(الموالِد وإلهاء الشعوب)!

منذ 2014-04-18

من الأشياء التي تلفت النظر بشدة؛ حرص الحكام ولا سيما المستبدين منهم على إحياء الموالِد، وتشجيع الناس عليها لإلهاء الشعوب وتخديرها، بل إن الاحتفال بمولِد النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنشأه أول مرة الفاطميون العبيديون الباطنيون إبَّان حكمهم مصر...

من الأشياء التي تلفت النظر بشدة؛ حرص الحكام ولا سيما المستبدين منهم على إحياء الموالِد، وتشجيع الناس عليها لإلهاء الشعوب وتخديرها، بل إن الاحتفال بمولِد النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنشأه أول مرة الفاطميون العبيديون الباطنيون إبَّان حكمهم مصر، ثم كان للملك المظفر أبي سعيد كوكبري [المتوفى 630 هجرية] دور كبير في إحياء أمر المولِد ونشره، وكان هذا الرجل مع صلاحه وثناء المؤرخين عليه، يُنفق على هذا الاحتفال آلاف الدنانير، ويصنع فيه أمورًا عجيبة وبعضها مستنكر مثل الرقص.

وهكذا؛ عرفت الأمة هذا الاحتفال ودرجت عليه وصار عادة مستقرة على يد الحكام بعد ستمائة عام من الهجرة وبعد انقضاء القرون الفاضلة، وعصور العِزَّة والقوة والنهوض، وكأن المتأخرين عوَّضوا تقصيرهم في الاتباع والحب الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم بطقوس ومظاهر وشكليات!

ومن أغرب الأشياء ما حكاه الجبرتي أن نابليون بونابرت لما احتل مصر سأل "عن المولِد النبوي، ولماذا لم يعملوه كعادتهم فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور، وتوقف الأحوال فلم يقبل وقال: لا بد من ذلك وأعطى له ثلثمائة ريال معاونةً وأمر بتعلُّق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولِد ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري واستمروا يضربونها بطول النهار والليل"..

فأيُّ ماكر ذلك الجنرال؟! وكيف عرف أنك إن أردت كسب قلوب العوام فأقم لهم الموالِد والاحتفالات مدعيًا أنك محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنك محارب لدينه وشرعه وسنته!

وفي عصرنا هذا ستجد أن أكثر الناس حِرصًا على تلك الاحتفالات مشايخ الطرق الصوفية، ممن لم يعهد على واحد منهم -إلا من رحم الله- موقف واحد يجهر فيه بإنكار الظلم، ورفض البغي، ومقاومة الاستبداد، وإنما هم مع من غلب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد قوشتي عبد الرحيم

دكتور بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة