شيخ الجالية البورماويَّة بالسعودية: البوذيون دخلاء على أراكان... مصالح الدول ببورما قليلة فتدخلهم سطحي

منذ 2012-07-29

لا يزال المسلمون (الرُّوهانج) في إقليم أراكان المسلم التابع لجمهورية ماينمار (بورما) يتعرَّضون لشتى صنوف الإيذاء والتَّنكيل والقتل ونهب الممتلكات وحرق المنازل من قبل العصابات البوذيَّة المتطرفة (الماغ) في ذلك الإقليم، على مسمع ومرأى، بل ودعم من الحكومة العسكريَّة البوذيَّة في ماينمار.


لا يزال المسلمون (الرُّوهانج) في إقليم أراكان المسلم التابع لجمهورية ماينمار (بورما) يتعرَّضون لشتى صنوف الإيذاء والتَّنكيل والقتل ونهب الممتلكات وحرق المنازل من قبل العصابات البوذيَّة المتطرفة (الماغ) في ذلك الإقليم، على مسمع ومرأى، بل ودعم من الحكومة العسكريَّة البوذيَّة في ماينمار، بغرض تهجيرهم من الإقليم، وذلك في صورة مطابقة لما ارتكبوه في حقِّ المسلمين الرُّوهنج قبل 60 عامًا، والتي لا يزال كبار السِّنِّ من البورماويين الرُّوهنج يذكرونها، ويكابدون آلامها إلى الآن.

(موقع المسلم) التقى فضيلة الشَّيخ أبو الشَّمَّا بن عبد المجيد بن محمد علي الأراكاني البورماوي، شيخ الجالية البرماويَّة في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، والباحث في رابطة العالم الإسلاميِّ في مكَّة المكرمة سابقًا، الذي تحدَّث عن جذور القضيَّة الأراكانيَّة، ومستقبل أبنائها (الرُّوهنج) المسلمين.


- بداية: مَنْ هم (الرُّوهنجا)؟ ومِن أين جاءت هذه التَّسمية؟

جاءت هذه التَّسمية منذ دخول الإسلام إلى أراكان قبل 13 قرنًا عن طريق التُّجَّار المسلمين من العرب الحضارمة، فبعد تحطُّم سفينتهم في إحدى جزر أراكان، وتُسمَّى جزيرة (رحامبري) -يعني أرض الرَّحمة- سمَّى المسلمون النَّاجون من الغرق هذه الجزيرة أرض الرَّحمة، وقد أطلق عليهم السُّكان الأصليُّون (روهنجا)؛ لأنَّ المسلمين العرب النَّاجين من الغرق، نادوا بعضهم البعض بـ(روح النَّجاة) فسمع السُّكَّان الأصليُّون هذه التَّسمية، ولقَّبوهم بالرُّوهانجا.

وقد بدأ المسلمون العرب بنشر الإسلام قولًا وفعلًا بأخلاقهم الإسلاميَّة الفاضلة، حتَّى انتشر في أرجاء أراكان كلِّها، خلال خمسة قرون، وتزوَّج العرب من السُّكَّان الأصليين المقيمين في المنطقة منذ خمس آلاف سنة، وتصاهروا معهم، واندمجوا اندماجًا كاملًا، حتَّى سُمِّي السُّكَّان الأصليُّون في أراكان بالرُّوهنجيين، نسبة إلى العرب المسلمين، الَّذين لقِّبوا بهذا اللَّقب ابتداءً لكن لمَّا اندمجوا مع السُّكَّان الأصليين، أطلق على الجميع الرُّوهنجا.

