كيف يُطلب العلم ؟!

منذ 2014-02-20

فلا شك أن طلب العلم غاية لا تدرك بالتمني، وشرف لا ينال بالكسل، وطاعة لله وقربة لا تعدلها قربة إذا صحت نية العبد في الطلب.

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد،

 

فلا شك أن طلب العلم غاية لا تدرك بالتمني، وشرف لا ينال بالكسل، وطاعة لله وقربة لا تعدلها قربة إذا صحت نية العبد في الطلب.
إنني وأنا أضع بين أيديكم هذه النكتة في الطلب لا أفعل ذلك لفضل علم ولا لفضل حكمة، ولا أزعم بما أخط أني أنتسب للعلم وأهله لكن أحببت لنفسي ألا أترك بئراً ينزحه النازحون إلا نزعت معهم دلوا، ولا أرضا يحرثها الحارثون إلا ضربت فيها فأسا، والله أسأل أن يجعل لنا في كل باب من أبواب الخير سهما {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26].

 

فكيف يُطلب هذا العلم؟

في رأيي أن العلم يطلب بقاعدتين فاحفظهما ولا تلتفت!

الأولى التجريد والثانية التحقيق.

فأما الأولى فأن تجرد لله التوحيد فتَخْلَص له نيتك وتصدقه سبحانه في الطلب، فيكون سعيك في إصابة العلم لله خالصا لا تشوبه شوائب الرياء والتسميع ولا طلب الدنيا، ولا تخالطه الرغبة في مجاراة العلماء ولا محاججة السفهاء، بل يكون الطلب لله خالصا يرفع به المرء عن نفسه آفة الجهل ويجلو به عن قلبه القساوة فيكون العلم مطية وسلما للتذكرة {فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات: 55]، ويكون مرماه وهدفه من ذلك أن يعرف ربه ويخشاه فإنه {إنما يخشى الله من عباده العلماءُ} [فاطر: 28]، فكل من خشى الله فهو عالم به، وليس كل من جمع المعلومات أصابته الخشية ووجل قلبه وخشعت لله جوارحه، وإنما يكون ذلك بتذكر موقفك بين يدي الله يوم القيامة ودوام مراقبته سبحانه فيما تخط على صفحات عقلك من العلم راجيا أن ينفعك ذلك يوم اللقاء.

 

وأما الشق الثاني من التجريد فهو تجريد الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا تحد عن ذلك يمنة ولا يسرة فيكون تفتيشك في العلم غايته أن تحرر ما قاله النبي وما فهمه أصحابه ثم من بعدهم من العلماء الربانيين من كلام الله وسنة النبي وينافي ذلك التعصب الأعمى لأشخاص مهما كانوا، وينافيه أيضا اتباع الهوى والتفتيش في أقوال الرجال عما يؤيد هواك وما تميل إليه، فتجرد لطلب الحق تغنم فمهما ثقل عليك وخالف هواك فاستعن بالله الذي جردت له نيتك وأخلصت له غايتك.

 

ويفسد ذلك عليك خوفك من الناس ومحبتك لهم فتطلب العلم لتجد فيه ما يندفع به خوفك من ذوي السلاطين فترضيهم في سخط الله، أو تطلبه لترائي به أحبابك فتفتش في الكتب حثيثا لتثبت مذاهبهم فتنتسب لهم مسترضيا لهم.

 

ويفسده توهم المرء مفاسد ومصالح لم يعتبرها الشرع فيترخص المرء حين لا يحل له الترخص، ويلوي عنق النص ليا لكيلا يشق على الناس بزعمه، ويتكلم فيما لم يكن له فيه سلف ولا إمام، ويزعم أنه بذلك متبع للأثر محييا لسنة النبي فأنّى له!

 

ثم إني لكم ناصحة في هذه فقد خبرتها فإنها مما يفسد التجرد في الإخلاص والاتباع إفسادا لا فكاك منه: إياكم يا أشرف الطالبين أن تجعلوا إلف العوايد والطبائع تلتصق في قلوبكم حتى تصير عندكم حكما شرعيا تنافحون عنها منافحة الشرع وتفتشون في النصوص عما يثبتها ويقرها، فيكون ترجيحكم وميلكم وسعيكم هوى لا تجردا.

 

وأما الثانية فهي التحقيق وأستهل فيها بالتذكير أن العلم يطلب أوقاتكم وأعماركم كما تطلبون نفائسه وجواهره، فأعطوا كل ذي حق حقه ولا تبخسوا العلم حقه، لكن تذكروا أن نبيكم قد أمركم أن للأهل والنفس عليكم حقوقا، فإياكم أن يكون العلم شهوة فاجمعوا بين التجريد والتحقيق.

 

ومن حق النفس الذي أذكركم به بعد حق أبنائكم في التربية، أن تعملوا بعلمكم وتزكوا أنفسكم بالعبادة وعلى رأسها تدبر القرآن وأداء النوافل، فإنما العلم بلا عبادة ولا عمل يقسي القلب ويورث الكبر ويوشك أن يكون وبالا على صاحبه!

