المشـروع السّـنِّي في سباق المشـاريع

منذ 2012-07-15



في مقال سابق -عدد (297)- من مجلة البيان، تحدثت عن مجريات (مائة عام من الحصار) الذي فرض على المشروع الإسلامي الجامع لشعوب أهل السنة، منذ إسقاط آخر صيغة عالمية له، ممثلة في دولة الخلافة العثمانية، الملغاة عام 1924م بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى عام 1914م، وتناولت التفاعلات الواقعة والمتوقعة من جراء ذلك الحصار المتواصل على المشروع السُني من وقتها وحتى الآن، لافتاً النظر إلى خطأ التجاهل أو التغافل عن ذلك الخطر عند قادة الرأي وأصحاب القرار من الإسلاميين، خاصة بعد موجة الثورات العربية، التي ستُصوَر حتمًا على أنها يمكن أن تمثل قفزة هائلة للخروج من ذلك الحصار، للمشاركة بقوة في مضمار السباق بين المشاريع المتصارعة منذ عقود طويلة في قلب العالم الإسلامي المسمى منذ مطلع القــرن التاسع عشر بـ(الشرق الأوسط).

مصطلح (الشرق الأوسط)، يشمل مناطق الجزيرة العربية وأقاليم الشام والعراق ومصر، وأضيفت إليها إيران لأغرض تاريخية. فبلاد الشرق الأوسط مساحة جغرافية ذات خصوصية، تميزت بين سائر بقاع العالم بأنها مهد الحضارات، ومهبط الرسالات، وملتقى القارات، ومطمع القوى العظمى الطامحة إلى الإبقاء على قوتها وسيطرتها بضمان السيطرة على مقدرات تلك المنطقة، ومستودعات كنوزها العظيمة، وممراتها المتحكمة في التجارة العالمية، ومواقعها الإستراتيجية الفريدة، ولذلك كانت عبر التاريخ ولا تزال أشبه بميدان سباق أو حلبة مصارعة، وقد أكسبها الأمريكيون مؤخرًا أبعادًا دولية أهم، بعد أن جرى توسيع مفهوم ذلك (الشرق الأوسط) إستراتيجيًا، ليضم باكستان وأفغانستان وتركيا تحت مسمى (الشرق الأوسط الكبير) أو الجديد!

إن أبعاد الصراع الاقتصادية والسياسية والعسكرية على أراضي العالم الإسلامي وخاصة في المراكز الأربعة الأهم فيه تاريخيًا وجغرافيًا وهي: (بلدان الخليج العربي واليمن والشام ومصر والعراق)،هذه الأبعاد تزداد حدتها وشدتها بدخول البُعد الديني عليها، لتظل تلك المنطقة ملتقى تصورات متباينة من الرؤى فيما يسمى بـ(الحتمية التاريخية) عند أصحاب التجارب الحضارية، حيث إن أصحاب كل مشروع من المشاريع الدولية والإقليمية والمحلية المتنافسة فوق أراضي هذه المنطقة، يرون أنها بذاتها ستشهد (نهاية التاريخ) بانتصار مشروعهم الحضاري، أو بتعبير أدق: (مسلكهم الاعتقادي)، حيث إن الصراع في جوهره بين كل المشاريع على أرض الحضارات والنبوات؛ هو في جوهره صراع اعتقادي، أو بالمصطلح الأمريكي: (صراع حضارات) أو (حرب أفكار)؛ لكن تخدمه الحروب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بهدف هزيمة المشروع المقابل، أو على الأقل تحييده وتهميشه.

ولذلك فإن أصحاب كل مشروع يعدون أنفسهم بالفعل في (سباق) قد لا يتدارك، إذا سبقهم مشروع آخر منافس، وهذا فيه ما فيه من جريان الأحداث وفق سنة التدافع التي قررها القرآن الكريم في أكثر من موضع: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251].

لذلك؛ فإن حَمَلة المنهج الصحيح لا ينبغي في هذا السباق أن يكتفوا بمسلك (الرؤية الشرعية للأحداث) حتى يضموا إلى ذلك المساهمة في (الريادة الشرعية للأحداث)، لأن الفراغ الريادي هنا؛ سوف يملؤه من ليسوا واضحين في الرؤية، أو مؤهلين للقيادة.

