في بيتنا مُعتَقل.. واجبات الأم العملية

منذ 2014-01-09

"اعِتُقِلَ زوجي".. عبارة لا تحتاج سوى ثانيتين، وقد يستغرق الحدث نفسه أيامًا معدودة وربما سنوات، إلا أن تأثيره يمتد العمر كله لجميع أفراد الأسرة، ومن ثَمَّ تبرز أهمية التعامل التربوي مع ذلك الحدث الأكثر فجائيةً في حياةِ أسرةٍ مستقرِّة، رغم أنه ربما يكون الأكثر توقعًا في ظل بلد تحكمه الطوارئ منذ ثلاثين عامًا.


"اعِتُقِلَ زوجي".. عبارة لا تحتاج سوى ثانيتين، وقد يستغرق الحدث نفسه أيامًا معدودة وربما سنوات، إلا أن تأثيره يمتد العمر كله لجميع أفراد الأسرة، ومن ثَمَّ تبرز أهمية التعامل التربوي مع ذلك الحدث الأكثر فجائيةً في حياةِ أسرةٍ مستقرِّة، رغم أنه ربما يكون الأكثر توقعًا في ظل بلد تحكمه الطوارئ منذ ثلاثين عامًا.

وبينما يغيب الأب جزئيًا خلف القضبان؛ يُصبِح الدور الأكبر والمهم على عاتق الأم في معالجةٍ ما قد يُسبِّبه الاعتقال من آثار نفسية وتربوية في بيتها وعلى أبنائها؛ للخروج بتجربة ناجحة من الحدث، رغم ما قد نراه فيه من سلبيات.

هل أُخبِر أطفالي وكيف؟

نعم ولا... وربما يضع خبراء التربية فواصل عمرية في استخدام إحدى الإجابتين، إلا أننا أولًا نؤكد أن كل أم هي أدرى بطبيعة أبنائها وقدرتهم على الاستيعاب الذي يُعَدُّ الفاصل هنا، وبصورةٍ عامة، فإن طفلًا ما دون الأربع سنوات لا يستطيع مهما بسَّطنا له أن يستوعب هذا الأمر؛ لذا فالأفضل ألا نخبره غير أن "أباه في مشوارٍ أو سفرٍ طويل نسبيًّا ليُصلِح أمرًا ما وسيعود في أسرع وقت".

وإن كان الطفل قد تجاوز الرابعة أو الخامسة فنصطحبه لرؤية أبيه مباشرة ونُخبِره بشكلٍ مبسَّط أن "بابا يتطلَّب عمله أن يقول رأيه، وهو ما لم يعجب أحد ما ولكنه قوي ونحن ذاهبون إلى زيارته"؛ ذلك أن مراوغة الطفل والكذب عليه يؤدي إلى تزعزع ثقته بالأم والشك فيما ستقوله بعد ذلك، خاصةً عن هذه الأمور فإن هي حاولت أن تطمئنه مرةً أخرى خلال هذا الابتلاء، فلن تستطيع أن تزيل الخوف في نفسه من أن الأمر أسوأ مما تدَّعي!

أما الأطفال الأكبر سنًّا وما فوق التاسعة؛ فيجب أن نتحدَّث معهم مباشرةً عن الإصلاح ومواجهة الباطل بالحق، وأن هذا ناموس الله في الأرض، وأن أباهم إنما اتبع درب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لهم الفخر كل الفخر أن هذا أبوهم، وكم هو قوي وشجاع.

تحديات

- الانهزام النفسي للأم:

إن الأم زوجة المعتقل قبل أن تكون أمًّا لأبناء المعتقل فهي تعاني ألمًا لا يعرفه أحدٌ سواها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «إن زوج المرأة منها لبمكان» لما رآه من تثبت حمنة بنت جحش على أخيها وخالها وصياحها على زوجها مصعب بن عمير (ضعيف الجامع: [1960]).

خاصةً إذا كان المطلوب منها ليس فقط ثباتًا وتذكُّرً؛، ولكن أداءً ورعاية نفسية ومادية بما يفوق طاقة البشر، إلا أن يجعل الله لها من بركة هذا الابتلاء ما يعينها بإذنه، فتراغم الألم وتكتم أغلبه عن صغارها بما يقويهم، ولكنها كذلك يجب أن تشاركهم ببعض مشاعرها بما يسمح لها ببعض التفريغ -غير السلبي- لمشاعرها.

- معالجة اللامنطقي:

ضابط يحمي - ضابط يعتقل أبي! قاضٍ يحكم - حكمٌ لا يُنفَّذ! نيابة تعدل بين الناس - نيابة تظلم!