أمَّا البوذيُّون (الماغ) لم يكن لهم أيُّ علاقة بأراكان قبل مائتين وستين سنة، بورما البوذيَّة ليست لها علاقة بأراكان، فأراكان كانت دولة إسلاميَّة مستقلَّة، حكمت 354 سنة، وتعاقب عليها 48 ملكًا مسلمًا، ثمَّ جاء الاحتلال البوذيُّ البورميُّ في عام 1784م، وقضى على الدَّولة الإسلاميَّة، وحكم البوذيُّون أربعين سنة، ثمَّ جاء الاستعمار البريطانيُّ في عام 1820م، وحكمت بريطانيا بورما بما فيها دولة أراكان المحتلة لمدة 124 سنة، ثمَّ في عام 1942م، ارتكب البوذيُّون في أراكان مجزرة كمجزرة اليوم، وقتلوا أكثر من مائة ألف مسلم روهنجي، بمساندة من البوذيين البورمان، وبتحريض ومشاركة منهم مع البوذيين المحلِّيين، والآن أحفادهم يكملون المشوار الذي ابتدأه أجدادهم، القتل والإبادة للمسلمين الرُّوهنجيين.


- ما سبب العداوة الشَّديدة من قبل الحكومات البورميَّة المتعاقبة على المسلمين في إقليم أراكان؟

الأغلبيَّة العظمى في دولة بورما (ماينمار) هم بوذيُّون وثنيُّون، فالعداوة عداوة دينيَّة، والحكومة البوذيَّة البورميَّة لا تريد إثبات عرقيَّة وإسميَّة المسلمين الرُّوهانجيين في أراكان، بل يريدون المسلمين مواطنين من الدَّرجة الثَّانية، فهم يعتبرون المسلمين من الدَّرجة الثانية، والعرقيين البوذيين وغيرهم من الدَّرجة الأولى، فالمسلمون الرُّوهانجيُّون في أراكان، يسعون لإثبات مواطنتهم عرقيًّا وإسميًّا، ولهذا تشتدُّ عداوة البوذيين لهم؛ لأنَّهم إذا ثبت عرقيَّتهم واسميَّتهم، فسوف يكون على البوذيين حينها مساواتهم في الحقوق السِّياسيَّة، ومنها البرلمان والرِّئاسة وغيرها، فهم لا يريدون أن يساووا المسلمين مع البوذيين بسبب العداوة الدِّينيَّة المتأصِّلة فيهم.


- هل هناك مسلمون يشتركون مع البوذيين في نفس العرق، وبالتَّالي لا يتعرَّضون لنفس الاضِّطهاد الذي يتعرَّض له المسلمون الرُّوهنج الآن؟

نعم؛ المسلمون عامَّة في ماينمار لا يتعرَّضون لهذه الاضطهادات والظُّلم، لأنَّ المسلمين الآخرين هم متجنِّسون، فبعد استقلال بورما في 1948م، طلبوا من الذين دخلوا إلى بورما خلال فترة الاستعمار البريطانيِّ أن يتقدَّموا لطلب الجنسيَّة البورميَّة، فتقدَّموا لها ومن ثَمّ حصلوا عليها، أمَّا المسلمون الرُّوهنجيُّون في أراكان فلم يتقدَّموا لطلب الجنسيَّة، لأنَّهم عرقيُّون إسميُّون كبقيَّة العرقيَّات الأخرى، فمكثوا بدون طلب جنسيَّة، حتَّى جاء عام 1951م، مُنحت لهم الجنسيَّة العرقيَّة في أراكان، ثمَّ بعد الانقلاب الاشتراكيِّ العسكريِّ الشُّيوعيِّ انتُزِعت منهم جنسيَّتهم، وسُحبت منهم بطاقات المواطنة، وفي عام 1982م، حَكَموا عليهم أنَّهم عديمو الجنسيَّة، أي أجانب دخلوا البلاد كمزارعين وفلاحين، أمَّا عموم المسلمين كما قلت فهم متجنِّسون لا يضطهدون، أي في جهة العاصمة (بينجون) وسط البلاد، إذ ليس هناك ظلم كما هو الظُّلم على المسلمين الرُّوهنجيين في أراكان، لأنَّ المسلمين الرُّوهنجيين في أراكان، عبارة عن تجمُّع إسلاميٍّ بأعداد كبيرة يصل إلى قرابة الثَّلاثة ملايين؛ فهم لا يريدون لهذا العدد من المسلمين أن يُثبتوا مواطنتهم، حتَّى لا يتساوَوا معهم في الحقوق كما أسلفت.

إذًا؛ فالعداوة الشَّديدة من الحكومة البوذيَّة البورميَّة بإملاء من البوذيِّين المحلِّيين الأراكانيين الذين يُسمَّون بـ(الماغ) ويسمُّون أنفسهم بـ(ركائن) -يعني نسبة إلى ولاية أراكان- ويقولون هذه ولايتنا، لذلك يقومون بقتل المسلمين الرُّوهنجيين، لأنَّهم يدَّعون أنَّ أراكان لهم، فلا يريدون أن يشاركهم المسلمون فيها.


- المسلمون في أراكان يمثلون 70% من عدد سكان هذا الإقليم، فكيف يدَّعي البوذيُّون أنَّ المسلمين يزاحمونهم، في حين أنَّ المسلمين هم الأغلبيَّة في أراكان؟

هؤلاء البوذيُّون المحلِّيُّون في أراكان أصلًا من عرقيَّة (الماغ) الذين انحدروا من ولاية التِّبت شمال الهند قبل اثني عشر قرنًا، أمَّا المسلمون فكانوا قبلهم بقرن، أي قبل ثلاثة عشر قرنًا، لكنَّ البوذيِّين يدَّعون أنَّ هذه منطقتهم، لأنَّ الحكومة البوذيَّة البورميَّة مساندة ومشاركة لهم في العداوة ضدَّ المسلمين الرُّوهنجيين في أراكان، فالبوذيُّون يريدون من المسلمين أن يخلو المكان لهم، لأنَّ الحكومة البوذيَّة ادَّعت أيَّام العسكريَّة الشُّيوعيَّة بعد الانقلاب أنَّ بورما للبوذيِّين، وأنَّ على المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم باكستان والسُّعوديَّة، بل إنَّهم يقولون ذلك صراحة: "لا نريد المسلمين أن يشاركونا في الحكم".


- ما موقف الأمم المتَّحدة ؟ هل تعتبر (الرُّوهنج) دخلاء أيضًاً، أم أنَّهم أبناء هذه المنطقة وشعبها، يحقُّ لهم تقرير مصيرهم؟

الأمم المتَّحدة لم يكن عندها معلومات كافية عن المسلمين الرُّوهانجيين، والآن الأمم المتَّحدة اعترفت بعرقيَّة (الرُّوهنجا) في أركان واسميَّتهم، حتَّى صدر قرار من الكونجرس الأمريكيِّ بعرقيَّة الرُّوهنجا في أراكان، وطالبت الحكومة البوذيَّة البورميَّة الاعتراف باسميَّة الرُّوهنجا في أراكان، لأنَّهم موجودون قبل عدَّة قرون.


- هل للمسلمين الأراكانيين كيان أو تنظيم في الخارج؟

هناك الكثير من المنظمات، وقبل سنة وُجِّهت دعوة إلى المنظمات الرُّوهانجيَّة في الخارج من قبل منظمة التَّعاون الإسلاميِّ، واجتمعت خمسٌ وعشرون منظمة، واتَّحدوا، وأُسِّست لهم منظمة، طالبت بالتَّعايش السِّلميِّ للرُّوهانجا مع العرقيَّات الأخرى، وكذلك المساواة في الحقوق والدِّيمقراطيَّة، كما طالبوا بالفيدراليَّة، وهذا ما وصلنا إليه قبل سنة، أمَّا المنظمات فهي موجودة منذ استقلال بورما قبل ستين سنة وإلى الآن، لكنَّها ضعيفة، ولا تتلقَّى مساندة من أي دولة، أعني مساندة قويَّة، لذلك تركوا فكرة المقاومة بالسِّلاح، واتَّجهوا للمطالبات السِّلميَّة.


