شَبَابُ سَلَفِنَا الصَّالِحِين قُدْوَةٌ للنّاشِئِينَ 1/2

منذ 2014-04-20

الشباب هو أصل الأمة الذي يُبْنى عليه مستقبلها، وكان صلاحه مبنيًّا على دعائم قوية من الدين والأخلاق؛ فسيكون للأمة مستقبل زاهر

بسم الله الرحمن الرحيم

الشباب هم عَصَبُ حياة الأمم وسرُّ تقدم الشعوب، وأُمَّةٌ بدون شباب أمَّة بلا مستقبل، فالشباب قوة إن أَحْسَنَّا استغلالها وتوجيهها، فشباب اليوم هم رجال الغد، ولما كانت أمة الإسلامية الأولى مليئة بالشباب الصالح الذي تربى على عين آبائه الصحابة الكرام، وتحت سمع وبصر النبي  صلى الله عليه وسلم  ، فتحوا الدنيا بأسرها واستعمروها بالعلم النافع والعمل الصالح.

فقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يعتمد عليهم في الأمور التي تحتاج إلى القوة وبذل الجهد، كالجهاد في سبيل الله، فقد اعتمد على أسامة بن زيد في إحدى الغزوات وأسلمه قيادة الجيش وكانت سنُّهُ آنذاك ست عشرة سنة، وفي الجيش كبار الصحابة.

فكان  صلى الله عليه وسلم  يدربهم على الحروب ويعدهم الإعداد الجيد؛ لأنهم رجال الغد، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِـي  صلى الله عليه وسلم  وَنَحْنُ شَبَابٌ" (رواه البخاري [4615]، مسلم [1404]).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم  عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ" (رواه البخاري [2664]، أبو داود [2957]، الترمذي [1361]).
وعن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "رد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عمير بن أبي وقاص عن بدر، استصغره، فبكى عمير، فأجازه، فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدرًا وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي" (سير النبلاء [1/97]).
فنشأت هذه الناشئة على حب الجهاد في سبيل والشجاعة من أجل الدفاع عن هذا الدين ونبيه  صلى الله عليه وسلم  ؛ فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الصَّفِّ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ وَمَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُهُ لَمْ يُفَارِقْ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا قَالَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا قَالَ فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ قَالَ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ لَهُمَا أَلَا تَرَيَانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ فَابْتَدَرَاهُ فَاسْتَقْبَلَهُمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ». فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. قَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا» قَالَا: لَا. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَهُمَا مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ" (رواه البخاري [3141]، مسلم [1752]).
وهذا الزبير بن العوام حَوَارِيُّ رسول الله،  صلى الله عليه وسلم ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأول من سل سيفه في سبيل الله، يدافع عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو غلام صغير، فعن عروة قال: "نفحت نفحة من الشيطان أن رسول الله أُخذ بأعلى مكة، فخرج الزبير وهو غلام، ابن اثنتي عشرة سنة، بيده السيف، فمن رآه عجب، وقال الغلام معه السيف، حتى أتى النبي  صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما لك يا زبير؟» فأخبره وقال: أتيت أضرب بسيفي من أخذك" (أخرجه الحاكم [3/360]، أبو نعيم [1/89] ورجاله ثقات).

وهذا ابنه عبد الله بن الزبير تتجلى شجاعته في وقعة جرجير "وكانت بين البربر والمسلمين؛ وكان المسلمون عشرين ألفًا، والبربر عشرين ومائة ألْفٍ، فلما تراءى الجمعان أحاط جيش البربر بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم يُر أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قائد المعركة فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال: فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك، فلما اقتربت منه أحس مني الشرَّ فَفَرَّ على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالاً كثيرة، وسبيًا عظيمًا" (الكامل لابن الأثير [3/90]، فتوح البلدان[1/267]).

وأما عن حسن عبادتهم فقد كانوا رهبانًا بالليل كما كانوا فرسانًا بالنهار، وكانت عبادتهم لا تقل شأوًا عن جهادهم في سبيل الله، فهذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يقول: "جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فَقَرَأْتُهُ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم: إ«ِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمَانُ وَأَنْ تَمَلَّ فَاقْرَأْهُ فِي شَهْرٍ». فَقُلْتُ دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي. قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي عَشْرَةٍ». قُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي. قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ». قُلْتُ دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي فَأَبَى" (رواه البخاري [1978]، مسلم [1159]، أبو داود [1388]، الترمذي [2949]، النسائي [2390]، ابن ماجة [1346]).

