ما تقييمكم للتعامل بين الإسلاميين والمجلس العسكري في الفترة الماضية؟

في الجملة؛ الإسلاميون لا يريدون أن يدخلوا صراعاً مع العسكريين، بل يوجهون خطاباً دعوياً هادئاً رقيقاً إلى المؤسسة العسكرية وإلى أفرادها وإلى قيادتها بأن الإسلاميين يقدرون ويثمنون دور الجيش المصري، ودور المؤسسة العسكرية المصرية، وأنهم ينظرون إلى ما قامت به هذه المؤسسة في الثورة نظرة تقدير واحترام، وليسوا مع الذين يقولون: إن الجيش كان مجبراً وكان مضطراً وكان لابدَّ أن يفعل مافعل وأنه لم يكن له خيار آخر؛ فلقد رأينا خيارات أخرى للجيش في الجزائر وليبيا واليمن، ونرى له الآن خياراً آخر في سورية، نحن نُكنُّ تقديراً واحتراماً للجيش المصري الذي وقف وقفة معتبرة في هذه الثورة.

الجيش أخطأ في بعض المواقف، نعم أخطأ. كانت عليه مؤاخذات، نعم عليه مؤاخذات. المجلس العسكري أساء التصرف في بعض القضايا، نعم أخطأ أخطاء سياسية وميدانية. كل هذا يمكن التسليم به. لسنا مع تفجير الموقف مع الجيش، ولسنا مع تثوير الناس ضد هذه المؤسسة الكبرى، وكذلك ضد مؤسسة القضاء؛ التي لا نراها ممثلة في هذه اللجنة الرئاسية والتي عليها مؤاخذات كثيرة في مواقفها.

معايير التصويت

البيان: أخيراً هل يكون تصويت الناخب لمرشحي الرئاسة مؤيداً لانتمائه الحزبي أم لضميره؛ لأنها شهادة يسأل عنها أمام الله؟

المصريون ليسوا كلهم أعضاء في جماعات، وليس كل أعضاء الجماعات قد أخذوا بيعة على أصحابهم، وليست البيعة ملزمة لكل أحد في كل قضية، وينبغي أن يبحث المصريون عن الأتقى لله والأرضى له - سبحانه وتعالى - والأنفع لعباده، فهذا ممَّا ينبغي أن يعتني المصريون بتحقيقه بغض النظر عن الانتماءات والولاءات؛ لأن قضية الرئاسة هذه من قضايا الشأن العام التي ينبغي أن يتجرد فيها الناس لله - تعالى - في تقديم من هو الأنفع والأصلح والأفضل، وينبغي أن تتحرر فيها إرادة الناس، فمن وافقت إرادته إرادة طائفته أو جماعته فله أن يأخذ بهذا والحمد لله؛ وإن خالف فعليه أن يستفتي إماماً في دائرة جماعته، أو في دائرة أوسع وهي دائرة العلم الشرعي الذي يحكم على الأفراد والجماعات والطوائف على حدٍّ سواء.


أجرى الحوار: أ. جلال الشايب
 
المصدر: مجلة البيان - العدد : 299

محمد يسري إبراهيم

من فقهاء مصر ودعاتها