- هل توجد في منطقة أراكان ثروات تهيِّئهم للاستقلال الذَّاتيِّ إن سعوا إلى ذلك؟

الثَّروات موجودة، لكن منطقة أراكان ليست كلُّها للمسلمين، لأنَّ النصف الجنوبيِّ من أراكان هي بوذيَّة، فالبوذيُّون في النِّصف الجنوبيِّ من أراكان يمثِّلون 60 % منها، أمَّا النِّصف الشَّمالي فهم مسلمون روهانجيُّون، والثَّروات موجودة في أراكان عامَّة، لكن ربَّما في مناطق المسلمين لا وجود للبترول، ولا شيء إلا الزِّراعة فقط، وصيد الأسماك، والأخشاب، أمَّا موضوع الاستقلال فأظنُّه أمرًا في غاية الصُّعوبة.

- هل هو صعب من ناحية البنية السُّكانية أم صعب من ناحية الثَّروات؟
ليس بسبب البنية السُّكانيَّة، فهناك دول سكانها 300 ألف أو نصف مليون، ولهم كيان سياسيٌّ ودولة، أمَّا في أراكان فعدد المسلمين ثلاثة ملايين، أمَّا الخيرات فهي موجودة في باطن الأرض، لأنَّ أراكان باقية كما خلقها الله، فالبوذيُّون لم يطوِّروا شيئًا بسبب التَّجمُّع الإسلاميِّ هناك، لكن في أراكان من الثَّروات ما يمكن أن يدرَّ خيرًا كثيرًا للمسلمين، فهناك شلَّال يمكن أن يؤمِّن الكهرباء لبنغلاديش كلِّها، لكن لم يتمَّ استغلاله، لأنَّه موجود في مناطق المسلمين، إضافة إلى ثروات الأخشاب، والأسماك، والأنهار، أمَّا البترول فهو موجود في منطقة (الماغ)، ولا يمكن للمسلمين الاستفادة منه.

والأهمُّ من ذلك أنَّ إقليم أراكان هو تابع لدولة ماينمار التي لن تسمح باستقلال المسلمين بأيِّ حال من الأحوال، خاصَّة وأنَّها لا تزال تعتبرهم دخلاء، وقد صرَّح رئيس ماينمار قبل أيام أنَّ المسلمين في أراكان هم من المهاجرين، ونحن على استعداد لتهجيرهم جميعًا لكلِّ من يستقبلهم.


- ما موقف الدُّول المجاورة للاجئين الأراكانيين المتَّجهين لها؟ ولماذا الموقف السِّلبيُّ الحاليُّ من حكومة بنغلاديش تجاه اللاجئين والمهاجرين الأراكانيين؟

الدُّول المجاورة كلُّها دول كافرة ما عدا بنغلاديش، وبنغلاديش دولة فقيرة اقتصاديَّا، ودولة صغيرة، وهي تخاف من الاصطدام مع حكومة بورما، كما أنَّ حكومة بنغلادش تقول: لديها أكثر من ثلاثمائة ألف لاجئ روهنجي منذ عشرين سنة، فكيف لها أن تستقبل المزيد، كما أنَّ حكومة بنغلادش تفترض أن يقوم العالم بالضَّغط على حكومة ماينمار؛ لإعادة المسلمين الرُّوهنجيين إلى أراكان، لا أن يضغطوا عليها لتستقبل المزيد من المهاجرين، ثمَّ يقوم العالم بتناسيهم كما تناسى سابقيهم.


- كيف يُعامَل المسلمون هناك بهذه الطَّريقة، في حين أنَّ الحكومة البورميَّة أعلنت نبذها للشُّيوعيَّة، وتبنِّيها للدِّيمقراطية؟

هذه ديمقراطيَّة الحكومة البورميَّة العسكريَّة الاشتراكيَّة حين أعلنت الدِّيمقراطيَّة، والتي هي القتل والإبادة للمسلمين الرُّوهنجيين، هذه الدِّيمقراطية الموجودة في بورما حاليًّا، العسكريَّة والشُّيوعيَّة تحكم المسلمين هناك بيد من حديد في كلِّ شيء! الزِّراعة مؤمَّمة بالنِّسبة للمسلمين في أراكان، والتِّجارة مؤمَّمة، والتَّنقلات ممنوعة من قرية إلى قرية إلا بتصريح ورشاوى، كأنَّها سجن، وهؤلاء مثل العبيد بل أسوأ، تجبرهم على العمل بالسُّخرة، لا يدفعون لهم قرشًا واحدًا، يشغلونهم شهرًا أو شهرين، وإذا رفضوا قتلوهم، هذا بالإضافة إلى أنَّ اقتصاد بورما في الحضيض، وخاصَّة في إقليم أراكان، أمَّا عموم المسلمين وعموم السُّكان جهة العاصمة، فليس عليهم تلك القيود بل يشتغلون ويعملون في التِّجارة.