وفي موقف آخر له يقول: "زَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيَّ جَعَلْتُ لا أَنْحَاشُ لَهَا مِمَّا بِي مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى كَنَّتِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ وَجَدْتِ بَعْلَكِ قَالَتْ خَيْرَ الرِّجَالِ أَوْ كَخَيْرِ الْبُعُولَةِ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا، وَلَمْ يَعْرِفْ لَنَا فِرَاشًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَعَذَمَنِي وَعَضَّنِي بِلِسَانِهِ فَقَالَ: أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ حَسَبٍ فَعَضَلْتَهَا وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم فَشَكَانِي فَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي: «أَتَصُومُ النَّهَارَ». قُلْتُ نَعَمْ قَالَ: «وَتَقُومُ اللَّيْلَ». قُلْتُ نَعَمْ قَالَ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَمَسُّ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه البخاري [1131]، مسلم [1159]، أبو داود [1388]، الترمذي [770]، النسائي [1630]، ابن ماجة [1346]).

وهذا علي بن الفضيل بن عياض وكان شابًا من خيرة الشباب، قال عنه الذهبي: "من كبار الأولياء، كان قانتًا لله، خاشعًا، وجلاً، ربانيًّا، كبير الشأن" (سير النبلاء[ 8/443]).
وروى ابن أبي الدنيا أن فضيل بن عياض قال: "بكى علي ابني فقلت: يا بني ما يبكيك؟ قال: أخاف ألا تجمعنا القيامة" (الحلية [8/297]، سير النبلاء [8/444]). 
وعنه أن فضيل بن عياض قال: "أشرفت ليلة على عليٍّ، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ وقال لي: يا أبي سل الذي وهبني لك في الدنيا أن يهبني لك في الآخرة؛ ثم قال: لم يزل منكسر القلب حزينًا. ثم بكى الفضيل، ثم قال: كان يساعدني على الحزن والبكاء، يا ثمرة قلبي، شكر الله لك ما قد علمه فيك" (الحلية [8/299]، سير النبلاء [8/444]).
وكذا الأئمة الأعلام كأبي حنيفة، النعمان بن ثابت، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة، لهم نصيب من الزهد والورع والتقوى، وحسن العبادة ما سطرته أقلام المؤرخين.
"قال يحيى بن معين عنه: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يُتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيًا.
وهذا من ورعه وخشيته لله، واليوم كثير من الناس لا يتورع عن أن يكون قاضيًا حاكمًا بين الناس! نسأل الله العفو والعافية.
وروى الخطيب البغدادي: أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه. وقد مكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة" (البداية والنهاية [10/110]).

وكذا الملوك والأمراء الشباب لهم من هذا نصيب فهذا "الملك العادل نور الدين محمود وقد كان شابًّا مجاهدًا، ورعًا، كثير الصلاة بالليل من وقت السَّحَرِ إلى أن يركب للجهاد في سبيل الله، وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون تكثر القيام في الليل فنامت ذات ليلة عن وردها فأصبحت وهي غَضْبَى، فسألها نور الدين عن أمرها فذكرت نومها الذي فوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السَّحَر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى الضارب على الطبلخانة أجرًا جزيلاً، وجراية كثيرة" (البداية والنهاية [12/299]).

فهنيئًا لهذه الأمة شبابها من العلماء والملوك والأمراء والصناع والعمال الأوفياء، والمجاهدين الأجلاء، والصالحين الأتقياء، وهنيئًا لها دولة العلم والإيمان، والصدق والإخلاص، وهنيئًا لها القوة والمجد والعزة والرفعة.    

علو في الحياة وفي المماتِ *** لحق تلك إحدى المعجزات

فيجب علينا معاشر المسلمين تجاه شباب اليوم أن ننمى منهم ما كان صالحًا، ونصلح منهم ما كان فاسدًا، فإذا صلح الشباب وهو أصل الأمة الذي يُبْنى عليه مستقبلها، وكان صلاحه مبنيًّا على دعائم قوية من الدين والأخلاق؛ فسيكون للأمة مستقبل زاهر، ولشيوخها خلفاء صالحون إن شاء الله.
فأسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يرزق الأمة شبابًا كهؤلاء؛ ليستأنفوا إعادة بناء تاريخ الأمة التلبيد المجيد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ

المصدر: صيد الفوائد