تعقيدات الأزمة السورية وآفاق الحل

منذ 2012-10-02

من أهم مقومات تفوق الدولة التركية في العقد الأخير كان صعود اقتصادها المنفتح والحر، والذي أصبح فيه الاستثمار الأجنبي عاملاً مهماً في ذلك التفوق الاقتصادي، فحزب العدالة والتنمية قد أعطى أولوية كبرى للمصالح الاقتصادية والتجارية حيث يراها القوة الدافعة لنفوذه الإقليمي..


تمثل الأزمة السورية واحدة من أكبر الأزمات التي مرَّت بها الأمة العربية في تاريخها الحديث، بسبب تشعباتها الإقليمية والدولية والمذهبية والعرقية؛ فالشعب السوري الأعزل يذبح بالآلاف على يد الطائفة العلوية، التي كرَّس نظام الأسد الأب سيطرتها على مفاصل الدولة السورية بأذرعها الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وأصبحت تلك الأزمة تهدد بابتلاع المنطقة بأسرها بسبب تشعباتها غير المحدودة بنطاق القطر السوري، فقد اجتذبت تلك الأزمة العديد من الأطراف الدولية من روسيا إلى تركيا إلى إيران إلى الغرب وإسرائيل.

كما أنه من غير المتوقع على الأمد المنظور أن يرخي نظام الأسد قبضته عن الحكم؛ لأن تشبثه بالسلطة يعني له الحياة، وما دون ذلك يعني له الموت، فلا مخرج أمام نظام الأسد سوى التشبث بالسلطة والرهان على داعميه الدوليين -روسيا والصين وإيران- لتأمين بقائه في لعبة الدماء تلك.

فرهان الأسد هو كسب الوقت لكسر شوكة الجيش الوطني الحر، وأن تؤديَ المذابح البشعة إلى استسلام المعارضة في النهاية كما استسلمت لأبيه من قبل في مجزرة حماة؛ لذلك فإنه يظل يتلاعب بالأطراف الإقليمية والدولية معتمداً على كل من روسيا وإيران والصين، ومستفيداً من تشابك العلاقات بين تلك الدول والغرب وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، من أجل كسب الوقت لإنهاء مهمته بتركيع الشعب السوري، كما يعتمد كذلك على انقسام المعارضة ما بين الداخل والخارج، وما بين الذراعين السياسي والعسكري، ويحاول في الوقت ذاته أن يُسخِّر آلته الإعلامية داخلياً من أجل توصيف ما يحدث بأنه مؤامرة خارجية؛ ليكسب مزيداً من التعاطف الداخلي لتقوية موقفه في حال اضطراره إلى وقف القتال واللجوء إلى الحلول السلمية في النهاية.

وعلى الجانب الآخر نجد أن "أصدقاء الشعب السوري" يحاولون هم أيضاً بالاتجاه المعاكس: بذل مزيد من الضغط على نظام الأسد من أجل تحييد سلاحه الرئيس -المذابح بحقِّ المدنيين- وكسر شوكته ووقف تلاعبه بالوقت، فهناك أطراف ثلاثة لها مصلحة في الإطاحة بنظام الأسد، أولها هو الولايات المتحدة والغرب لتضييق الخناق على إيران وبرنامجها النووي، ثم تركيا التي استثمرت بقوة في توسيع عمقها الإستراتيجي في المنطقة العربية انطلاقاً من سورية، ثم دول مجلس التعاون الخليجي، التي ترى أن كسر شوكة الأسد هو مقدمة لكسر النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن ثم نزع فتيل الأزمة التي تلوح في الأفق سحبها المتراكمة مع العدِّ التنازلي لامتلاك إيران للسلاح النووي.

ورأس الحربة في جهود الإطاحة بالأسد هي تركيا، وذلك لمصالح نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة، وكذلك لأنها الدولة الوحيدة التي استقبلت المعارضة السورية وفتحت أراضيها للاجئين الذين وصل عددهم إلى 25 ألف لاجئ، فالخيار الآخر في حال فشل الوسائل السلمية هو التحرك العسكري، الذي من المتوقع أن يكون له تداعيات كبرى على المنطقة وعلى تركيا بالأخص، لذلك تحاول تركيا أن تضغط بوسائلها الناعمة والصلبة من أجل إجبار الأسد على وقف المذابح بحقِّ الشعب السوري الأعزل، لكي تتجنب الخيارات الأسوأ، والتي من المتوقع أن يكون لها تداعيات كبرى على الدولة التركية، فلكي نفهم تعقيدات الموقف التركي يجب أن نفهم روابطه الاقتصادية مع الدول المعارضة لاستخدام القوة في مواجهة نظام الأسد.

