حقيقة الإحسان

منذ 2013-06-29

تزما يقع فيه بعض الناس أو أكثرهم من تقصير في العبادات وفعل المأمورات وترك المنهيات، إلا بإهمال هذا الأصل؛ فإن المسلم إذا كان مستحضرًا لرؤية الله إياه فلن يقصر فيما طلبه الله منه، ولن يقدم على ما حرمه الله عليه، ولن يحتال في إسقاط ما أوجبه الله عليه، فكانت مراعاة هذا الأصل في كل حين سببًا عظيمًا من أسباب استقامة المرء ونجاته من أليم العذاب.


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أما بعد:
فقد أعلى الشرع من قيمة الإحسان في كل مجالاته، وكثير من الناس يظن أن حقيقة الإحسان تكمن في التصدق على الفقراء والمساكين والمحتاجين، حتى صار يقال عن بعض المتصدقين الذين أكثروا من التصدق على المحتاجين (محسنون) وإن كان التصدق على الفقراء والمحتاجين من الإحسان إلى عباد الله تعالى، لكن ذلك ليس حقيقة الإحسان، بل حقيقة الإحسان تعتمد تجويد الأمر في كل شيء مع المراقبة حتى يصل إلى أعلى درجة في الإتقان، وقد جاء في الحديث المشهور المتفق على صحته، حديث جبريل عليه السلام الذي يعلّم فيه المسلمين دينهم: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (أخرجه البخاري في صحيحه رقم 50؛ ومسلم رقم 8).

والمسلم إذا قام بعبادة الله وكأنه يرى الله تعالى لا بد من أن يؤدي العبادة بأركانها وواجباتها وسننها باغيًا وجه الله وحده بذلك، محافظًا على وقتها بجد وهمة ونشاط وسعادة بغير تأخير ولا كسل، فإن من يتصور أنه يرى الله أثناء عبادته فيكون إقباله على العبادة إقبالًا قويًا فوريًا دون كسل أو إهمال، ويجد في عبادته -وإن كانت تبدو في الظاهر فيها مشقة- الراحة والهدوء والسكينة كما كان رسولنا الكريم يقول لبلال: «يا بلال، أرحنا بالصلاة» (أخرجه أحمد في المسند رقم 23088)، وكان إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة (تعظيم قدر الصلاة 1/231).

والمسلم إذا فقد درجة كأنه يرى الله ربه وهو يعبده، فلن يفقد الدرجة التي تليها، وهي أن الله تعالى يراه، فتحدث هذه الدرجة من المعرفة حياء من الله تعالى أن يرى عبده أثناء عبادته وهو مقبل عليه لاهيًا منصرفًا عنه إلى غيره بفكره أو بجسده؛ لأن يقينه أن الله يراه يمنعه من الغفلة أو الانصراف عنه، ومن هنا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنما هو -أحسبه قال- بين يدي الرحمن تبارك وتعالى، فإذا التفت يقول تبارك وتعالى: إلى مَن تلتفت؟ إلى خير مني؟ أقبل يا ابن آدم إليّ فأنا خير ممن تلتفت إليه» (مسند البزار رقم 9332 من حديث أبي هريرة مرفوعًا وموقوفاً.. والموقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي). ومن أجل ذلك عندما رأى سعيد بن المسيب رجلًا يعبث في صلاته، قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (الزهد لابن المبارك رقم 1188).

وقال أبو هريرة: «إذا صلى أحدكم فلا يلتفت، إنه يناجي ربه، إن ربه أمامه، وإنه يناجيه، قال: وبلغنا أن الرب تبارك وتعالى يقول: يا ابن آدم، إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه» (مصنف عبد الرزاق 2/256)، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بذلك، فعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه، فإن لم أكن أراه فإنه يراني» (الأربعون على مذهب المتحققين من الصوفية حديث رقم 2)، وعن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: «اعبد الله كأنك تراه، وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (أخرجه أحمد في المسند برقم 6156، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين). وعن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني. قال: «اعبد الله كأنك تراه» (مسند الشاشي رقم 1400).

وعن زيد بن أرقم قال: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (الزهد والرقائق لابن المبارك 2/63).
وقال حبيب بن مسلمة لأبي الدرداء: "أوصني. فقال: عليك بكتاب الله ثلاث مرات. فلما ولى دعاه قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد لنفسك قبرًا، واحذر دعوة المظلوم" (الزهد لأبي داود برقم 230).

فقد صارت كلمة: "اعبد الله كأنك تراه"، وصية الصالحين لمن دونهم، وهي تبيّن حقيقة الإحسان الذي تدعو إليه النصوص وتثني على المتحققين به، وقد ورد في نصوص كثيرة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وفي هذا تحريض من الله تعالى لعباده على الإحسان حتى يدخلوا فيمن يحبه الله تعالى، إذ من أهم ما يحرص عليه المؤمن أن يحبه ربه؛ لأن في حب الله للعبد الخير العميم كما قال في الحديث القدسي: «..وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (أخرجه البخاري في صحيحه رقم 6502).

فمن أحبه الله تعالى فهو يتقلب في النعم وتلفه العطايا والنفحات من جميع جوانبه، وقد قيل في تفسير ذلك أقوال متعددة حاصلها يرجع إلى معنى متقارب، فيكون معنى ما تقدم أي يجعل الله سلطان حبه غالبًا عليه حتى لا يسمع إلا ما يحبه الله، ولا يرى إلا ما يحبه الله، ولا يفعل إلا ما يحبه الله، ويكون الله سبحانه في ذلك له يدًا وعونًا ووكيلًا يحمي سمعه وبصره ويده ورجله عما لا يرضاه، فأكرم بها من منزلة، وأكرم بها من جائزة.

قال النووي رحمه الله في تفسير الإحسان المذكور في حديث جبريل: "هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم؛ لأنّا لو قدّرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه" (شرح النووي على صحيح مسلم المسمى بالمنهاج 1/157)، وقال ابن دقيق العيد: "حاصله راجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حقوق الله ومراقبته واستحضار عظمته وجلالته حال العبادات" (شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد 1/31).

وما يقع فيه بعض الناس أو أكثرهم من تقصير في العبادات وفعل المأمورات وترك المنهيات، إلا بإهمال هذا الأصل؛ فإن المسلم إذا كان مستحضرًا لرؤية الله إياه فلن يقصر فيما طلبه الله منه، ولن يقدم على ما حرمه الله عليه، ولن يحتال في إسقاط ما أوجبه الله عليه، فكانت مراعاة هذا الأصل في كل حين سببًا عظيمًا من أسباب استقامة المرء ونجاته من أليم العذاب، ولو قدّر أن الشيطان استحوذ عليه في لحظة ضعف أو غفلة، فإنه سرعان ما يتذكر، فإذا به راجع إلى الصراط المستقيم كما قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف:201].

قال ابن جرير: "إن الذين اتقوا الله من خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا يقول: إذا ألم بهم لمم من الشيطان من غضب أو غيره مما يصد عن واجب حق الله عليهم، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصروا الحق فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطان" (تفسير ابن جرير 13/333-334).

اللهم وفقنا للصالح من الأمر، وإذا حدنا عنه فمنَّ علينا بأوبة وتوبة تردنا بها إلى الطريق وتزيل بها عنا الآثام.
 

المصدر: مجلة البيان