الشركات

منذ 2002-05-23


اقرأ الحلقة السابقة من سلسلة تيسير أحكام البيوع >>>> الربــــا

لعل من أهم مظاهر الاقتصاد العالمي المعاصر هو الشركات ، وللعولمة علاقة وطيدة  بالشركات ، ذلك أن العولمة ـ كما يقال ـ  ما هي إلا  مائة شركة أمريكية وغربية عملاقة ، تريد أن توحد السوق العالمي ،  وتدخل أسواق العالم ، بعد أن تحطم العوائق المحلية  ، تحت قانون دولي يسمى منظمة التجارة الدولية ،  ولهذا فإن  العولمة ، ما هي إلا  استيلاء الشركات الكبرى على أسواق العالم ، وضمان بقاء الشمال الغني ثريا ، وبقاء الجنوب الفقير فقيرا ، ولهذا تقوم المظاهرات الكثيرة ضد العولمة في العالم الغربي .

 

والذي يهمنا هنا ، هو الشركات في الاقتصاد الإسلامي ، وهي تنقسم إلى  خمسة أقسام :

1 - العنان 2 - المضاربة  3 - الوجوه 4 - الأبدان 5 - المفاوضة .

ومن الممكن أن تجتمع هذه الأنواع كلها في شركة واحدة ، كحال الشركات العملاقة .

 

أولا : شركة العنان

حيث يضع كل من الطرفين مالهما والعمل يكون أيضا بينهما  ، فهي شراكة كاملة ، مثل أن  يضع أحد الشريكين ،  ألف دينار ، والآخر مثله ، والعمل عليهما معا   .

 

ولها شروط هي :

1 - أن يكون رأس المال عند الحنابلة من النقدين ، وفي قول لا يشترط هذا وهو الصحيح ، فإن كان لدي عين وغيري لديه مثلها صح أن نجعلها رأس مال ونشترك في العمل معا.

2 - أن يكون كل من المالين معلوما فلا تصح بمجهول .

3 - أن يكون حاضرا لا بالذمة أو الدين .

4 - أن يكون الربح بينهما بنسبة معلومة من الربح لا من رأس المال .

فلو قال أحدهما أريد 100 دينار  شهريا مثلا لم يصح ، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على أنه لا يصح أن يشترط أحدهما دراهم معلومة .

 

ثانياً: شركة المضاربة :

ويعرفونها بأنها دفع نقد معلوم لمن يتجر به بجزء مشاع معلوم من ربحه ، وهذا يعني أن رأس المال من طرف ، والعمل من طرف آخر ، ويكون الربح بينهما وفق ما يتفقان عليه .

والفرق بين البنك الإسلامي والبنك الربوي أن البنك الإسلامي قائم على أساس شركة المضاربة ، بينما يقوم البنك الربوي على أساس ربا الديون .

وشروط شركة المضاربة ( حيث المال من طرف والعمل من الآخر ) :

1 - أن يكون رأس المال من النقدين ( والصحيح أنه لا يشترط ) .

2ـ وأن يكون رأس المال معلوما .

3 - أن يكون الربح معلوما بينهما بالنسبة بحسب الاتفاق ، كأن يكــون 20% من الربح للعامل ، و80% لصاحب رأس المال  على سبيل المثال... وما اتفقا عليه من النسبة من الربح ، يلزمهما.

والبنك الإسلامي قائم على أن المساهمين في حساب التوفير شركاء معه في شركة المضاربة ، عليه العمل ،  وعليهم المال ، ثم في نهاية العام ينقسم الربح بينهما ،  وفق ما اتفقا  ، وكل بحسب ما شارك به .

فالبنك الإسلامي مضارب يعطي النسبة من الربح ،  لا من رأس المال كالبنك الربوي ، فإن لم يربح ، فإنه لا يوزع شيئا على المساهمين .

وهكذا التجارة لا تخلو من مخاطر ، فإن قيل : فكيف يتقي البنك الإسلامي خطر الخسائر ،  وفقدان العملاء ، والجواب : أنه كما أنك  إذا أردت أن تختار موظفا لديك ، تختاره نشيطا ذكيا لديه خبرة وعلم ، فكذلك تختار البنك الإسلامي ، الذي لديه مشاريع كثيرة فإن خسر في أحدها عوض من  الآخر ، ولهذا فمن النادر جدا خسارة البنك صاحب الرأسمال الكبير ،  إلا بحدوث كارثة عامة كالغزو الخارجي ،  أو الزلزال ، وهنا يخسر الجميع سواء البنك الربوي أو الإسلامي .

ولنضرب مثلا يفرق بين تقاسم الربح منسوبا إلى رأس المال كما تفعل البنوك الربوية ، وتقاسمه منسوبا إلى الأرباح ،  فشركة هبتكو مثلا ، كتب في العقد أنهم يعطون نسبة من رأس المال ،  وهذا حرام مجمع عليه ، ولكن قد  خدع بعض الناس بكونهم يعطون نسبة ،  وقالوا أن النسبة تجوز ، ولكن النسبة هنا إنما هي من رأس المال ، فهي مبالغ محددة .

وقد يقول قائل إن المضارب قد يكذب علي في قدر الربح فينقص ربحي ، بينما إذا اتفقت معه على مبلغ معين من المال ضمنت حقي ، فنقول : أنت بنيت هذا الاحتمال  على كسلك وخمولك ،  فتريد مالا بدون عمل ، أما أحكام الشريعة ، فهي :  إما أن تثق بالمضارب ، أو تتابعه وتتأكد من صحة ربحك .

أو تعطي العمال أجرة شهرية فهم في هذه الحالة أجراء عندك ، والأموال كلها لك ، أو تأخذ نسبة من أموال المضاربة ، وغير هذا لا يجوز .

فإن قال قائل : فأنا أريد أن  أؤجر المحل للعمال بأجرة فهذا على احتماليــــــــن  :

الأول : أن عقد الإجارة يقع على الرخصة وهذا لا يجوز ، لأن الرخصة كفالة ، وتأجير الكفالة لا يجوز .

الثاني : أن تشتري لهم معدات وتؤجرها عليهم بسعر السوق ، ففي هذه الحالة ، لا توجد حيلة ، ولا يجوز أن يوضع في الاعتبار حين الاتفاق على عقد الإجارة ، وجود الرخصة التجارية ، وهذا هو المخرج الشرعي .

 

 مثال : أن أشتري حافلة "باص" ،  وأقول للسائق : أؤاجرك هذا الباص بمائتي دينار ، واعمل عليه كما شئت ، فهنا أصبح الباص عينا مؤجرة ،  والعقد عقد إجارة لا مضاربة ، بشرط ألا تكون ثمة حيلة ، فتكون أجرة الباص في السوق 50 دينارا مثلا ، وأنت أجرت  عليه بمائة وخمسين ،  وباقي المبلغ مقابل الكفالة أو الإقامة ، فهذا لا يجوز ، فالشرط أن تكون أجرته مماثلة لمثله في السوق ، فإما أن تجعل العمال أجراء عندك ، أو تجعلها شركة مضاربة إذا وثقت فيهم .

 

ثالثاً : شركة الوجوه :

ويعرف العلماء هذا النوع بأن يشترك اثنان لا مال لهما في ربح ما يشتريان من الناس بذممهما ، أي بجاههما وثقة التجار فيهما ، من غير أن يكون لهما رأس مال ،  إذن هذه شركة  لمن ليس لديهم مال حاضر ، ولكن لهم مكانة ووجاهة وثقة بين الناس ، فهم يستطيعون أن يشتروا بوجوههم بالأجل بثقة الناس بهم  ، فيشترون بضاعة إلى أجل  سويا ثم يبيعونها سويا ،  ويردون الدين إلى أصحابه ، ويصبح الربح لهم  .

 

رابعاً : شركة الأبدان :

 ويعرفها العلماء بأن يشتركا فيما يتملكان بأبدانها من المباح ، كالحشيش ، والاحتطاب ، والاصطياد ، وهذا النوع من الشركات ليس فيه رأس مال  ، فكلاهما يعمل من كسب يده  ، كصيادي سمك  على سبيل المثال  ، يذهبان سويا وما يصيدانه يضعانه سويا ، ثم يقسمانه فيما بينهما أو يبيعانه ويقتسمان الثمن.

 

خامساً: شركة المفاوضة :

وهي أن يفوض كل من الشريكين الآخر بأن يبيع ويشتري ويتصرف في سائر المعاوضات في رأس المال ، وتقبل ما يرى من الأعمال ،  وهي  يمكن أن تسري أيضا في الشركات كلها .

فشركة العنان قد يكون فيها مفاوضة ، وكذلك سائر الشركات السابقة .

 

 والأصل أن أنواع الشركات أربع ( مضاربة ، وجوه ، عنان ، أبدان ) وقد يكون بين الشريكين عدة أنواع من الشركات فلا إشكال في ذلك ، فقد يكون بينهما عنان ومضاربة ، بأن يضع أحدهم ألفي دينار ،  ويضع الآخر ألفان وعليه العمل ، وقد أصبحا شريكين بالعنان والمضاربة ، وهذا جائز لا إشكال فيه .

 

وقد تجتمع الأنواع الأربعة في شركة واحدة عملاقة ، ويمكن ضبط كل المعاملات بالحاسوب ، والمقصود  أنها مهما اختلطت ومهما تداخلت ، فلا إشكال فيها ،  فما لم تتضمن عقودا وشروطا تخالف الشرع فهي مباحة ، والأصل في المعاملات الإباحة.



تابع الحلقة التالية من سلسلة تيسير أحكام البيوع >>>> البنوك الإسلامية
المصدر: خاص بإذاعة طريق الإسلام

حامد بن عبد الله العلي

أستاذ للثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الكويت،وخطيب مسجد ضاحية الصباحية