والطفل لا يستطيع أن يجمع في عقله كل هذه المتناقضات، ولا يستوعبها، ولا ينبغي لعاقلٍ أن يستطيع! ولكن على الأم معالجة هذا اللامنطقي الذي يجده صغيرها، فلا تستعديه على أي مصدرٍ للظلم، ولكنها توضح له أن هناك صالحين كُثَّر، كما أن هناك طالحين، ضاربةً أمثلة للنماذج الجيدة ممن حوله، وأن عليه هو أيضًا أن يعمل بإيجابية؛ لرفع هذه المظالم والأخطاء عن الناس جميعًا، كما يفعل أبوه، وتستعين على ذلك بقصص من السيرة والتاريخ والقصص المعاصرة الإيجابية، والتي تدور في إطار مواجهة الباطل.

- الصور الذهنية:

يُكوِّن الطفل صورًا سلبية عن وضع أبيه، وما قد يعانيه هو والبيت، وتظل تلاحقه سواءً عبَّر عنها مثل كثير من الأطفال، أو لم يُعبِّر عنها؛ لذا يجب على الأم طمأنتهم باستمرار، وتوضيح أن الأمور كلها ستكون بخير، ثم تحث الأب خلال الزيارات أن يحكي لأطفاله عن وضعه بشكلٍ يطمئنهم من حيث معاملة الآخرين له، والطعام والنوم وغيره.

وكذلك حثهم عن التعبير عما يستشعرونه من صورٍ سلبيةٍ، سواءً بالتعبير و"الفضفضة" أو حتى بالرسم والكتابة.

- التكاليف الباهظة:

غالبيتنا وليس أطفالنا فقط قد ينتابهم -كثيرًا- شعور بأنهم يدفعون ثمنًا باهظًا جدًّا، وأين المقابل؟

أين التغيير في مقابل هذا الابتلاء الشديد؟

ولا يتم الإجابة عن هذه الأسئلة إلا باللجوء لآيات القرآن في الابتلاءات وتدبُّرِها، ومعايشة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الاستعانة بالصالحين طلبًا للتذكِرة، واستحضار الأحاديث والمواقف مثل موقف شكاية سيدنا خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

- الشعور بالظلم والقمع:

"لماذا لا يرد عليهم أبي؟ لماذا لا يضربهم ويرحل؟"؛ كان تساؤل أحد الأطفال في غضبٍ وعجْز، ومثل هذه المشاعر لا بد من حُسن التعامل معها بخطاب اليقين بالنصر، وأن هذه الظروف ستمر، وسينتصر الحق في النهاية، ولو طال الوقت بعض الشيء، وكم من أناسٍ مرُّوا بما هو أسوأ، ثم انتصروا في النهاية، وعفوا عن الظالم مع ضرب أمثلة، وحثهم على قراءتها بأنفسهم.

- دور الأب المعتقل:

لا ننسى أن للأب دورًا مهمًّا جدًّا حتى أثناء وجوده بالمعتقل، خاصةً إذا صاحب الاعتقال بعض التعسُّفات الأمنية أثناء التفتيش أو الاعتقال، هنا يتوجب على المعتقل أن يبث رسائل الطمأنينة باستمرار إلى بيته وأسرته، وأن يحرِص على إزالة أيِّ ترسباتٍ نفسية لدى الأطفال تجاه الشرطة أو رجال الأمن.

وكان أحد المعتقلين -وقد تم اعتقاله من الشارع أمام أولاده بعد الاعتداء عليه- يحرص على أن يُقدِّم هدايا من مأكولات ومشروبات إلى أطفاله أثناء الزيارة، ويقول لهم إنها من الضابط فلان أو أمين الشرطة فلان، كما جعل عددًا من الضباط يتعرَّفون على أولاده، ويودونهم أثناء الزيارة؛ لإزالة أيِّ مشكلاتٍ نفسية عند الأطفال تجاه الشرطة.

كذلك يجب أن يمارس الأب دوره في الرعاية النفسية والتربوية العامة ومتابعة أحوال أبنائه من دراسة وغيرها، ويمكنه كتابة رسائل خاصة لكل منهم يسلمها لهم عند حضورهم أو يرسلها يُعبِّر لهم فيها بشكلٍ مستفيض ويطالبهم بالكتابة له.

- مِنَح الابتلاء؛ صناعتها واستغلالها:

إن المِنَح والعطايا والبركات التي يجعلها الله في الابتلاءات عمومًا وفي هذا الابتلاء، خاصةً ربما تأتينا وسط انشغالات عديدة، ولكن يجب أن نقف عليها، فنستفيد منها تربويًّا ونفسيًّا الاستفادة المثلى:

1- النفحات الإيمانية التي يجعلها الله في الابتلاءات واستغلال كل لحظة فيها؛ لتربية الطفل على المعاني الإيمانية، وتلقي الرسائل والنفحات الربانية.

