العثمانيون في النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري

منذ 2013-12-25
 

الخليفة محمد الثالث (1003-1012هـ):



وهو ابن الخليفة مراد الثالث من جارية إيطالية من البندقية، وكان لها تدخل كبير في شئون الدولة، وما إن تولى الحكم حتى أمر بقتل إخوته التسعة عشر.



موقعة كرزت:



منذ أواخر عصر سليمان القانوني ومن خلفوه كانت قيادة الجيوش بيد الصدر الأعظم، فخرج محمد الثالث عن هذه القاعدة وخاصة بعدما توالت الهزائم على الجيوش العثمانية، فقاد الجيوش بنفسه، ودبَّت الحمية الدينية في قلوب الجيش العثماني، وازدادت الروح القتالية وهزموا جيوش المجر والنمسا عام 1005هـ في موقعة كرزت.



اندلاع الثورات:



ثورة فراري: في أثناء موقعة كرزت فرَّت فِرقة من الجيش، ولم تثبت في المعركة؛ فنُفِيَت إلى الأناضول، وأطلق عليها اسم فراري كنوع من التجريس والإهانة لها حتى تكون عبرة لغيرها.



فادَّعى أحد قادتها (قره يازجي) أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام يُبشِّره بالنصر على العثمانيين، فاستولى على مدينة عينتاب فحاصره العثمانيون، فوافق على التسليم في مقابل أن يُعيَّن على ولاية أماسيا، فوافق العثمانيون؛ إلا أنه ما لبث أن عاد للتمرد بمجرد مغادرة العثمانيين، فعادوا إليه، وفي هذه المرة يساعده أخوه ولي حسن -والي بغداد- فانهزم قره يازجي، ومات متأثراً بجراحه في حين استطاع أخوه ولي حسن أن ينتصر على صقلي حسن باشا، ويقتله عام 1010هـ، ولكي تتجنب الدولة المزيد من الفتن أعطته ولاية البوسنة ليحارب الأوروبيين حتى هلك هو وأتباعه.



ثورة الخيالة (السباه):



ونتيجة للثورة السابقة طالب الخيالة بتعويضهم عما لحق بهم من أضرار؛ فانقض عليهم جيش الإنكشارية فأخمدهم.



وتوفي الخليفة محمد الثالث عام 1012هـ، وتولى الخلافة ابنه أحمد الأول.



الخليفة أحمد الأول (1012- 1026هـ):



جامع السلطان أحمد (الجامع الأزرق):



تولى الحكم ولم يبلغ الرابعة عشرة من عمره، ولم يقم بقتل أخيه مصطفى، ولكنه اكتفى بحبسه مع الجواري والخدم.



حركات التمرد في الدولة العثمانية:



تعدَّدت في عهده الحركات ضد الدولة مستغلين صغر سنه، ومن أمثلة هذه الحركات حركة بولاد الكردي، وحركة والي أنقرة قلندر أوغلي، وحركة عز الدين المعنى وهو درزي تمكن من جمع الكثير من النصارى والنصيرية والدروز، وأظهر للخليفة الطاعة فأعطاه الإشراف على مناطق كثيرة في الشام مثل جبل لبنان وأجزاء من سوريا وغيرها، فاتفق مع الإيطاليين فأمدوه بما يحتاج لبناء وتجهيز جيش قوامه 40,000 جندي، ثم أعلن التمرد عام 1022هـ فهزمته الجيوش العثمانية بعد أن استطاع الفرار إلى إيطاليا.



انتشار الدخان:



انتشر شرب الدخان عن طريق الهولنديين فتعاطاه الكثير من الجنود، فأفتى المفتي بمنع الدخان فهاج الجنود ومعهم الموظفون حتى أَجبروا السلطان على إباحته.



التراجع أمام الصفويين:



استطاع الشاه عباس ملك الصفويين أن يستغل الفتن الداخلية في الدولة العثمانية فاستعاد تبريز وشمال العراق وغيرها، ومما زاد (الطين بلة) موت الصدر الأعظم مراد باشا الذي أبلى بلاءً حسناً في القضاء على الثورات والفتن، فاضطرت الدولة لعقد معاهدة صلح مع الصفويين عام 921هـ تنازلت بموجبها عن كل ما ضمه العثمانيون من أملاكهم منذ عهد سليمان القانوني.



في أوروبا:



جُدِّدت الامتيازات مع إنجلترا وفرنسا، وحظيت الفلمنك (هولندا) بنصيبٍ منها، وعقد صلح مع النمسا عام 1015هـ تدفع بمقتضاه النمسا 200,000 دوكاً دفعة واحدة وتتوقف عن الجزية السنوية التي كانت تدفعها.



عقدت معاهدة مع بولندا تحمي الدولة بها بولندا من تتار القرم في حين تحمي بولندا الدولة من القازاق.



كثرت المعارك البحرية بين العثمانيين ونصارى أوروبا، وكان النصر فيها حليفاً للنصارى؛ مما دفع الدولة إلى سحب أسطولها من البحر الأسود لصد أساطيل النصارى في البحر المتوسط، فاستغل القازاق هذه الفرصة وهاجموا ميناء سينوب العثماني على البحر الأسود، ووقع الخلاف بين الخليفة والصدر الأعظم نصوح باشا فقتل على أثره الصدر الأعظم.



توفي السلطان أحمد الأول عام 1026هـ وكان في الثامنة والعشرين من عمره، وكان ابنه صغيراً؛ فعهد إلى أخيه مصطفى بالخلافة.



