{فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد} [غافر: 4]

منذ 2013-07-04

إنها السُّنن الإلهيَّة، وإنها القصَّة نفسها من لَدُن قوم نوح إلى يومنا هذا، بطش الله -تعالى- بأهْل الكفر وإهلاكهم بقسوة؛ ولكن لهذا موعدًا لن يخلفوه، ويبدو أنه صار قريبًا بعد أن تمادَى الكافرونَ في كُفْرهم.

 

جاء هذا التوجيه الربَّاني في بداية سورة غافر، وسبقه الحديث عنِ القرآن الكريم والتنويه بمنزلته، ثم بيان أنه لا يعادي آيات الله إلاَّ الكافرون؛ {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر: 4]، فهم وحدهم في هذا الوُجُود شاذُّون، منحرفونَ ساقطون، الكون كله يخشع لكلام الله، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].

أما حُثالة البشر فقد غَرَّهم ما هم فيه من تقلُّب الأرض، ومن مظاهره: التسلُّط، المكانة، الاستعلاء، والإعجاب بالقوة، وهو ما يفضي إلى التَّمَرُّد، ويزيد أصحابه بَطَرًا ولجاجًا في الشر والفساد.


إنَّ هذه الفئة الكافرة المنحَرِفة تجهل حقيقتينِ كبيرتينِ يحسن التذكير بهما:

الأولى في الدُّنيا:
وهي التي تحدثتْ عنها سورة غافر بعد التوجيه السابق: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}
[غافر: 5].
إنها السُّنن الإلهيَّة، وإنها القصَّة نفسها من لَدُن قوم نوح إلى يومنا هذا، بطش الله -تعالى- بأهْل الكفر وإهلاكهم بقسوة؛ ولكن لهذا موعدًا لن يخلفوه، ويبدو أنه صار قريبًا بعد أن تمادَى الكافرونَ في كُفْرهم.


أما الحقيقة الثانية:
فهي التي ذكرها الله -تعالى- عند التوجيه نفسه في سورة آل عمران: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197].
نعيمٌ قليل زائل، يعقبه عذاب دائم، وخلود في جهنم، ولا ينبغي أن يغترَّ المؤمن بقوة الكافرين، ولا بما هم فيه من نعيم تافِه، فإنه مَن مات فقد قامتْ قيامتُه، وهو معنى يجب أن يستحضره المؤمن: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران: 197]، مسألة قريبة جد قريبة، تحصل كل يوم، والشيء إذا ذهب بعضُه فقد ذَهَب كلُّه.


لقد شعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه استبطاء النَّصر، فقال لهم فيما قال -وهو يَعِدُهم ويبشِّرهم-: «لكنَّكم تستعجلون»، هذه هي القضية برُمتِها، إنها العجلة، حتى ليظن أحدنا أنَّ وعيد الله -تعالى- في الكافرينَ لن يَتَحَقَّقَ، وهي وساوس الشيطان؛ {ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]، والمسلم اليَقِظُ ليس منهم.


الهلاكُ العاجل في الدُّنيا والخُلود في جهنَّم حقيقتان ثابِتَتَان في حقِّ مَن حارب الله تعالى.

 

زيد العيص