عوامل إتقان العمل (1-2)

منذ 2014-04-11

إن من أول الأمور اللازمة لإتقان العمل والإحسان فيه إدراك أهمية هذا الأمر، فإن من لا يدرك أهمية العلم ورفع الجهل لن يقدم على التعلم بقوة، ومن لا يدرك أهمية المحافظة على الصحة لن يعير هذا الجانب ما ينبغي من الاهتمام، وكذلك من لا يدرك أهمية الإتقان والإحسان في أداء العمل..

إذا كان الله سبحانه وتعالى قد لفت أنظار الناس إلى ما في خلقه من الإتقان والإحكام والإحسان، ونعى على الكافرين ما هم فيه من الفوضى والاختلاف، وإذا كان الشرع قد حض المؤمنين على الإتقان والإحسان، فإن القيام بالواجبات وأداء الأعمال على وجه الإتقان والإحسان يستلزم عدداً من الأمور، لا فرق في ذلك بين أن يكون العمل فردياً أو يكون على مستوى جماعة أو مؤسسة أو على مستوى الدولة أو الأمة، وإن كان الأمر يكتسب أهمية متزايدة كلما اتسع نطاق العمل.

إن من أول الأمور اللازمة لإتقان العمل والإحسان فيه إدراك أهمية هذا الأمر، فإن من لا يدرك أهمية العلم ورفع الجهل لن يقدم على التعلم بقوة، ومن لا يدرك أهمية المحافظة على الصحة لن يعير هذا الجانب ما ينبغي من الاهتمام، وكذلك من لا يدرك أهمية الإتقان والإحسان في أداء العمل، فإنه لن يعطيه ما يكفي من الجهد والوقت بل قد تكون أعماله فوضوية عبثية لا تؤتي المرجو منها.

ومن هذه الأمور الترتيب والتنظيم والانضباط، وهي أمور مهمة، وبخاصة عندما يخرج العمل عن نطاق الفرد ليشمل جماعة من الجماعات، أو مجتمعاً من المجتمعات أو أمة من الأمم، ومن الأدلة الشرعية على ذلك ما جاء في حديث الإسراء والمعراج، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء» (صحيح البخاري: [3/1410-3674]، صحيح مسلم: [1/149-164]).

 وقد تكرر هذا عند كل سماء عرجا إليها. فجبريل عليه السلام -وهو أفضل الملائكة- ما كان ليخفى على هؤلاء الملائكة الكرام، ومع ذلك فما فتحوا له إلا بعد أن أجابهم، وهو عليه السلام لم يقل لهم: ألا تعرفونني؟ ولم يأمرهم أن يفتحوا بلا نقاش أو كثرة كلام كما يفعل كثير من أهل الجفاء من الأزواج مع زوجاتهم،أو من الأبناء العاقين مع أهليهم،

لكنه أجاب في كل مرة بتواضع على قدر السؤال، وجبريل ما كان ليعرج بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون إذن الله، وعروجه عليه السلام كان معلوماً للملائكة من قبل وبرغم ذلك فقد كانوا يستوثقون في كل مرة: «وقد أرسل إليه؟»، قال الحافظ: (قولهم: أرسل إليه؟ أي للعروج، وليس المراد أصل البعث لأن ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى ... فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد، مثلاً)(فتح الباري: [7/209]).



ومن الأمور المهمة توزيع الأدوار والتخصصات، إذ كل ميسر لما خلق له، فيوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولا يكون الأمر فوضى، بل لا بد من تحديد الواجبات وتوزيع المسؤوليات، كي لا تتبعثر الجهود وتتضارب الأعمال، فلكل فرد من أفراد الجماعة أو المؤسسة دوره؛

ومما يدل على هذا الأمر أعظم دلالة ما ثبت من تعدد تخصصات الملائكة الكرام، فجبريل عليه السلام موكل بإبلاغ الوحي من الله سبحانه وتعالى لأنبيائه عليهم السلام، وبإنزال العذاب بكثير من الأمم المكذبة التي حل بها عذاب الله وانتقامه، وميكائيل عليه السلام موكل بقطر السماء، وإسرافيل موكل بالصور، فهو قد التقمه ينتظر الإذن من الرب جل وعلا كي ينفخ فيه فيصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله،

وللأرواح ملك كريم موكل بقبضها، وللجبال ملك، وللسحاب ملك، ورضوان على باب الجنة، ومالك خازن النار، وملائكة للرحمة، وملائكة للعذاب، وملائكة للحسنات وملائكة للسيئات، ومنكر ونكير لسؤال القبر، وهكذا.

وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (سنن الترمذي: [5/665-3791]، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني

وكان بلال يؤْذِن رسول الله بدخول الوقت ويؤَذِّن، وكان عبد الله بن مسعود يحمل له نعليه وطهوره ووساده، وكان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه حتى نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، وكان حذيفة أمين سره عليه السلام.


ومما يدل على هذا قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، [الأنبياء:5]، فلكل تخصصه الذي يجيده، سواء ما تعلق بأمور الدين أو الدنيا، وبمثل هذا حاز المسلمون الأوائل قدم السبق في شتى المجالات، فعن ابن أبي أويس قال: "سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقدم علينا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب وهو شاب فنزدحم على بابه" (الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي: [1/159]).


فجلالة المرء وديانته وأمانته شيء، وتخصصه في علم الحديث أو غيره من الأمور شيء آخر، وبهذا يعلم بطلان المبدأ الفاسد الذي سنه أهل الاستبداد من تقديم المقربين منهم -وإن لم يكونوا أهلاً لما أوكل إليهم- على أهل الخبرة من غير المقربين،

وأشد من هذا ما نراه اليوم من فوضى في حياتنا، فنرى شاباً حدثاً لم تكد تنبت لحيته يتصدر للإفتاء في دين الله بعد أن يقرأ كتاباً أو كتابين، وأشد منه ما نراه من تسور بعض اللاعبين والفنانين على الفتيا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


ومن الأمور المهمة، بعد النظر والتطلع إلى ما ستصير عليه الأمور، وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة في كثير من الأحاديث، فيوم جاءه خباب رضي الله عنه يشكو ما يلقاه المسلمون من عذاب على يد كفار قريش لم يكتف عليه السلام بدعوتهم للصبر كما صبر من كان قبلهم من المؤمنين،

بل لفت الأنظار إلى شيء أبعد من ذلك بكثير، فقال عليه الصلاة والسلام: «والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (صحيح البخاري: [3/1322- 3416])، فأي نقلة هذه التي نقلها النبي صلى الله عليه وسلم خباباً ومَن وراءه من ضعفة المؤمنين المعذبين!


ويوم الخندق حين بشر أصحابه بفتح بلاد فارس والروم، رغم أن العرب قد رمتهم عن قوس واحدة وجاءت لتسأصلهم عن بكرة أبيهم، ومن كان في هذه الحال إنما يكون همه أن تنجلي هذه الغمة وتنفرج هذه الكربة، لكنه عليه السلام أراد أن ينقلهم إلى ما هو أبعد بكثير، ولا شك أن كل من سمع منهم مقالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تعد تصوراته تنحصر في أرض المعركة يوم الخندق لكنها شرقت وغربت.

وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: "قلت لرجل من الأنصار: هلم يا فلان فلنطلب العلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء. قال: عجباً لك يا ابن عباس، ترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن فيهم! قال: فتركت ذاك و أقبلت أطلب ... قال: فبقي ذلك الرجل حتى أن الناس اجتمعوا عليَّ فقال: هذا الفتى كان أعقل مني" (المستدرك: [3/619-6294]، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.الشيخ أ.د).

 

فلا ينبغي للإنسان أن تستغرقه اللحظة التي يعيش فيها، فإن هذا الأمر يعمي البصيرة عن وضع الأمور في نصابها، بل لا بد أن يرتفع فوق مستوى اللحظة ويتطلع إلى المستقبل ويشحذ الهمة ويقبل على عمله بجد ونشاط كما كان من ابن عباس رضي الله عنهما.


وللكلام بقية إن شاء الله.

ناصر بن سليمان العمر  | 19/7/1430 هـ