2- الخبرات والمهارات والمعلومات التي يكتسبها الطفل عن طريق كثرة الاحتكاك بمختلف أنواع الناس والأحداث والقضايا.

3- التحفيز على التفوق الدراسي والمشاركة الفعَّالة في البيت.

4- توجيهه إلى دوره الإيجابي -مهما صغر- في الإصلاح والتغيير حوله، بدايةً من إماطة الأذى عن الطريق وانتهاءً بمشاركته السياسية.

5- اكتشاف إمكانيات وقِوى في أنفسنا وأطفالنا لم نكن نظنها موجودة ولا ممكنة، والتي تظهر تباعًا مع معالجتنا التربوية الناجحة للحدث.

حذارٍ من تلك:

- "لا تخبر أحدًا" فمهما كانت أسبابكِ مع طفلكِ فإياكِ أن تطلبي منه ألا يُخبِر أحدًا عن اعتقال أبيه، فإن ذلك يُورِثه شعورًا بالخجل والخوف لن تستطيعي مهما كان أن تزيليه من نفسه.

- حديث الشكوى والمعاناة أمام الأطفال يُؤثِّر عليهم بشكلٍ سلبي، ويثير خيال الخوف، وعدم الأمن.

- إهمال مشاعرهم وتساؤلاتهم ولو لشدة الحزن أو الانشغال، بل يلزم الجلوس معهم بشكلٍ مستمر ودوري ومناقشتهم فيما يفكرون.

- التدليل الزائد منكِ أو من الغير بما قد يضرُّ بتربية الطفل، وإنما المطلوب العناية المكثفة التي لن تترك أثرًا سلبيًّا فيما بعد.

- إثارة عِدائهم تجاه أشخاصٍ أو جهاتٍ معينة؛ لِمَا في ذلك من ضررٍ طويل الأمد على نفسياتهم ونظرتهم للمجتمع.

الإعداد والتدريب:

إن من أفضل المُعينات بإذن الله على ابتلاء الاعتقال؛ حُسن الإعداد والتأهيل لأنفسنا وأطفالنا، ولو لم نظن احتمالية وقوعه، وذلك بتربية النفس والأبناء على معاني الجهاد والشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقِيِم الإيجابية والإصلاح، ومن وسائل ذلك:

1- القرآن وتفسيره ودراسة سور: (الأنفال، التوبة، الفتح، الأحزاب، الحج، النصر).

2- قصص الصحابة والصالحين.

3- التفاعل مع أُسر المعتقلين بشكلٍ دائمٍ وفعَّال.

4- دوام مناقشة الأطفال وقياس معلوماتهم وإيمانهم بالقضايا الإسلامية.

5- الترفيه المتقطَّع، وتربيتهم على التصدُّق ببعض الملابس التي يُِحبُّون مرةً، ووجبة الغِذاء وأكل أكلة بسيطة عِوضًا عنها مرة، والتصدُّق بمصروف يوم، وهكذا... طِبقًا لخطة تربوية مستمرة.

6- استبدال بعض المصطلحات الصحيحة بالمصطلحات المعتادة الأخرى، مثل "مُعتَقل" أو "مُحتَجَز" بدلاً من سجن مسجون.

7- تبسيط الأمور إلى معانيها الحقيقية؛ من جهاد، ومدافعة الباطل بالحق، وانتصار الخير.

8- استخدام الاستفزاز الإيجابي لإثارة الرغبة، ومواجهة التحديات، وتطوير القدرات، مثال: "استفزازهم ضد الشيطان، وكم يسعد حال نسيانهم الصلاة مثلاً".

شَغْلْ فراغ الأطفال

نقطةٌ أخيرة لكنها قد تكون المهمة؛ وهي شغل فراغ الأطفال بالأنشطة الدائمة، مثل ممارسة الرياضة بشكلٍ منتظِمٍ وفعَّال، وأنشطة أخرى متجددة، مثل: (التمثيل، والرسم، وإعداد فقراتٍ على مسرح العرائس بمساعدة الأم والأصدقاء، وخاصةً من أولئك الذين يشتركون معنا في ظروف المِحنَة).

كما يمكن استخدام مثل هذه النشاطات لمساعدة الأطفال في التعبير عن آرائهم ومشاعرهم، كما يمكن إشراكهم معنا في الإعداد للأعمال الخيرية والمناسبات مثل رمضان وغيره.

كذلك لا ننسى إشراكهم بصورةٍ فعَّالةٍ في المساعدة في البيت، وتكليف كلٍّ منهم بواجبٍ إضافي، مُوضِّحين أنه بذلك يحمل بعض الأعباء التي يقوم بها الأب. 

أسماء صقر

 

المصدر: إخوان أون لاين