الطلاق مرتان

منذ 2014-04-19

الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؛ وأما أن يردها مع الإيذاء والمنة والتقصير، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

أما بعد:


فإن الزواج آية من آيات الله؛ يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] الحياة الزوجية قائمة على المودة والرحمة، والعطف والحنان، فإذا ما تعكرت صفو الحياة الزوجية، ولم توجد المودة، ولا الرحمة؛ فقد جعل للمتضرر من ذلك مخرجًا؛ فجعل عقدة النكاح بيد الزوج، وفي المقابل جعل للمرأة مخرجًا في حالة ما إذا كرهت البقاء مع الزوج، وذلك بأن تخالعه؛ فتطلب فسخ تلك العقدة التي بيد الزوج؛ يقول الله تبارك وتعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229] .


الطلاق الرجعي:
لقد كان الطلاق في الجاهلية، واستمر أول الإسلام، فكان الرجل يطلق زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها طلقها، فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها وصنع بها مثل ذلك أبدًا، فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم، فأخبر تعالى أن: {الطَّلاقَ} أي الذي تحصل به الرجعة {مَرَّتَانِ} بأن يطلق مرة ثم يراجع، ثم يطلق مرة ثم يراجع.


وعدة المطلقة طلاقًا رجعيًا: ثلاثة قروء، أي ثلاث حيض على القول الراجح في معنى القرء.


فإن طلقها مرتين ثم راجعها في حال عدتها فليتق الله فيها وليحسن عشرتها، ولذلك قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} أي بما يتعارفه الناس من العشرة الطيبة الحسنة؛ {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أي يفارقها بطلاقها المرة الثالثة؛ ونظير هذه الآية ما جاء في قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2]؛ والمراد بـ (الإحسان) هنا أن يمتعها بشيء يجبر كسرها، ويطيب قلبها، وأن لا يأخذ مما أعطاها شيئًا.


الأدلة على جواز الرجعة:
قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}؛ فهذا دليل على جواز المراجعة فيما إذا كانت الطلقة الثانية، وفي حال العدة، ويدل على جواز ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا} [البقرة:228]. وقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2].


وجاءت السنة أيضًا بجواز ذلك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في قضية ابن عمر لما طلق زوجته: «مره فليراجعها»(1). وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها(2).


وحكى ابن المنذر الإجماع على جواز المراجعة فيما دون الثلاث؛ فقال: "أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد إن طلق دون اثنتين؛ أن لهما الرجعة في العدة".


ضوابط وشروط الرجعة:
إن مراجعة الزوج لزوجته لابد لها من ضوابط وشروط بينها العلماء، فمن ذلك:


أولًا: أن يكون الطلاق دون ما يملك من العدد؛ بأن طلق حر دون الثلاث، وعبد دون اثنتين، فإن استوفى ما يملك من الطلاق؛ لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.


ثانيًا: أن تكون المطلقة مدخولًا بها، فإن طلقها قبل الدخول، فليس له رجعة؛ لأنها لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49].


ثالثًا: أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان على عوض؛ لم تحل له إلا بعقد جديد برضاها؛ لأنها لم تبذل العوض إلا لتفتدي نفسها منه، ولا يحصل مقصودها مع ثبوت الرجعة.


رابعًا: أن يكون النكاح صحيحًا، أما إن طلق في نكاح فاسد، فليس له رجعة؛ لأنها تبين بالطلاق.


خامسًا: أن تكون الرجعة في العدة؛ لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة:228] أي أولى برجعتهن في حالة العدة.


سادسًا: أن تكون الرجعة منجزة؛ فلا تصح معلقة؛ كما لو قال: "إذا حصل كذا فقد راجعتك".


بم تحصل الرجعة؟:
تحصل الرجعة بلفظ: (راجعت امرأتي)، ونحو ذلك؛ مثل: رددتها، أمسكتها، أعدتها... وما أشبه ذلك.
وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها إذا نوى به الرجعة على الصحيح.


يستحب الإشهاد عند الرجعة:
وإذا راجعها فإنه يسن أن يشهد على ذلك، وقيل: يجب الإشهاد؛ لقوله تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2]. وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال الشيخ تقي الدين: "لا تصح الرجعة مع الكتمان بحال".


ما للمطلقة رجعيًا على زوجها:
المطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة، لها ما للزوجات من نفقة وكسوة ومسكن، وعليها ما على الزوجة من لزوم المسكن، وتتزين له لعله يراجعها، ويرث كل منهما صاحبه إذا مات في العدة، وله السفر والخلوة بها، وله وطؤها.


متى ينتهي وقت الرجعة؟
ينتهي وقت الرجعة بانتهاء العدة، فإذا طهرت الرجعية من الحيضة الثالثة لم تحل له؛ إلا بنكاح جديد بولي وشاهدي عدل؛ لمفهوم قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في العدة؛ فمفهوم الآية أنها إذا فرغت عدتها لم تبح؛ إلا بعقد جديد بشرطه، وإذا راجعها في العدة رجعة صحيحة مستوفية لشروطها؛ لم يملك من الطلاق إلا ما بقي من عدده.


لا يجوز أن يأخذ شيئًا من زوجته إلا برضاها:
بين الله عز وجل في هذه الآية أنه يحرم على الزوج أن يأخذ شيئًا مهما كان على زوجته؛ فقال: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}؛ فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته إلا على سبيل الخلع -كما سيأتي بيانه- إذا خافا ألا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع، أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.


وقد صرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارًا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع؛ وذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً . وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء:20-21].


وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة؛ وذلك في قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئًا} [النساء:4]. وأشار إلى ذلك بقوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة} [النساء:24].

الحكمة في جواز الخلـع:
كما أن الله قد جعل عقدة النكاح بيد الزوج؛ فإذا لم تستقم الحياة الزوجية فقد أباح الشارع للزوج فك تلك العقدة، وفي المقابل جعل للزوجة مخرجًا من عقدة زوجها إذا هو ظلمها، بأن كان يضربها ضربًا شديدًا، أو لأنها كرهته ولم تعد تقدر على العيش معه؛ لأنه لم يتق الله فيها، أو هي خافت أن لا تتقي الله فيه، أو ما أشبه ذلك؛ فلها أن تطالب بفسخ النكاح على أن ترد عليه ما أعطاه؛ لأنها هي من طالبت بذلك، فقال تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَا}؛ بمعنى يتوقعا، ويخشيا {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ} أي شرائع الله -بما يلزمهما لكل واحد على الآخر-؛ فإن خافت الزوجة أن لا تقوم بحق الزوج؛ أو خاف الزوج إلا يقوم بحق الزوجة؛ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}؛ هذا على قراءة {يَخافا} بالبناء للفاعل.


وأما على قراءة {يُخافا} بالبناء للمفعول فالخائف هنا غير الزوجين؛ أي إلا أن يخشى غيرُهما ألا يقيما حدود الله؛ فالخوف يرجع هنا على ولي الأمر كالقاضي، أو الأمير؛ أو على أهل الزوجين؛ أو على كل من علم بحالهما ممن يمكنه إصلاح الحال: فله أن يتدخل، ويعرض الخلع؛ ولهذا قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ}؛ وهذا يؤيد القراءة التي بالبناء للمفعول؛ والخطاب في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} وإن كان ظاهره أنه يعم جميع الأمة فالظاهر أن المراد به من له صلة بالزوجين من قرابة، أو غيرها.


الأدلة على جواز الخلع:
من الأدلة على ذلك؛ قوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي لا إثم على الزوجين فيما بذلته فداءً لنفسها عن المقام معه.


وقد جاء في السنة بيان جواز الخلع إذا وافقت الزوجة على ردها لما أخذته من زوجها، ففي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم.


وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنه أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد(3).


فيقال: إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام. وهذا الحديث أصل في الخلع، وعليه جمهور الفقهاء.


قال مالك: "لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها.


من الظلم تعاطي ما حرم الله:
قال تعالى: {تِلْكَ} أي ما تقدم من الأحكام الشرعية {حُدُودُ اللَّهِ} أي أحكامه التي شرعها لكم، وأمر بالوقوف معها.
قوله تعالى: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي لا تتجاوزوها؛ وقال العلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا}؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187].


وقوله: {وَمَن يَتَعَدَّ} أي يتجاوز {حُدُودَ اللّهِ} المراد بها هنا أوامره؛ {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}؛ وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله؟!.


والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، وحقوق العباد لا يترك الله منها شيئا، والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك تحت المشيئة والحكمة.