وقد اختلق البوذيُّون قضيَّة قتل المسلمين لامرأة بوذيَّة، وهذا كذب وافتراء لتبرير موقفهم لقتل الأبرياء، وقد سمعت وأعتقد أنَّ هذه المرأة البوذيَّة، ربَّما اعتنقت الإسلام على يد جماعة الدعوة والتَّبليغ المسلمين، فلمَّا رأى البوذيُّون ذلك، ترصَّدوا لها وقتلوها، ثمَّ ادَّعوا أنَّ المسلمين فعلوا ذلك لتبرير موقفهم لقتل الأفراد العشرة من جماعة الدعوة والتَّبليغ الذين قتلوهم بوحشيَّة.

وهؤلاء العشرة الذين قتلوهم ليسوا روهانجيين، بل هم من عامَّة المسلمين من الأصول الهنديَّة، وهم مواطنون، لديهم بطاقات مواطنة لكن المسلمون الرُّوهنجيُّون ثاروا لأنَّهم إخوة في الإسلام، وتظاهروا يوم الجمعة، خرجوا في مظاهرات سلميَّة، والدِّيمقراطيَّة لم تمنع المظاهرات السِّلميَّة، فخرجوا، ولكن أبادوهم، وقابلوهم بإطلاق النَّار، وإحراق البيوت، وإخراج العوائل، ثمَّ إحراق البيوت، ثمَّ قتل الأبرياء.


- ما سبب موقف العالم المتساهل حيال ما يجري في بورما، بالرَّغم من أنَّ بورما دولة ليس لها ثقل سياسيٌّ أو اقتصاديٌّ؟

الدُّول -وخاصَّة الدُّول الكبرى- تسعى لخدمة مصالحها، فإن كانت لها مصلحة ماديَّة تدخلوا وبسرعة، ولكن هذه الزَّاوية من العالم -وخاصَّة أنَّ سكَّانها من المسلمين- لا يلتفتون إليها بجديَّة، أمَّا المسلمون والدُّول الإسلاميَّة -فكما تعلم- لا حول لهم ولا قوَّة إلا بالله، ودائمًا هم في موقف ضعف، كان من المفترض من منظمة المؤتمر الإسلاميِّ أن تهُبَّ لنجدتنا، نعم أرى مواقف استنكار وتنديد، ويستمرُّ هذا الاستنكار، وهذا التَّنديد، والمسلمون يُقتلون يومًا بعد يوم، والأمم المتَّحدة تقول: نحن نقدِّم المعونة والإغاثة! فلماذا لا يتدخَّلون بسرعة؟

هل لأنَّ الموضوع يخصُّ المسلمين كما حدث في البوسنة والهرسك، لم يتدخلوا إلا بعد ما قتل مئات الآلاف من المسلمين؟! والشيء نفسه مع أراكان؛ لن يتدخلوا إلا إذا قتل عدد كبير من المسلمين، ويأتِي تدخلهم في النِّهاية.