صحيح أن (المشروع السُني) لم يتبلور بعد بصورة واضحة في الواقع على الأرض، بل حتى الاسم لم يشتهر في التداول لسبق الوصف العام له: (المشروع الإسلامي)؛ لكن الأيام تثبت والتطورات تؤكد؛ أن هناك بالفعل ضرورة لتمييز المشروع السُنِّي القائم على الإسلام الصحيح؛ عن بقية المشروعات الهجين المنتسبة زورًا للدين.

إن المراحل المفصلية في التاريخ تحتاج دائمًا إلى تقويم صحيح، ثم مبادرات مدروسة، ثم خطوات جريئة. والمرحلة الراهنة من حياة الأمة هي مرحلة تأسيس عملي لانطلاق مشروع قائم على الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم لا على الأهواء التي حذَّره الله تعالى منها ومن أهلها عندما قال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . إنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18-19].

وواجب المتقين في هذه المرحلة أن يصطفوا حول المشروع السُني، مشروع الشريعة، لاستعادة الاعتبار لها في التحاكم أولاً، ثم لإعادة الحكم بها ثانيًا.

التأسيس النظري للمشروع الإسلامي الخاص بأهل السنة، قد بُذِلت فيه جهود عمومية لا بأس بها، في المراحل التي حيل فيها بين الإسلاميين والمشاركة الفعلية في مجريات الأمور في بلدانهم، لكن المنحى العملي لانطلاق ذلك المشروع يحتاج أيضًا لتحسس مواقع الأقدام، قبل الإقدام أو الإحجام، ولا يكون ذلك إلا باستشراف المشهد الإجمالي لخريطة سباق المشاريع المغايرة على الأرض، بامتداداتها الماضية المتصلة بالحاضر والمستقبل اتصالاً وثيقًا.

خريطة المشروعات المنافسة والمتنافسة:

إن المتأمل في تلك الخريطة، سيرى أنه خلال القرن الميلادي الماضي الذي شهدت بداياته إسقاط المشروع السُّنِّي العالمي بقيادة الخلافة التركية؛ كانت تتحرك على أراضيها المقسمة أربعة مشاريع، أحدها: المشروع الصليبي التغريبي، والثاني: المشروع اليهودي الصهيوني، والثالث: المشروع الاشتراكي الشيوعي، والرابع: المشروع العلماني العربي. ثم دخل على خط المنافسة مشروع خامس هو: المشروع الشيعي الفارسي.

هذه المشروعات المتناقضة حضاريًا وعقائديًا؛ كانت ولا تزال لا يجمعها شيء سوى العداء لمشروع الإسلام السُّنِّي، والاستماتة دون عودته في أية صيغة، وتحت أي قيادة؛ عربية أو أعجمية. فمن العجيب أن كل تلك المشروعات على الرغم من أجنداتها المختلفة كانت كلها تتنافس فيما بينها على أمرين؛ أحدهما: من يحقق المغنم الأقصى والفائدة الأعظم لحساب مشروعه خصما من تركة المشروع السُّنِّي الغائب أهله، والثاني: من يلحق المغرم الأكبر والضرر الأشد بأهل ذلك المشروع، في هويتهم وشرعتهم وأرضهم ومقدراتهم ومستقبل أجيالهم!

والملاحظ كذلك أن بداخل كل مشروع من تلك المشروعات الرئيسية، مشاريع أخرى صغيرة، يتم استعمالها كأدواتٍ مساعدة في المناكفة والمناهضة، مثل مشاريع الأقباط والموارنة والدروز والنصيرية العلوية والزيدية الحوثية والزنج الوثنيين وأصحاب الأجندات العرقية الانفصالية.

ولنلق نظرة مختصرة على تفاعلات تلك التنافسات المتواصلة ضد الإسلام الصحيح، والمتواصية على إقصائه وعزله، وهي نظرة؛ وإن كان بعضها من الماضي؛ إلا أن موضوعها هو المستقبل:

أولا: المشروع الصليبي التغريبي

ينطلق أصحاب هذا المشــروع من (حتمية تاريخيـة) تقول باختصار بأن حركة التاريخ تتجه نحو تفرد حضارة الرجل الأبيض بالسيادة والتفوق على بقية الأمم، بما لهذا الرجل من خصائص خَلْقية وحضارية، زادها تألقًا -في زعمهم- انتسابه إلى القيم الدينية التي جاء بها المسيح عليه السلام وعمل لنشرها ونصرها، وسينتهي التاريخ -كما يتوهمون- بتفوق أهلها، بل بتزعم ذلك المسيح شخصيًا لأتباعه في الفصل الأخير من التاريخ؛ ليخلصهم من كل الأنداد والمنافسين والمعادين الذين يأتي على رأسهم: المسلمون، لأنهم وضعوا أيديهم على أرض المسيح، وجعلوا قداستها وتحررها جزءًا من اعتقادهم!


وتحت هذه النظرة العنصرية والدينية لسير (التاريخ المستقبل)؛ جرت معظم أحداث التاريخ الماضي بين النصارى والمسلمين وستجري إلى يوم الدين، كما قرر القرآن العظيم: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} [البقرة: 217].

لكن هذا الغرب النصراني عَرضَت له فترة إعراض عن الدين، فبعد صراع طويل مع العالم الإسلامي في حروب صليبية متواصلة على أرض الشام وما حولها؛ أسس الغرب الأوروبي مشروعًا ذاتيًا خاصًا به، ولكن نتائجه لم تبعد عن التأثير الكارثي على أوطان المسلمين، وقد بدأ ذلك المشروع الغربي في بلاده في القرن السادس عشر باسم (النهضة) متخلصًا من الكنيسة وخرافاتها.

وفي القرن الثامن عشر: أخذ منحى (التنوير)، بتنصيب العقل في منصب الألوهية الشاغر عندهم، بعد إقصاء فكر اللاهوت الكنسي، وفي القرن التاسع عشر: تحول المشروع الغربي باسم التفوق العقلي إلى التوسع على حساب الشعوب الأخرى، وخاصة شعوب العالم الإسلامي، ضمن سياسة إعمار قارة أوروبا، بإفقار غيرها وتجريف مواردها، فيما سمي بـ(الاستعمار).

أما في القرن العشرين؛ وبعد أن أضاف الغرب إلى ثرواته التي تكفيه وتغنيه، الكثير من ثرواتنا ومقدراتنا؛ قاده التوحش الرأسمالي إلى تقنين هذه الهيمنة وتثبيتها، عن طريق اصطناع نظام دولي دائم، يضمن قوة السيطرة واستقرارها، أو على الأقل تقاسمها مع بقية الأقوياء والأثرياء، ليتقرر على مشارف القرن الحادي والعشرين تطوير للحتمية التاريخية الغربية يقول بـ(نهاية التاريخ) بانتصار الفكر الليبرالي الغربي، وإمساكه بمقاليد العالم من خلال (العولمة) الاقتصادية، أو السيطرة العسكرية، فالليبرالية اعتمدت أداة فكرية لخدمة تلك النظرة الجديدة للحتمية التاريخية.

سقط المشروع الغربي على أراضي المسلمين في شقه القيمي ووجهه الحضاري جرّاء التوجهات غير الإنسانية المنافية لقيم الغرب الرئيسة التي تشدق بها منذ نجاح الثورة الفرنسية، أما الشق المادي من ذلك المشروع، فالنجاح الظاهر فيه، إنما كان في جزء كبير منه، مبنيًا على ثروات مسروقة، ومقدرات منهوبة، وإرادات مسلوبة. وأكثر ذلك كان يجري في العالم النامي، وأغلبه إسلامي!

وقد تجلَّى ذلك كله من خلال سياسات فرض التغييب باسم (التغريب) حتى تظل تلك الشعوب غريبة في بلادها ومقادة بقادة يتكلمون بألسنتها، لكنهم يتجهون إلى غير وجهتها.

كان واضحًا منذ البداية أن أي مشروع إسلامي مستقل ومقاوم ومتطلع إلى الأمام، سيمثل خطرًا على مشروع الغرب المفلس في قيمه، والجشع في تطلعاته وطموحاته، والمُصِرُّ على توفير الحد الأقصى من الرفاهية بأي سبيل للإنسان الغربي (السوبر) الذي لم يعد يتذكر من دينه إلا: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75].

إن المشروع المفترض أن يكون مناهضًا ومقاومًا لهذا الإفلاس القيمي والجشع المادي؛ عرف الغرب مبكراً أنه ليس شيئاً آخر إلا مشروع الإسلام الصحيح (السُّنِّي)، فلن يقوى على مقاومتهم اعتقادياً وحضارياً لا مشروع شيعي ولا صوفي ولا قومي، ولن يقف في وجههم ما يسمى بـ(الإسلام الليبرالي)، ولا حتى الإسلام (المعتدل) بمعايير الاعتدال المصنعة في مراكز (حرب الأفكار) التابعة للبنتاجون!

