فضيحة فاتيليكس واستقالة البابا

منذ 2013-03-20

لا عجب؛ فالعالم كله تقريباً مرر هذه الفضيحة المزلزلة؛ فخبر يفيد بأن دولة الفاتيكان الصغيرة ليست إلا وكراً للشذوذ والزنا والاختلاس والسرقة ليس أمراً مثيراً، فما الجديد؟ علمونا من قديم أن رجلاً يعض كلباً هو الخبر المثير الذي ينبغي أن ينشر، لكن ما الجديد في أن كلباً يعض رجلاً؟!


واحدة من أشهر الصحف الأوروبية، وأشهرها إيطاليًا على الإطلاق (لا ريبوبليكا) هي من أكدت أن الفساد المستشري في الفاتيكان -وأجبر البابا بندكت على الاستقالة من هول ما قد قرأ عن فضائح الكرادلة في بلده الصغير- قد ضاق به مجلدان كبيران يحويان ألواناً من الفساد المختلفة للقساوسة الذين "يقدمون العظات للمؤمنين" على حد تعبير الفاتيكان، وينصتون لاعترافات المذنبين لمنحهم البركة والغفران!

(لا ريبوبليكا) الإيطالية تبعتها (بلومبرج) الأمريكية، و(ذي جارديان) البريطانية.. وهلم جرا.


الجميع يؤكد ما أوردته الصحيفة الإيطالية نقلاً عن قريب من البابا: "من أن المعلومات التي تلقاها البابا من الكرادلة تدور جميعها حول خرق الوصيتين السادسة والسابعة‏، وتقول الوصية السادسة: لا تزنِ والسابعة: لا تسرق‏"،‏ لم تتضمن الوصية السادسة الحديث عن الشذوذ لكن مجلدي البابا ذكراه والصحيفة أكدته! المجلدان ثقيلان وبهما معلومات فضائحية تكفي لعامين كاملين من برامج التوك شو المقدمة في فضائيات المارينز العربية، ويمكنهما أن يدران أرباحًا بالمليارات تعوض خسائر هذه البرامج بسبب عزوف المعلنين والمشاهدين عنها تدريجياً وضخامة أجور المذيعين، لكنها بالتأكيد لا تجد نفسها معنية بهذه الفضائح؛ فلديها ما هو أهم.. إعادة إنتاج ما تقدمه قناة (ميمري) الصهيونية التي تتبع زلات الشيوخ والرموز الإسلامية من خلال برامجها التراجيدية والهزلية.

لا عجب؛ فالعالم كله تقريباً مرر هذه الفضيحة المزلزلة؛ فخبر يفيد بأن دولة الفاتيكان الصغيرة ليست إلا وكراً للشذوذ والزنا والاختلاس والسرقة ليس أمراً مثيراً، فما الجديد؟ علمونا من قديم أن رجلاً يعض كلباً هو الخبر المثير الذي ينبغي أن ينشر، لكن ما الجديد في أن كلباً يعض رجلاً؟! ربما مع إحسان الظن أن كل وسائل الإعلام التي تتبع هنات وزلات الرموز الإسلامية لا ترى بأساً في خبر يتحدث عن شذوذ جيش من القساوسة في قلب روما! إذًا هي ليست فضيحة، لكنها مجموعة من (وثائق فاتيليكس) أثقلت ظهر بندكت الذي يعني اسمه بالعربية (مبارك!)، فكسرته، ودفعته إلى تقديم استقالته والتقاعد وترك (الكرسي الرسولي)! نعم ترك الرسالة والتخلي عن دور (الواسطة) بين العباد وربهم، والتقاعد للراحة! إنه الهذيان متجسداً في معنى لاهوتي؛ فإذا كان الرجل مقدساً ويحمل صبغة (رسولية) و(وسائطية) فلماذا يتنزل من هذه المكانة المقدسة ويهبط إلى مراتب (الخراف) المذنبين، وإذا لم يكن فلماذا يقدسونه؟!

إن هذا التخلي خطير، لا سيما أنه أتى في لحظة تمر فيها الكنيسة بأزمة ويحتاج فيها القساوسة إلى تقويم وإرشاد إلى الجادة؛ وبالتالي فإن تركهم في هذه الحالة المتردية ليس عملاً صالحاً على أية حال، هذا خيار بابا الفاتيكان قد صار واقعاً، لذا فإن تجاوزه إلى دلالته أولى؛ ودلالته تقول إن الرجل الذي تقاعد بسبب فضائح أخلاقية ومالية -إن صحت الرواية الإيطالية- أشرب بها الفاتيكان، هو ليس جديداً على الفاتيكان، وهو خبير بمساربه ومداخله، وكونه قد فعل فإن ذلك يعني أن رائحة الفساد قد أزكمت أنفه على نحو لا يطاق، وعليه فإن رائحتها لا شك آخذة في الانتشار إلى الحد الذي يقوض أي قيمة لهذا الصرح وساكنيه في نفوس الأوروبيين خصوصاً والمسيحيين عموماً، وأن هذا التفسخ يتزايد بوتيرة متسارعة جعلت كثيرين يغادرون (المسيحية) إلى الإلحاد، وإلى التمرد عليها بشكل عام..

وما حادثة تعري فتيات داخل الفاتيكان نفسه قريباً عن ذلك ببعيد، وما نلمسه من اللامبالاة التي لاقى بها الأوروبيون هذه الاستقالة يعني الكثير بالنسبة إلى تصورهم عن الدين، لا بل عن الكنيسة ودورها المتداعي؛ فنظرتهم عن الدين نفسه على الرغم من تراجعها إلا أنها لدى البعض تتحول في اتجاه آخر، فثمة مراكز إسلامية عديدة في أوروبا سمعتها ليست ملطخة، وتقوم بدورها الدعوي دونما خجل أو رياء.

استقالة الأبتر الذي شنأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل ثماني أعوام، أيا كانت مسبباتها هي تعبير عن أزمة عميقة لدى الكنيسة لا تتعلق بشخص المستقيل فقط، وإنما بتهاوي بُنى الفاتيكان نفسه، فمهما قيل فإن التخلي عن معتنقي الكاثوليكية من قبل زعيمهم (الروحي) في وقت المحنة الأخلاقية، أو تلبسه هو ذاته بفضيحة، أو تستره عليها إمعاناً في تجهيل أتباعه وخداعهم هو أمر سيء وبغيض.