- كيف يمكن للعالم الإسلاميِّ؛ سواء على مستوى الشُّعوب أو الحكومات مساندة المسلمين في أراكان -إن أرادوا التَّدخُّل- كيف يمكنهم ذلك؟

على المستوى العالميِّ، فحسب علمي أنَّ وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة هيلاري كلينتون، أرسلت خطابًا لحكومة ماينمار، وطالبت منهم التَّدخُّل بإيقاف النَّزيف الدَّمويِّ، والقتل في حقِّ المسلمين الرُّوهانجيين الذين يُعتبرون أقليَّة مضَّطهدة، ولكن حكومة بورما لا تسمح لأحد بالدُّخول لأراكان، لا إعلاميين، ولا كاميرات تصوير، ولا وفد إسلاميٍّ، ولا غير إسلاميٍّ، وحكومة ماينمار لا تنشر ما يحدث في الإعلام أو الصَّحافة، أمَّا ما يصل من الأخبار فهي عبر أجهزة الاتصال العادية، من الشَّعب المسلم الرُّوهنجي، لكن لم تستطع أي جهة الدُّخول إلى أراكان.


- الآن مع الحملة الإعلاميَّة لنشر هذه القضيَّة، هل بإمكان المسلمين التَّحرُّك بشكل أو بآخر لمساعدة مسلمي أراكان، أم فقط من خلال القنوات الدَّولية كالأمم المتَّحدة، ومنظمة العفوِّ الدَّوليَّة؟

ما أعرفه الآن أنَّ حكومة المملكة العربيَّة السُّعوديَّة لها علاقة دبلوماسيَّة منذ خمسة سنين مع حكومة بورما، كما أنَّ منظمة المؤتمر الإسلاميِّ يمكنها الدُّخول إلى بورما؛ لأنَّ بورما كدولة الآن ليست بنفس القدْر من الشُّيوعيَّة الاشتراكيَّة التي كانت عليها سابقًا، الآن فيها ديمقراطيَّة، ويمكن للوفود دخول بورما، وحتَّى أمريكا فتحت سفارتها في عاصمة بورما، حتَّى الصِّين الشَّعبيَّة التي كانت داعمةً للدِّكتاتوريَّة في بورما تخلَّت عنهم وتراجعت، وأعلنت الدِّيمقراطيَّة، ولكن هذه الدِّيمقراطيَّة عندما تكون في حقِّ الرُّوهنجا، تكون القتل والإبادة كما ترى للأسف الشَّديد، فلا بُدَّ من ضغوط دوليَّة مكثَّفة، حتَّى تلتزم الحكومة البورميَّة الحياد، وتفصل بين الطَّرفين؛ لأنَّ الحكومة البورميَّة حتَّى الآن لا تعترف بأنَّ الرُّوهنجيين مواطنون أصليون، ولا تُمنح لهم بطاقة المواطنة، ولا يزالون يعتبرونهم حتَّى الآن أجانب.


- ما مستقبل اللاجئين البورماويين في الدُّول المجاورة، وفي الدُّول الأخرى مثل المملكة العربيَّة السُّعوديَّة ؟ هل انتهى بهم المقام في هذه الدُّول، أم أنَّ مستقبلهم لا يزال مظلمًا؟

في بنغلاديش وحدها أكثر من ثلاثمائة ألف لاجئ، منهم ثلاثون ألف لاجئ فقط مسجَّل في الأمم المتَّحدة، يحصلون على الأطعمة والأغذية رسميًّا، أمَّا غالبيتهم فلا يجدون طعامًا ولا غذاء ولا مأوى، وإنَّما يعيشون بصعوبة شديدة، ويهجم عليهم اللُّصوص من بنغلاديش، ينهبون ما لديهم، وسمعنا منذ فترة قريبة أن بعض القوارب التي تقِلُّ لاجئين روهنجيين، استقبلها لصوص من بنغلادش، واغتصبوا 12 امرأة مسلمة روهانجيَّة، ونهبوا ما لديهنَّ من حليٍّ، أي أنَّ الظُّلم يأتيهم أيضًا من لصوص بنغلاديش، وبنغلاديش -كما تعلم- دولة فقيرة، وسكَّانها كثر، واللاجئون أكثر من ثلاثمائة ألف، ممَّا يفوق استيعابهم، كلُّ ذلك في ظلِّ تجاهل الأمم المتَّحدة ومجلس الأمن لهذه المشكلة! لذلك تجد أنَّ بنغلاديش موقفها سلبي.