يملك المشروع السُّنِّي كل عوامل الانطلاق والتحدي، من باب (القوة) إن لم يكن من باب (الفعل) -كما يقول المناطقة- فهو يملك إمكانات هائلة تؤهله للمنافسة الحضارية في مضمار السباق الواجب دخوله.

ولأنه يملك إمكانات المشروع الناجح، من (الرؤية) و(الرسالة) و(الغاية) و(الأنصار) و(ووسائل الانتصار)، فقد استمات أعداء الرسل المعاصرين كي يحُولوا دون تحوله إلى واقع حي، يحيا به الحق ويزهق الباطل، فضد قيامه تُصاغ الخطط، ولصدِّ قدومه تُرسم الاستراتيجيات، وتُدبر التكتيكات، وتُقام التحالفات، وتُبث الفتن، وتُوقد الحروب.

يكفينا في هذا المقام أن نراجع استراتيجيات وأطروحات ومصطلحات المواجهة الغربية بشكل عام، والأمريكية بوجه خاص، والتي اشتهرت في العقديين الماضيين فقط، كي ندرك كمَّ وحجم الحرص على بقاء المشروع السُّنِّي غائباً.

تأمل في البعد المتعلق بالإسلام في أطروحات مثل (نهاية التاريخ) و(صراع الحضارات) وراجع استراتيجيات مثل (حرب الأفكار) و(بناء شبكات للإسلام المعتدل) و(الحرب العالمية على الارهاب) و(مشروع القرن الأمريكي) ومشروعات التقسيم لـ(الشرق الأوسط الكبير)، وتفحص أيضاً مصطلحات مثل: (الإسلام المدني الديمقراطي) (الإسلام الليبرالي) و(الإسلام العلماني)!! و(الدولة المدنية اللادينية) وغير ذلك؛ تأمل في ذلك كله وابحث عن المراد منه، تدرك أن (الإسلام الصحيح) الذي يمثله النهج السُّنِّي، حاضر بقوة ومقصود بإصرار وموضوع بتعمد في عمق تلك الأطروحات والاستراتيجيات والمصطلحات.

الكلام يطول عند الوقوف مع كل مفردة من تلك المفردات في المشروع الصليبي التغريبي على أرضنا في الوقت الراهن، لكن الحقيقة الحاضرة فيها كلها، أن المشروع الصليبي التغريبي هو أقدم وأشرس وأطول المشاريع المصارعة للوجود السُّنِّي منذ بدء التاريخ الإسلامي وحتى نهاية التاريخ الإنساني، مع حقيقة أخرى ماثلة؛ وهي أن كافة المشروعات المعادية الأخرى للمشروع الإسلامي السُّنِّي، هي إحدى سيئات ذلك المشروع الصليبي التغريبي المخضرم في الفساد والإفساد.

ثانياً: المشروع اليهودي الصهيوني

يستمد ذلك المشروع خطورته من كونه يستهدف أهم مناطق العالم الإسلامي حساسية وأهمية، فمنطلقه: الأرض المقدسة في الشام، بما لها من دلالات دينية وتاريخية. ومداه الجغرافي أو السيادي المستقبلي: في الأرض الممتدة من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً، ومن جنوب تركيا شمالاً إلى شمال المدينة المنورة جنوباً، وتدل على ذلك بإسهاب أدبيات وإستراتيجيات ذلك المشروع منذ بدأ، ومعلوم أن تلك المناطق تمثل قلب وعقل الوجود السُنِّي في القديم والحديث.

لذلك فإن (الحتمية التاريخية) عند أصحاب ذلك المشروع تقول: إن التاريخ يتجه في مسار انتصار (الشعب المختار) بعد تمكنه من العودة إلى الأرض المقدسة، معيداً فيها بناء قوته، ومستعيداً فيها مقدساته، ومنتصراً فيها على أعدائه، حتى تتأهل هذه الأرض وما حولها لزمن تمكُّن اليهود، وسيطرتهم على كل العالم من (أورشليم القدس) تحت قيادة المسيح اليهودي المنتظر!

مرة أخرى؛ نرى تلك المنطقة من العالم، منطقة الوجود السُنِّي العربي أو (الشرق الأوسط)، محط أنظار مشروع منحط آخر، هو مشروع من ضُرِبت عليهم الذلة والمسكنة، المشروع الذي قام أساساً على أنقاض مشروع الخلافة، وكان لليهود اليد الطولى في إسقاطها، وهو مشروع في حقيقته صناعة غربية نصرانية بروتستانتية وكاثوليكية، أراد نصارى الغرب منه تأسيس قاعدة متقدمة لمواجهة أي مشروع إسلامي وليد، ولذلك ثبَّتوا في المنطقة على مدى عقود طويلة أنظمة موالية لهم من المنافقين الذين وافقوا اليهود على دعوى مشروعية مشروعهم، ووقفوا معهم أو بالنيابة عنهم ضد أي محاولة لإقامة مشروع إسلامي ناشئ.

