المسلمون بميانمار .. أما لمأساتهم نهاية ؟

منذ 2012-09-26

يتركز وجود المسلمين، الذين يُعرفون باسم الروهينغيا، في شمال إقليم راخين (أراكان سابقاً) وهم من الأقليّات العرقية التي لا تعترف بها السلطة، وتعتبرهم مواطنين مُهاجرين غير شرعيّين..



لا تكاد زعيمة المُعارضة في ميانمار، سان سو تشي، تطأ بقدميها أرضاً أو تنبس بشفتيها كلمةً حتى تلتقطها أعينَ الإعلام الغربي بفرحٍ غامر وكأنها مَخلوقٌ بعثته السماء ليُخرج الغرب من مِحنته المالية التي يعيشها.

كل هذا اللهاثِ وراء سو تشي التي تُحاول أجهزة الإعلام العالمية ترويجها على أنها داعيةُ حقوق الإنسانِ في بلادها، والغرب يُمعن بإغماضِ عينيه عما يدور في ميانمار (بورما سابقاً) من انتهاكات لحقوقِ الأقليّة المسلمة كان آخرها ما ظلوا منذ الجمعة الماضي يتعرضون له من أعمال عنفٍ بالمواجهات التي دارت بينهم وبين الأكثرية البوذية وراح ضحيتها نحو 25 قتيلاً و41 جريحاً.

وفي الوقت الذي تدور فيه رحىَ تلك المواجهات تطوف سان سو تشي أنحاء أوروبا في جولةٍ تأخذها إلى سويسرا والنرويج وإيرلندا وفرنسا وبريطانيا.

ويشكل المسلمون في ميانمار نحو 20% من سكان البلاد في بعض الإحصائيات، وفي مصادر أخرى كبيانات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) فإن تِعدادهم لا يتجاوز 4% فقط. ويتركز وجود المسلمين، الذين يُعرفون باسم الروهينغيا، في شمال إقليم راخين (أراكان سابقاً) وهم من الأقليّات العرقية التي لا تعترف بها السلطة، وتعتبرهم مواطنين مُهاجرين غير شرعيّين، بينما تصفهم الأُمَم المُتحدة بأنهم إحدى أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهادِ في العالم.

وليس في وصف الأُمَم المتحدة هذا شيء من المبالغة. فالسلطة والأكثرية البوذية في ميانمار يسومون المسلمين هناك سوء العذاب، ويمارسون عليهم أقبح أنواع التمييز العنصري والديني، ويدفعونهم دفعا للهجرة أو القبول بأدنى الحقوق في مأساة إنسانية لا تضاهيها مأساة أخرى في العالم سوى معاناة الفلسطينيين في دولتهم المحتلة.

ولولا أحداث العنف والمجازر التي ترتكب في حق هذه الأقلية لطوى أزمتهم النسيان واعتراها غبار التجاهل والغفلة من المجتمع الدولي، والمسلمون في دول العالم الأخرى يغطون في سبات عميق أو مشغولون بثوراتهم على طواغيتهم.


الإسلام بميانمار:

ويرجِع دخول الإسلام إلى أراكان (راخين حالياً) بالقرن السابع الميلادي مع قدوم التجار العرب المسلمين إليها، ثم تتابعت الوفود الإسلامية إليها من أنحاء المَعمورة، فأقبل عدد كبير من الأهالي على اعتناق الإسلام.

وينحدر شعب الروهينغيا -وِفق رئيس المجلس الإسلامي بميانمار الحاج يو آي لوين- من مسلمي ولاية أراكان بالهند، كما كانت هناك أجناسٍ عرقية أخرى اعتنقت الدِّين الإسلامي، وأكثر هذه الأجناس شعبية هم مسلمو ميانمار الذين عرفوا باسم باتي (اسم شخص) وكانوا يقطنون وسط ميانمار حيث توجد عاصمتها القديمة ماندالاي.

وهناك أيضاً المسلمون المنحدرون من الصين، وقد عُرِفوا باسم "بشوس" و"ماليس"، وكانت الجزيرة بأكملها مُكتظة بالمسلمين الذين يوجدون بها حتى هذه اللحظة، فهم منتشرون في جميع أنحاء البلاد ولا ينتمون إلى عرق واحد، بل إلى أعراق مختلفةٍ ارتضت الإسلام دينا.

وكوَّن شعب الروهينغيا مملكة دام حكمها 350 عاماً من 1430، إلى 1784، فقد شكّلت أول دولة إسلامية عام 1430 بقيادة الملك سليمان شاه، وحكم بعده (48) ملكاً مسلماً على التوالي، وكان لهم عملات نقدية تتضمن شعارات إسلامية مثل كلمة التوحيد.

وفي عام 1824م؛ احتلت بريطانيا ميانمار، وضمّتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية. وفي عام 1937م، جعلت بريطانيا ميانمار مع أراكان مُستعمرة مُستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها بالإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانية.

واجه المسلمون الاستعمار الإنجليزي بقوة مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلّص من نفوذ المسلمين باعتماد سياساتها المعروفة (فرِّق تَسُد) فعَمَدَتْ إلى تحريض البوذيين ضد المسلمين، وأمدّتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً عام 1942 ففتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان!