بعض الفوائد المستفادة من الآية:


1- حرمة الطلاق الثلاث بلفظ واحد؛ لأن الله تعالى قال: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}.


2- في الآية: الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق؛ لأن قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}؛ وصف يجب أن يكون معتبرًا؛ فإذا طلقت امرأتك؛ فقلت: أنت طالق؛ فقد طلقت؛ فإذا قلت ثانية: (أنت طالق) فكيف تورد طلاقًا على مطلقة؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال: طلقت؛ وهنا قال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}؛ ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: لو أن الرجل طلق امرأته، وحاضت مرتين، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية؛ بل تبني على ما مضى؛ وإذا حاضت الثالثة، وطهرت انقضت عدتها؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة؛ ولأن الله سبحانه وتعالى قال: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1].

 

والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون: إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة؛ فإذًا هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»(4)؛ يقول العلامة ابن عثيمين: وقد قال شيخنا -أي ابن سعدي- عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه"؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو الذي أفتي به؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق؛ فليس إلا مرة واحدة فقط؛ ويدل على هذا قول تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} أي مرة بعد مرة؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة.


3- أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؛ وأما أن يردها مع الإيذاء والمنة والتقصير، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز.


4- تحريم أخذ الزوج شيئًا مما أعطى زوجته من مهر، أو غيره؛ إلا أن يطلقها قبل الدخول والخلوة فله نصف المهر؛ لقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237].


5- جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض؛ لقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.

6- أن ذلك إنما يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله؛ أما مع استقامة الحال فلا يجوز طلب الخلع؛ وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة»(5).


7- أهمية النكاح، وبيان أنه راجع إلى الأسرة كلها؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ}.


8-  اعتبار المفاسد، وسلوك الأهون لدفع الأشد؛ لأن الأخذ من مال الزوجة محرم بلا شك كما قال تعالى؛ لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله عز وجل صار ذلك جائزًا؛ وهذه القاعدة لها أصل في الشريعة؛ منه قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108]؛ فإنّ سبّ آلهة المشركين واجب؛ ولكن إذا كان يخشى من ذلك أن يسبوا الله عدوًا بغير علم صار سبّ آلهتهم ممنوعًا.


9- وفي الآية: أن المخالَعة ليست رجعية؛ بمعنى أن الفراق في الخلع فراق بائن فلا سبيل لإرجاعها إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: {افْتَدَتْ بِهِ}، فإذا كان فداءً فالفداء فيه عوض عن شيء؛ وإذا استلم الفداء لا يمكن أن يرجع المفدى عنه -وهو الزوجة- إلا بعقد جديد.


10- عظم شأن النكاح، وما يتعلق به؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}؛ فبين أن هذا من حدود الله، ونهى عن تعديه.


11- وجوب الوقوف عند حدود الله وحرمة تعديها.


12- تحريم الظلم وهو ثلاثة أنواع: ظلم الشرك وهذا لا يغفر للعبد إلا بالتوبة منه وظلم العبد لأخيه الإِنسان وهذا لا بد من التحلل منه، وظلم العبد لنفسه بتعدّي حد من حدود الله وهذا أمره إلى الله إن شاء غفره وإن شاء آخذ به(6).

 

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


_____________________


(1)- رواه مسلم.

(2)- رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عمر، وقال العلامة الألباني: (صحيح)؛ كما في صحيح أبي داود، رقم [1998] وفي صحيح ابن ماجه، رقم [1638].

(3)- رواه ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم [1673].

(4)- رواه مسلم من حديث عائشة.

(5)- رواه أحمد من حديث ثوبان، وقال الألباني: (صحيح)؛ كما في صحيح الجامع، رقم [2706].

(6)- راجع: تفسير القرآن العظيم [1/365] وما بعدها. لابن الكثير. والجامع لأحكام القرآن [3/120] وما بعدها. للقرطبي. ومعالم التنزيل [1/269]. للبغوي. وأضواء البيان [1/168] للشنقيطي. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان [1/102] لابن السعدي. وتفسير ابن عثيمين، المجلد الثالث. وأيسر التفاسير [1/112] لأبي بكر الجزائري. والملخص الفقهي [2]. المجلد الثاني. للفوزان.

المصدر: إمام المسجد