إن إبراهيم كان أمة - (3) دعوة إبراهيم لقومه بالحجة

منذ 2014-04-03

هنا نقف مع موقف آخر من مواقف الدعوة التي قام بها سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه علَّهم يؤمنوا بالله تعالى.. ففي يوم من الأيام أراد أن يقنع أباه وقومه بخطأ ما يعتقدون وأن يثبت لهم بالحجة البينة أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو المدبر وهو وحده المستحق للعبادة ولا أحد سواه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام:47].

فهو يستنكر على والده عبادته لأصنام لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء؛ فهذا فعل السفهاء الذين لا عقل لهم. وقد منَّ الله سبحانه وتعالى على عبده ونبيه إبراهيم عليه السلام بالتفكر في آيات الله تعالى ليرى ما اشتملت عليه من آيات وبراهين تدل على وحدانية الله تعالى والظاهرة لكل ذي عينٍ بصيرة؛ قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75].

وقد حاول إبراهيم عليه السلام أن يبين لقومه الحق ويثبت لهم وحدانية الله سبحانه وتعالى بشتى الطرق والوسائل، وكانوا يعبدون بجانب الأصنام بعض النجوم والكواكب التي يظنون أنها تنفع وتضر، فلما رأى إبراهيم عليه السلام نجمًا من هذه النجوم ساطعًا في السماء قال لهم: أفترض أن هذا ربي الذي خلقني وأنا أعبده ولكن بعد قليل أفل هذا النجم أي غرب وغاب عن الأفق، فأثبت لهم بذلك أنه لا يمكن أن يكون ربًا؛ قال تعال: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام:76]. وقد فسر البعض هذا النجم على أنه كوكب الزهرة.

ثم لما رأى إبراهيم عليه السلام القمر طالعًا في السماء منيرًا مستديرًا، انتهز هذه الفرصة وقال لقومه: سأفترض كما تزعمون أن هذا هو ربي.. وكالعادة اختفى القمر.. فأخبرهم بأن الله هو الرب الأعلى وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وإن لم يهدهم الله إلى الطريق السليم فسيظلون في ضلالهم هذا. قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام:77].

ثم بعد ذلك افترض معهم أن الشمس هي رب الكون لأنها نجم كبير ساطع ولكن مع ذلك جاء المساء وغربت كغيرها من النجوم، وحينئذٍ أثبت لهم أن هذه النجوم كلها لا تصلح أن تكون آلهة تُعبد لأن مصيرها إلى الزوال والأفول، لكن الله سبحانه هو الحي الذي لا يموت وهو الذي خلق كل هذه النجوم والكواكب وهو وحده المتصرف فيها.. قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:78، 79].

ولكن مع كل تلك الآيات والبراهين الواضحة، ومع كل هذه الإثباتات العقلية الجلية، ظل قومه على عنادهم وكفرهم، بل وحاجوه في دينه وجادلوه وخوفوه بعقاب آلهتهم المزعومة إن هو كفر بها.. فما كان منه عليه السلام إلا أن أخبرهم أنه موحد لله تعالى ولا يخاف من هذه الآلهة المزعومة التي لا تضر ولا تنفع لأن النفع والضرر بيد الله تعالى إن أراد أن ينفعه بشيء كان، وإن أراد أن يضره بشيء كان أيضًا؛ قال تعال: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام:80].

وجدير بالذكر أن هذا الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه كان على سبيل (المناظرة) لا على سبيل (النظر)؛ بمعنى أن إبراهيم عليه السلام كان يناظر قومه ليصل بهم إلى الحق ولذا كان يتنزل في الحوار معهم (أي إنه يقول: أفترض أن هذا النجم هو ربي، فماذا بعد؟)، ولم يكن عليه السلام ناظرًا بمعنى أنه لم يكن يتفكر ويتأمل وبعدها وصل أن هذه النجوم لا تصلح أن تكون آلهة، لا، لا؛ وحاشاه أن يكون كذلك، فهو نبي طاهر صاحب فطرة سليمة هداه الله منذ صغره وزكَّاه الله سبحانه وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51].

 

المقال السابق
(2) دعوة إبراهيم لأبيه آزر
المقال التالي
(4) إبراهيم عليه السلام وهدمه لأصنام قومه وإلقاؤهم إياه في النار