فمن أهم مقومات تفوق الدولة التركية في العقد الأخير كان صعود اقتصادها المنفتح والحر، والذي أصبح فيه الاستثمار الأجنبي عاملاً مهماً في ذلك التفوق الاقتصادي، فحزب العدالة والتنمية قد أعطى أولوية كبرى للمصالح الاقتصادية والتجارية حيث يراها القوة الدافعة لنفوذه الإقليمي؛ لذا من أهم أسباب تلكؤ تركيا هو أن الداعمين الثلاثة الأساسيين للنظام السوري ـالصين وإيران وروسياـ هم من بين أكبر الشركاء التجاريين لتركيا، فأي تورط تركي واضح بتدخل عسكري يستهدف الأسد يمكن أن يمثل مخاطر جسيمة لعلاقات تركيا مع تلك الدول الثلاثة بتكلفة كبيرة على الاقتصاد التركي. فروسيا وإيران من أكبر مصدري الغاز الطبيعي لتركيا، ففي 2009م كان الغاز الروسي يمثل 54% من إجمالي واردات تركيا من الغاز، بينما جاءت إيران في المرتبة الثانية بنسبة 14%، كما أن صادرات الغاز الإيراني لتركيا قد زادت بنسبة 50% في 2010م، مما جعل تركيا أكثر اعتماداً على الغاز الإيراني.

كما أن تركيا تعتمد على روسيا وإيران بالتساوي فيما يتعلق بواردات النفط الخام، ففي الربع الأول من عام 2011م كانت إيران أكبر مصدر للنفط الخام لتركيا بحصة وصلت إلى 30% من إجمالي واردات تركيا، ويأتي بعدها العراق بنسبة 12%، وروسيا بنسبة 11%. فمعدل التجارة البينية بين تركيا وكل من روسيا وإيران قد ارتفع بصورة كبيرة في السنوات الماضية، ووصلت إلى 26.2 مليار دولار مع روسيا و10 مليارات دولار مع إيران في 2010م. كما ارتفعت أيضاً تجارة تركيا مع الصين لتتضاعف 12 ضعفاً في 2010م لتصل إلى 19.5 مليار دولار. كما أن تركيا تستفيد من التدفق الكبير للسياح الروس والإيرانيين، بما يقرب من 2 مليون روسي ومثلهم من الإيرانيين الذين زاروا تركيا في 2010م، مقارنة بأقل من 2 مليون سائح من كل الدول العربية مجتمعة.

ولا شك أن كلَّ تلك الأرقام ستؤثر بصورة كبيرة على حسابات تركيا في الأيام القادمة، فإيران التي تتعرض إلى تهديد الحرب من الغرب، في بقاء نظامها الثوري قضية وجود بالنسبة إلى طهران، وسقوط الأسد لن يعني فقط خسارة سورية وحزب الله كحلفاء كبار لإيران، ولكنه أيضاً سيشجع الغرب على مزيد من الضغوط على الدولة الإيرانية من أجل إسقاط نظامها الحالي، وكل ذلك يجعل الردَّ حاسماً من حلفاء إيران إذا ما اختارت تركيا أن تشارك في تحالف عسكري ضد سورية، فروسيا والصين تعلمان النيات الأمريكية لقلب النظام الإيراني؛ ليكون لها الهيمنة في المنطقة وتقليص سوق السلاح الروسي بعد القضاء على ليبيا وتحويلها إلى حليف غربي، كما أن سقوط النظام السوري سيعني عدم قدرة روسيا على استغلال قاعدة طرطوس البحرية التي تُعدُّ المعقل الأخير لروسيا على البحر المتوسط، كما أن للصين مصالح متشابكة مع إيران وسورية، حيث إن إيران من أهم موفري النفط الخام للصين، وهو عماد التفوق الاقتصادي الصيني في الفترة القادمة، والصين تعلم تمام العلم نية الولايات المتحدة لتقليص الصعود الاقتصادي الصيني الذي ينذر بتحول التنين الأصفر إلى قوة عالمية في العقدين القادمين؛ لذا من المتوقع أنه إذا أرادت تركيا أن تتحرك عسكرياً ضد نظام الأسد فستضع في حسبانها كل تلك التشابكات الاقتصادية والعسكرية والسياسية المعقدة.

