النصيرية والحدَب الأمريكي

منذ 2012-07-13

الكـاتب: فيصل بن علي الكاملي



في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 2011م نشر مجلس العلاقات الخارجية تقريراً وجيزاً بعنوان: (merican Options in Syria) أو الخيارات الأمريكية في سورية انفرد بإعداد هذا التقرير إليوت أبرامز النائب الأسبق لمستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط في إدارة بوش، والباحث في شؤون الشرق الأوسط بالمجلس.

القارئ للتقرير يلمس بين سطوره حَدَباً وقلقاً أمريكياً على النِّحلة النصيرية الباطنية، التي تتولى كِبر المذابح الشنيعة التي ترتكب بحق أهل السنة في سورية. فقد استهل الكاتب تقريره بالحديث عن تزايد احتمال نشوب حرب أهلية واسعة النطاق بين نظام تابع للأقلية العلوية النُّصيرية يقاتل من أجل البقاء، وتمرُّد مسلح من قِبَل قوات متمركزة في المناطق ذات الأغلبية السُّنية، هكذا اختزل الكاتب نضال الشعب السوري المسلم في تمرُّد مسلح في وجه أقلية علوية تقاتل من أجل البقاء.

ولما عيل الصبر وهبَّ بعض أهل السنة يذودون عن حياضهم، رفعت الولايات المتحدة عقيرتها زاعمة أنها يئست من وعود الحكومة السورية بالإصلاح والتحول الديمقراطي، وأن السياسة الأمريكية ينبغي أن توجَّه كما ينصح التقرير لتحقيق الأهداف التالية:

أولاً: وقف العنف وكأن قتل الأبرياء طوال عام لم يكن عنفاً.
ثانياً: إسقاط نظام الأسد، وليس النظام النصيري.
وأخيراً: وضع الأسس لنظام ديمقراطي مستقر يضمن حماية الأقليات العلوية والكردية والنصرانية.

ثم يشير الكاتب إلى أن الهدف الأمريكي والأوروبي والتركي المشترك أصبح إنهاء حكم عائلة الأسد على وجه التحديد دون النظام النصيري، ثم يتساءل الكاتب: "ولكن كيف يتمكن صناع السياسة الأمريكية من تحقيق هذا الهدف في أقصر وقت وبأقل قدر ممكن من العنف؟".
والجواب هو: انتهاج إستراتيجية تهدف إلى إضعاف قواعد الدعم لدى النظام وتشجيع المعارضة على إبراز رغبتها في سورية ديمقراطية غير طائفية.

وهذه مناورة غربية لاستنقاذ الأقلية النصيرية الباطنية المجرمة وإخراجها من قفص الاتهام في ظل شعارات ديمقراطية زائفة، ثم يضيف التقرير أن الخطوة الأُولَى التي ينبغي أن تقوم بها الولايات المتحدة لإسقاط نظام الأسد هي عزل أسرة الأسد عن بقية العلويين، الذين ليس لهم نصيب في الثروة التي وزعها الأسد بين المقربين إليه.

وحتى تذوب الخلافات بين الشعب السوري السني المجاهد وعصابات النصيرية الباطنية فإن على الولايات المتحدة أن تستمر في الضغط على الجماعات المعارضة لنظام الأسد لتظهر بوجهٍ موحَّد.

أما مهام المجلس الوطني السوري كما يريدها الغرب الصليبي فلا تعدو دور الوسيط بين الغرب والشعب، ومن أهمها التأكيد المتكرر على التزام المجلسِ المساواةَ في معاملة كل السوريين دون اعتبار للطائفة أو العقيدة، وأن يُدخِل في صفوفه بشكل واضح علويين وغيرهم ممن ليسوا من أهل السنة، وعلى المجلس أن يشجب بصوتٍ عالٍ وحماسٍ عاطفيٍّ كل أشكال العنف ضد المواطنين أو المجتمع العلوي، فقد يتزايد هذا العنف بتزايد المواجهات المسلحة بين النظام والمعارضة.