حقق مشروع اليهود منذ بدأ العديد من القفزات والنجاحات، وعلى رأسها بناء كيان حديث، يملك خامس أكبر قوة عسكرية في العالم، وقف العالم الغربي بأسره وراءها، ولا يزال، لكنه مع ذلك وقع في كثير من الإخفاقات والانتكاسات، التي سببتها صلابة الموقف الاعتقادي الإسلامي الشعبي من مهادنة ذلك الكيان أو الصلح معه أو قبول تطبيع العلاقات مع مشروعه المعادي المرتبط وجوده وصعوده بغياب المشروع الإسلامي أو ضعفه.


لقد صاغ المشروع اليهودي لنفسه نظرية للأمن القومي بدأت في الظهور والعمل منذ الأربعينيات في عهد (بن جوريون) أول رئيس وزراء في الكيان الصهيوني، وتعتمد هذه النظرية على تقسيم العالم الإسلامي والعربي المحيط إلى دوائر خطر، ينبغي العمل على مواجهتها كلها بحسب درجة ذلك الخطر، فالدائرة الأولى؛ هي دائرة (وادي النيل) وتقودها مصر، والدائرة الثانية هي دائرة (الشام) التي كانت تتناوب سورية والعراق على زعامتها، والدائرة الثالثة دائرة (الخليج العربي) ومركزها السعودية، والدائرة الرابعة: هي (الدائرة الإسلامية) التي تبرز فيها قوى كبيرة مثل باكستان وتركيا وإيران، والدائرة الخامسة هي: (الدائرة الإفريقية) وتمثلها دول منابع النيل، إضافة إلى الدول ذات التأثير على البحر الأحمر.

ووفق هذا التقسيم؛ تقيم النظرية أمن الكيان اليهودي على الأسس التالية:

- منع التقارب أو التنسيق بين الدول الرئيسة في تلك الدوائر، وخاصة دائرتي وادي النيل والشام.

- تشجيع عمليات الانشقاق والتقسيم داخل كل دائرة وخاصة دائرة الشام.

- عرقلة أي تنسيق بين الدائرة الخليجية والدائرة الإسلامية.

- إقامة علاقات وثيقة مع دول منابع النيل غير الإسلامية، لضمان الضغط على كل من مصر والسودان في مسألة حصص المياه، مع تهيئة أوضاع تسمح بحرية الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.

وفي ظل تملك أشد الناس عداوة للذين آمنوا، لأحدث أنواع الأسلحة ردعاً وفتكاً؛ يريد هؤلاء اليهود تحقيق هدفين إستراتيجيين بالنسبة إلى أمنهم القومي؛ أحدهما: توفير الحماية للدولة اليهودية وضمان قدرتها على التوسع، والثاني: تضييق الخناق على العرب حتى يرضوا بالاعتراف بتلك الدولة، وتطبيع العلاقات معها.

ثالثاً: المشروع الشيعي الفارسي

وأصحابه يضعون أعينهم أيضاً على قلب العالم السُنِّي، متربصين بأي مشروع ناجح لمن يوصفون عند شيعة اليوم والأمس بـ(النواصب) الذين ناصبوا آل البيت العداء!

والعجيب أن المشروع الشيعي الفارسي يستهدف أيضاً الأقاليم السُّنِّية العربية الأهم التي يستهدفها اليهود، لا بغرض حمايتها منهم، بل بغرض تقاسمها معهم، والشيعة الفرس يجمعون مثل اليهود بين العداوة الدينية والعنصرية، فهم يحتقرون العربي ولوكان شيعياً مثلهم، لكنهم لفرط حقدهم المزدوج على العرب السنة، يعدون الشيعة العرب أدوات لضربهم وإذلالهم، كما دلت على ذك الوقائع التي تلت غزو الأمريكيين للعراق، ثم ما تلاها من أحداث في اليمن والبحرين وغيرها.