وكان دستور عام 1948م؛ يَعتبر الروهينغيا وبقية مسلمي البلاد الذين ينحدر أسلافهم من الهند وبنغلاديش، مُواطنين بورميين إلى أن انتقلت مَقاليد السلطة إلى العسكر في انقلاب عام 1962م. وما لبث أن تدنَت وضعيتهم بموجب دستور عام 1974م؛ الذي لم يَعترف بهم مواطنين أصليين. فكان أن حُرِم معظم الروهينغيا والمسلمون الآخرون المواطنة واعتبروا من ثم أشخاصاً بلا وطن أو من البدون، إذا استعرنا تعبير أهل الخليج العربي.


من مظاهر موجة العنف الطائفي في ميانمار "الجزيرة" :

سخرة وحرمان:

وكان نتاج ذلك الحرمان أن عانى المسلمون في ميانمار، وما فَتئوا يُعانون من شتَّى أنواع التمييز في الصحة والتعليم والسفر والتوظيف وحتى الزواج.

وتمخّضت موجات العنفِ والإجراءات الصارمةِ من قبل الدولة وما تلاها من ألوانِ القمعِ وصُنوف الاضطهاد عن هِجرة مئاتِ الألوفِ وربما مليونٍ ونيّف من مُسلمي ميانمار إلى بنغلاديش المجاورة في ستينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ومن الفظائع التي تُمارس على المسلمين هناك أن الحكومة العسكرية تُجبرهُم على العملِ القسري لدى الجيش أثناء التنقلاتِ أو بناءِ ثكناتٍ عسكرية أو شقّ طُرق، وغير ذلك من الأعمال الحكومية، أو في بناء الطُّرق والسُدود سخرة دونَ مُقابل.

أما على الصعيد السكاني فإن الحكومة ما زالت تقوم بإحداث تغييرات جذرية في التركيبة السكانية لمناطق المسلمين، فلا تُوجد أيّ قرية أو منطقة إلا وأنشأت فيها مَنازل للمستوطنين البوذيين سلّمتهم السلطة فيها. ومنذ عام 1988م، قامت الحكومة بإنشاء ما يُسمّى "القرى النموذجية" في شمالِ أراكان، حتى يتسنّى تشجيع أُسَر البوذيين على الاستيطان في هذه المناطق.

وتفرِض الحكومة شروطاً مُعيّنة فيما يخصُّ الزواج من المسلمين أو بينهم، فهناك قانون الزواجِ الذي يَشترط مُوافقة الدولة على الزواج وبدفعِ مبلغ عالٍ مُقابل ذلك وغالباً ما تُدفع الرشاوى لقاءَ هذا الإذن، وقد يَتأخر الإذن سنوات، وتصلُ عقوبة الزواج بغير إذنٍ إلى السجن عشرِ سنوات.

وقد أخذت مُعاناة المسلمين الروهينغيا مُنحىً جديداً مع تطبيق قانون الجنسية الجديد في ميانمار عام 1982م. فبموجب هذا القانون حُرِم المسلمون من تَملُّك العقارات ومُمارسة أعمالَ التجارة وتقلّد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية.

كما حُرٍموا من جميع الحقوق الإنسانية الطبيعية والأساسية مثل حق التصويت بالانتخابات البرلمانية، وتأسيس المنظمات وممارسة النشاطات السياسية.

ولم تكتفِ السلطات في ميانمار بتبني إجراءات جديدة بحقّ المسلمين؛ بل مضتْ في تطبيق الخُطط القديمة ضِدّهم لإرغامهم على ترك العقيدةِ الإسلامية، وإجبارهم على مُغادرة بلدهم.

ولا يُسمح للمسلمين باستضافة أحدٍ في بيوتهم ولو كانوا أشقاءَ أو أقارب إلا بإذنٍ مُسبق، أما المَبيت فيُمنع منعاً باتاً، ويُعتبر جريمة كُبرى ربما يُعاقَبُ عليها بهدم منزله أو اعتقاله أو طردِه من البلاد هو وأسرته.

ويُحرم كذلك أبناء المسلمين من مواصلة التعلُّم في الكليات والجامعات، ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من سجلات القرية، أما إذا عاد فيُعتقل عند عودته، ويُرمى به في غياهب السجون.

ولا يُسمح للمسلمين بالانتقال من مكان إلى آخر دونَ تصريح، والذي يَصعُب الحصول عليه. كما يتمّ حجزُ جوازات السفر الخاصة بالمسلمين لدى الحكومة ولا يُسمح لهم بالسفر للخارج إلا بإذن رسمي، ويُعتبر السفر إلى عاصمة الدولة (رانغون) أو أيّة مدينة أخرى جريمة يُعاقب عليها.

ولم تقتصر الإجراءات التعسُّفية على تلك الأمور بل مسّت دور العبادة أيضاً، حيث هُدمت العديد من المساجد والمدارس الدينيّة، وتحول السلطات في أغلب الأحيان دون إعادة بنائها أو ترميمها.
 

المصدر: شبكة نور الإسلام