لذلك فإن تركيا تحاول أن تلعب بالأوراق التي في حوزتها من أجل الضغط على النظام السوري بدون التورط في عمل عسكري ضده، ليصبح الملاذ الأخير، والذي لا تريد تركيا اللجوء إليه إلا في ظل منظومة متكاملة من العمل الدولي تكون تركيا جزءاً منه وليست الفائدة فيه، فلدى تركيا خيار أخير يمكن استغلاله وهو اتفاق أضنة الموقع مع سورية عام 1998م، فالهجمات على الأراضي التركية التي تأتي انطلاقاً من سورية، ومنها عمليات إطلاق نار على لاجئين سوريين هربوا باتجاه الحدود التركية أدت إلى إصابة مواطنين أتراك، يمكن أن تكون الورقة القانونية التي يمكن لتركيا أن تلعب بها في مواجهة نظام الأسد وحلفائه، فتركيا كعضو بحلف الأطلسي يمكن أن تطلب مساعدة الحلف بسبب ذلك الاعتداء عليها من قوى خارجية، فميثاق الحلف يعدُّ الاعتداء على إحدى دوله بمنزلة الاعتداء على جميع الأعضاء، ويمكن أن تظل تلك هي الورقة التي يمكن للغرب بقيادة تركيا أن يحشدوا الضغوط على النظام السوري من أجل القبول بوقف إطلاق النار في النهاية، والبدء في تنفيذ خطة السلام المقدمة من كوفي عنان بدعم من الجامعة العربية.

فالجانب العربي وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي يرى مصلحة كبرى في انهيار نظام الأسد واستبداله بنظام تهيمن عليه السُّنة في البلاد، وبذلك يتم كسر الحلقة الشيعية في المنطقة وتقليم أظافر النفوذ الإيراني المتنامي الذي يطمح في غطاء نووي له، لذلك فإن جولة أردوغان الآسيوية التي اشتملت على زيارة الصين والسعودية قد ركزت على تسريع الضغط الدبلوماسي على نظام الأسد من أجل وقف مذابحه، وبناء جبهة قوية أمام حلفاء سورية شرقاً وغرباً، كما أن تلويح كلاً من السعودية وقطر بدعم الجيش السوري الحر بالسلاح يُعدُّ عاملاً أساسياً في عكس سير المعارك في سورية، ويمكن أن يجبر الأسد في النهاية على وقف مجازره بحقِّ العُزل من المدنيين، على الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر مثل شرعنة اتخاذ الأسد لوسائل عسكرية، ووصف ما يحدث بأنه مؤامرة خارجية على بلاده، ومن ثم استعمال القوة المفرطة ضد المدنيين، إلا أن تلك الخطوة من نظام الأسد ستعطي شرعية أيضاً للتدخل العسكري الشامل وفرض مناطق حظر طيران وإنشاء ممرات آمنة للمدنيين بالداخل، ويمكن أن يدخل الصراع إلى المرحلة الثانية من اللعبة.

لذلك فإن الوضع في سورية، الآن دخل المرحلة الأخيرة من لعبة عضِّ الأصابع، فنظام الأسد لن يكفَّ يده عن المدنيين إلا في حال رؤيته لخطوات ملموسة لإنهاء سيطرته على البلاد، والتي سيترتب عليها إنهاء حكمه وتدمير جيشه وتقديم الأسد وأقطاب حكمه إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، أو تصفيته جسدياً واستهداف مقراته بضربات جوية، مع فتح الممرات الآمنة لخروج المدنيين من كافة أنحاء الدولة السورية؛ للنجاة بأنفسهم من آلة القمع الجهنمية لنظام بشار، أو الخيار الآخر، وهو الوسائل السلمية ووقف مذابحه والبدء في تنفيذ خطة كوفي عنان مرغماً في النهاية، فقد بدأت تظهر مؤشرات تصدع كتائب بشار الأسد مع زيادة أثر الضغط الاقتصادي عليه وعلى نظامه، وأشارت تقارير إلى أن قواته لم تعدْ فاعلة في الكثير من المناطق، وأن استغلال تركيا لنقض سورية لاتفاق أضنة ومن ثم البدء في توجيه ضربات انتقائية لمعاقل النظام السوري يمكن أن تمثل بداية النهاية لحكم عائلة الأسد.


محمد سليمان الزواوي

 

المصدر: مجلة البيان