خطورة المشروع الشيعي بقسميه: الفارسي والعربي؛ أنه موجه ضد السُّنة ومنهجهم على وجه الخصوص، ودون تقية أو مواربة، ويستهدف في النهاية الأماكن المقدسة في مكة والمدينة. ومشروعهم يسير بانتظام في مخطط خطير لتطويق جزيرة العرب كلها لأجل الزحف إليهما، في مقابل استهداف اليهود للأماكن المقدسة في الشام وسيناء، ولذلك يبني الشيعة خططهم الاستراتيجية المستقبلية، وفق (حتمية تاريخية) مبنية على أساس أن أحداث التاريخ تجري باتجاه خروج من شايعوا أهل البيت من (المظلمة) التاريخية، تحت شعار (يا لثارات الحسين)! تنتهي كما يعتقدون بانتصارهم على (أعداء) أهل البيت، وتحرير (مراقد الأئمة) والأماكن المقدسة منهم، بعد الانتقام من هؤلاء (الأعداء) أحياءً وأمواتاً!!

رابعاً: المشروع الاشتراكي الشيوعي


وهو مشروع سقط في بلاده بسقوط الشيوعية السوفيتيية واتحادها الإلحادي، غير أن هذا المشروع له أنصار لا يزالون يكافحون بجنون لاستئناف مسيرته في بلاد المسلمين، متعللين بأن ما سقط هو النموذج التطبيقي السوفييتي، أما النظرية فإنها لا تزال بانتظار من يقوم بها.

وما انبعاث الأحزاب اليسارية وتجديد نشاطها في بلاد الثورات العربية، ودخولها حرباً ضروساً معلنة ضد قوى ورموز المشروع الإسلامي، ووصول بعضها إلى سدة الحكم، إلا دليلاً على أن المشروع الاشتراكي اليساري الذي كاد يغزو أكثر البلدان السُنِّية في الخمسينيات والستينيات الميلادية، لا يزال يكافح للبقاء نداً للمشروع الإسلامي السُنِّي في ساحاته ومخصصاته.

هل ستحاول بقايا المنظومة الاشتراكية خاصة بعد إخفاق الرأسمالية بعث الروح في الحركات اليسارية الميتة في البلاد العربية؟ هذا احتمال لا ينبغي استبعاده، في سياق السباق المحموم من حولنا، وفي عقر دارنا.

خامسا: المشروع العلماني العربي

هذا المشروع مشروع مسخ هجين، لأنه باختصار هو مشروع المنافقين. وهل للمنافقين مشروع؟! نعم؛ بل مشاريع، لكن يجمعها جميعاً أنها مشروعات ضرار، تنطلق من كلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، مرة باسم القومية العربية، ومرة باسم التعصب للجذور الوثنية الوطنية، فرعونية كانت أو فينيقية أو آشورية، ومرة باسم الخصوصيات العرقية والعنصرية.

وأكثر هذه المشاريع جاءت استلهاماً لـ(مبادئ) العلمانية الغربية، سواء أكان في صورتها الغربية (الليبرالية) أم في صورها الشرقية التي تجمعها الاتجاهات اليسارية: الشيوعية والاشتراكية. ونتج عن ذلك الاضطراب ازدواجية في المعايير، أثمرت ازدواجية في الانتماء والولاء، فهم لهذا: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ} [النساء: 143].

ليس لمشاريع النفاق العلمانية (حتمية تاريخية) لأنها ليس لها منهج أو مذهب تسعى لنشره في العالم، وحتى المشروع العربي في صورته القومية، لم يحلم بأكثر من وحدة العرب تحت أي راية علمانية، فليس له بعد عالمي كما هو الشأن في المشروع الغربي الرامي إلى تسييد (شعب الله المختار الأنجلوساكسوني)، وليس لديه كذلك دين يرى عصمة أهله، كما هو حال المشروع اليهودي الهادف إلى إخضاع الناس لـ(الشعب المختار الصهيوني).

لكن مع ذلك، فمشروع المنافقين الأعداء هو الأخطر بين كل هؤلاء، لأنه يقوم على الهدم من الداخل القريب، لا من الخارج البعيد، ولهذا قال الله تعالى عنهم وعمَّن يحملون مشروعهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4].

المشروع السُّنِّي: أين؟ وإلى أين؟

هذا سؤال المرحلة، وعنوان الظروف الراهنة، ولكن الحديث فيه يطول، ولذلك فإنه سيكون عنوان المقال القادم بإذن الله.

 

المصدر: :: مجلة البيان العدد 299 رجب 1433هـ – يونيو 2012م.