 

ثم الثانية في التحقيق أن العلم لا يطلب بقيل وقال بل يطلب بجد وتثبت وتتبع للمسائل، فكيف بنا إذا اكتفينا بأخذ كلمة من هنا وكلمة من هناك ولم نتتبع أصلها ونمتع أبصارنا بالنظر في كتب السلف؟ وكيف اكتفينا بالدون من الإسناد ونحن أمة الإسناد التي كان يرحل الرجل الرحلة ليسمع الحديث من شيخ محدثه، فاليوم أيعقل أن يكتفي طالب العلم بالسماع من المعاصرين دون مراجعة أقوالهم على كتب المتقدمين؟ أيعقل ألا يمتع الطالب بصره بقراءة كتب السلف من أول حرف لآخره ويكتفي بقراءة صفحة وصفحتين لينتشي بعيدها مفتخرا أنه طالع كتابا؟؟

 

وكيف بنا إذ نعتنق الآراء وننتصر لها دون أن نقرأ الخلاف فيها ونفهم مواضع الإجماع منها ومناط الخلاف وما يسوغ منه وما لا يسوغ؟

وكيف نكتفي بسماع الرجل الواحد من أهل العلم ونحسب بعدها أن التصدر قد صار حقا أصيلا؟

وإنما يحدث ذلك لضيق الوقت عن مطالعة كتب أهل العلم والرغبة في سرعة التصدر والمناقشة وشهوة النفس في الانتساب للعلم والفهم، وكم مررت بمثل ذلك فلا تحسب أنني أتحدث عن داء لا أعرفه، بل قد خبرته وعرفت دواءه ولازلت أكابد في تناول ذاك الدواء المر الصبر العظيم النفع!

 

إن العلم تراكمي فاعلم أنك تأخذه على مراحل متعددة وأن المعلومة تحط رحالها في منزل في عقلك ثم تغيره حتى تستقر في موضع يلائمها ويتناسب مع أخواتها اللاتي تجمعهنّ وتتغير صورتها أكثر من مرة في رحلتها في منازل عقلك فلا تتلق العلم بلسانك لا يجاوز تراقيك، ولا تبخل على المعلومة وتحرمها من أن يكون لها أصحاب وصويحبات يؤنسون وحدتها في ظلمات عقلك ثم بعد عليك أن تأتي لهم بمصباح زيته حبر كتب الأقدمين فيستنير عقلك رويدا رويدا حتى يجعل الله لك بصيرة وملكة العلم والفهم أصيلة.

 

واعلم أنك لا تخسر شيئا بمراجعة ما اعتنقت كلما تجدد الحديث عنها أو أثير النقاش، فلا تمل إن أردت المغنم: فإنك إن لم تغير معلوماتك منازلها في ثنايا عقلك، فإنك ولا بد مجدد لها فراشها ومبعثر التراب من فوق أرضها ومهيء لها بمراجعتك ومذاكرتك في منزلها مياثر فاخرة، فلا تحرم نفسك ذلك الفضل وتصر على التمسك بما بلغت وحسب فإنه رضى بالدون وأقرب لفعل المغفلين الذين قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 22]، فتجعل من نفسك وما وصلت إليه في غابر الزمان مقياسا للحق والباطل لا يتبدل راضيا به راكنا إليه كما جعل هؤلاء آباءهم وما وصلوا إليه مقياسا للحق لا يحيدون عنه!

 

وثالثة التحقيق أن العلم لا يطلب بالخلطة ولكنه يحب الخلوة فاجعل لنفسك وقت مذاكرة خاصا بك وإياك والتطلع إلى ما يفعله فلان وفلان، وما حصله زيد وعمرو، فليست المنافسة أن يجمع المرء ويوعي في وعاء عقله الكلمات! بل المنافسة في العلم أن تجعله لك عند الله قربى وزيادة وأن تكون مباركا أينما كنت فتكون على طاعة داعيا إلى طاعة فدعك من بنيات الطريق: {ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون} [الحجر: 65].

 

وبعد فهذه شذرات مختصرة واللبيب بالإشارة يفهم فخذ منها ما ينفعك زادا واسأل الله لإخوانك الزيادة ولو أنصفتُ لجعلت لكل فرع تحت الأصلين كتابا ولكنها كانت كذا لقلة البضاعة ورغبة في دفع الملالة.

هذا وإني على يقين أن العجز والنقص صفة ما كتبتُ بل الخطأ والزلل لا ينفكان عنه ولكن لك في قول الشاطبي أسوة حسنة:


وإن كان خرق فأدركه بفضلة *** من الحلم وليصلحه من جاد مقولا

 

فلك غنمه وعلي غرمه فكن خير آخذ *** فإن المرء لا تخلو من نفسه المعايب.

 

اللهم اجعلنا مخلصين لك في طلب العلم واجعله حجة لنا لا علينا.