الخليفة مصطفى الأول (1026- 1027هـ):



خرج من حبسه مع الجواري والخدم لا يعرف شيئاً عن الحكم، ولم تزد فترة حكمه عن ثلاثة أشهر، ثم تم عزلِه وتولى ابن أخيه عثمان الثاني الخلافة عام 1027هـ.



الخليفة عثمان الثاني (1027- 1031هـ):



تولى الحكم وعمره لا يزيد على 13 عاماً فقَتل أخاه محمد كما هي العادة.



عفا عثمان الثاني عن فخر الدين المعنى، وسمح له بالعودة من إيطاليا؛ فعاد إلى جبل لبنان وبدأ يتحرَّك للتمرد مرة أخرى.



قامت الحرب بينه وبين بولونيا، فطلبت بولونيا الصلح فتم عام 1029هـ وخاصة بعد تخاذل الإنكشارية في القتال، فأراد أن يؤدبهم ويستبدل بهم جنوداً جدداً مدربين؛ فثاروا عليه وقتلوه في أول سابقةٍ من نوعها في الدولة العثمانية، ومما يُبيِّن مدى النفوذ الذي وصل إليه الإنكشارية، وأعادوا عمه مصطفى إلى الحكم عام 1031هـ، وما إن انتشر خبر قتل الخليفة حتى عمت الفوضى والثورات أرجاء الدولة العثمانية، وقام الولاة يعلنون الاستقلال عن الدولة، فأشار الصدر الأعظم المعين بواسطة الإنكشارية بعزل الخليفة مصطفى الأول وتعيين ابن أخيه مراد الرابع خليفة عام 1032هـ.



الخليفة مراد الرابع (1032- 1049هـ):



وهو ابن الخليفة أحمد الأول، وكان حين تولى الحكم لم يبلغ الرابعة عشرة بعد.



الشئون الداخلية:



ثورة أباظة باشا: تولى الخليفة مراد الرابع الحكم والدولة تملؤها الفتن والثورات، ومن أشهرها ثورة أباظة باشا والي أرضروم الذي دخل إلى أنقرة وسيواس، ونظراً لصغر سن الخليفة فقد سيطر الإنكشارية في بداية الأمر، فكانت المسئولية بأكملها ملقاة على عاتق الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا الذي استطاع أن يخمد ثورة أباظة باشا بعد الانتصار عليه في موقعة قيصرية عام 1033هـ، ثم عاد أباظة باشا إلى الثورة بعد تعيين خِسرو باشا صدراً أعظم؛ فسار إليه خِسرو باشا وأخضعه، وعينه على ولاية البوسنة 1037هـ.



ثورة الإنكشارية:



ثارت الإنكشارية في أثناء الحروب مع الدولة الصفوية، وكان الخليفة قد اشتد عوده فتصدى لهم، وقتل مثيري الفتنة منهم فأخمدهم.



تجدد ثورة فخر الدين المعنى:



ما إن استتب الأمر لفخر الدين المعنى حتى استغل الظروف التي تمرُّ بها الدولة من فتن وثورات، وقام بثورة جديدة؛ فخرج إليه والى دمشق، واستطاع أن ينتصر عليه ويأسره هو وولديه، وأرسلهم إلى الخليفة الذي برغم تكرار خيانة فخر الدين وتعاونه الدائم مع أعداء الإسلام من الصليبيين إلا أن الخليفة قد أحسن معاملته هو وذويه؛ مما شجع حفيده قرقماز على الثورة، فنفد صبر الخليفة، وقام بقتل فخر الدين المعنى وابنه الأكبر، وأخضع ثورة قرقماز.



الحروب مع الصفويين:



بدأت الحروب مرة أخرى مع الصفويين عندما قتل قائد الشرطة في بغداد بكير أغا والي بغداد، فحاصره الصدر الأعظم حافظ باشا، ولكنه اتصل بالشاه عباس، وعرض عليه تسليم المدينة، وفي نفس الوقت عرض على الصدر الأعظم تسليم المدينة وله ولايتها فوافق، ودخلت الجيوش العثمانية المدينة قبل وصول الشاه عباس، وما إن وصل الشاه عباس حتى ضرب الحصار على بغداد 3 شهور، فعرض على ابن بكير أغا تسليم المدينة وإعطاءه ولايتها فوافق وخان العثمانيين؛ فدخلت جيوش الشاه بغداد وقتلت بكير أغا وابنه؛ لأنهما خائنان لا يمكن الاعتماد عليهما.



حاول الصدر الأعظم حافظ باشا استرداد بغداد؛ ولكن الإنكشارية لم يُحارِبوا معه؛ مما أدَّى إلى عزله، واستغل الصدر الأعظم خِسرو باشا وفاة الشاه عباس 1038هـ وتولى ابنه الصغير الحكم فاسترد مدينة همدان 1039هـ، وحاول استرداد بغداد مرتين ولكنه فشل، فسار الخليفة بنفسه لقتال الصفويين، وخاف أن يخرج عليه أخواه بايزيد وسليمان فأمر بقتلهما، ثم دخل مدينة تبريز عام 1045هـ بعد مقاومة عنيفة من الصفويين، واسترد بعض القلاع ثم عاد إلى إستانبول، فاستغل الصفويون الفرصة، واستردوا بعض القلاع، فخرج الخليفة إليهم وتمكن من دخول بغداد عام 1048هـ، وعقد صلحاً بين الدولتين عام 1049هـ، وتوفي الخليفة في نفس العام.