كما أن على المجلس أن يتعهد بأن سورية ما بعد الأسد ستحمي كل الأقليات: العلوية والكردية والجاليات النصرانية القلقة جداً، كما أن عليه أن يوافق الآن على دورٍ دولي لتقديم هذه الحماية والضمانات -وهذا يعني التدخل الأجنبي- وكلما كانت هذه التعهدات أكثر تفصيلاً، وحظيت بالدعم إعلامياً ودولياً، كلما كانت أبلغ إصلاحاً في الداخل السوري، هذا إذًا هو دور المجلس الوطني الذي تُعلَّق عليه الآمال.

أما على صعيد الجيش والشرطة فإن على المسؤولين الغربيين والأتراك أن يضغطوا على جنرالات العلويين للانشقاق عن النظام، وأن يقنعوهم بأنه بإمكانهم إنقاذ مستقبلهم ومستقبل طائفتهم بعد سقوط نظام الأسد إذا ما امتنعوا الآن عن قتل مواطنيهم.

ثم يزعم الكاتب أن الجيش الأمريكي لا تربطه علائق بهؤلاء الجنرالات النصيريين؛ لكنه قد يستعين بالأتراك والأردنيين وربما الفرنسيين الذين يمتلكون قنوات خاصةً لإيصال تلك الرسائل إلى أولئك الجنرالات، فينبغي أن يؤكدوا على رسائل مثل: "لِم تُضَحي بنفسك من أجل عصابة الأسد الهالكة على أي حال؟"، أو: "انج بنفسك!"، مع الاستعانة بتصريحات مطَمْئنة من قبل المجلس الوطني السوري؛ فلا بد أن يصرح المجلس بأنه لن يكون ثمة تطهير شامل للضباط العلويين، بل ستُجرى محاكمات للمتورطين فقط في قتل المدنيين، وهكذا تضيع دماء الأبرياء في دهاليز المحاكم المحلية والدولية، فيكون المجرمون أسعد حظاً بالحنان الدولي من الضحايا.

أما الخطوة الثانية لإسقاط نظام الأسد: فهي إثارة طبقة رجال الأعمال من السنة والنصارى والنصيريين ضده عن طريق إقناعهم بأن نظام الأسد ورقة محترقة كما يقال، وأن التعلق بها سيعود بالضرر الاقتصادي على الموالين له من أصحاب رؤوس الأموال مهما كانت انتماءاتهم العقدية، وهو سعي لفصل الطائفة النصيرية عن النظام الحاكم قبل أن يفوت الأوان.

غير أن التقرير لا يُغفِل خياراً يعدُّه ممكناً؛ وهو قيام نظام علوي (نصيري) بديلٍ لا يرأسه بشار ولا غيره من عائلة الأسد، وقد يتحقق هذا الخيار إذا ما قام انقلاب على الحكم من داخل الطائفة النصيرية، لكن لا ينبغي أن يكون هذا هدفاً أمريكياً.

يعلل التقرير العزوف عن هذا الخيار أو على الأقل عدم جعله من الأولويات أن نظام الأسد قد خسر ثقة الشعب السوري، ومن الصعب أن يُتصور نجاح نظام نصيري بديل في استعادة هذه الثقة، كما أن قيام نظام نصيري سيضم عناصر ذات سابقة إجرامية ضد الشعب السوري، وهكذا سيظل الحكم بيد أقلية نصيرية لن تفوز في انتخابات نزيهة، بل قد تضطر إلى استعمال القوة ثانية، وهو ما سينتج عنه استمرار الاضطرابات والعنف.

لكن نظاماً علوياً بديلاً يزيل عشيرة الأسد من السلطة ويخطو خطوة انتقالية واضحة نحو الديمقراطية، يمكن له أن يكون نافعاً في إنهاء العنف ودفع عجلة التقدم، لكن بشرط تحديد مدَّته وطموحاته، وسيكون المسؤولون -في ذلك النظام النصيري البديل- بحاجة إلى أن يبينوا للجماهير والتحالف الدولي الذي يفرض عقوباته على سورية وينتقدها صدق نواياهم وجدولهم الزمني القصير، وليس هذا ببعيد.