أمَّا في باكستان، ففيها عدد من اللاجئين مقارب لما في بنغلاديش، لكنَّهم هناك حصلوا على المواطنة، ولذلك لا نسمع من حكومة باكستان، ولا من اللاجئين، ولا من الأمم المتَّحدة أي شكاوى عن اللاجئين الموجودين في باكستان، لأنَّهم يعاملون كالمواطنين.

أمَّا المملكة العربيَّة السُّعوديَّة فكان موقفها مشرِّفًا منذ ستِّين سنة، فقد استقبلت المهاجرين واللاجئين، وقامت برعايتهم، وتمَّت تسوية أوضاعهم، بمنحهم تصاريح الإقامة مرَّات عديدة، ولكن في الآونة الأخيرة، صدر أمر بشأن الأسر البنغلاديشيَّة، وبناء عليه طُبِّق هذا الأمر على الأسر البورماويَّة، بسبب حملهم جوازات سفر بنغلاديشيَّة، لذلك توقَّف تجديد الإقامات النِّظاميَّة منذ أربع سنوات، فتضرَّروا من جرَّاء ذلك، فقد توقَّفت مصالحهم وأعمالهم، وتوقَّفت معاملات زوجاتهم وأولادهم، وإخراج شهادات الميلاد للمواليد الجُدد، وتسجيل الأولاد في المدارس الحكوميَّة..

كما فُصل كثير من الأولاد المسجَّلين في المدارس الحكوميَّة، بسبب عدم صلاحيَّة الإقامة، والآن ملف البورماويين على الطَّاولة في أمانة منطقة مكَّة المكرَّمة، وقيد الدِّراسة لتنفيذ أمر مقام وزارة الدَّاخليَّة الذي صدر قبل سنة ونصف، المتضمِّن معالجة أوضاع الجالية البورماويَّة، بما فيهم حاملي الجوازات البنغلاديشيَّة والباكستانيَّة، وقد كُلِّف مدير عام الحقوق العامَّة بهذا الملف، والبورماويُّون يبشروننا بخير، ونحن بانتظار الفرج إن شاء الله.


- ماذا عن البورماويين الذين لا يملكون أيَّاً من هذه الجنسيَّات، أعني الباكستانيَّة، أو البنغلاديشيَّة، أو جنسيَّة ماينمار؟

الحقيقة كان هناك ثلاثمائة من البورماويين الموقوفين في ترحيل جدَّة من مجهولي الهويَّة، وتمَّ تكوين لجنة لدراسة أوضاعهم، فبنغلاديش رفضت استلامهم، وكذلك باكستان، ثمَّ عُرضوا على بورما، فرفضت أيضًا، حتَّى جاء سفير دولة بورما إلى ترحيل جدَّة، وطلب مَلء نماذج لهؤلاء البورماويين، وتمَّ إرسال نسخة من قبل سفارة ماينمار في الرِّياض إلى بورما، وطلبوا الاستفسار عن هؤلاء الأشخاص، إن كانوا من أراكان بحسب ما أفادوا، وقد مرت حتى الآن أربعة شهور، وليس هناك أيُّ رد، فأصدرت الحكومة السعوديَّة أمرًا بإطلاقهم..

وقد تمَّ تشكيل لجنة قمْنا باختيارها، تكوَّنت من ثلاثة من إخواننا المسلمين الرُّوهنجيين؛ لفرز البورماويين الموجودين في التَّرحيل لإطلاق سراحهم إن شاء الله، كما أنَّ الحكومة السُّعوديَّة تبذل جهدها مع حكومة ماينمار بخصوص اللاجئين، ربَّما لإصدار جوازات بورميَّة لهم، بدلًا من الجوازات الباكستانيَّة أو البنغلاديشيَّة، ولا نعلم ما آلت إليه الأمور بخصوص هذا الشأن.

نشكر لكم فضيلة الشَّيخ أبو الشَّمَّا بن عبد المجيد بن محمد علي الأركاني البورماوي، هذا الحوار، سائلين المولى أن يفرِّج كرب إخواننا في بورما، وأن يحفظهم بحفظه، إنَّه سميع قريب.


محمد لافي