أصحاب الأخدود في غزة!!

منذ 2008-01-27

ما عذرنا في تركهم في حصارهم، وكان من المفترض أن يكون ألمنا كألمهم، وإصابتنا كإصابتهم، وجرحنا كجرحهم؟!!


لعل المتابع لحصار إخواننا المسلمين في غزة يجد أوجه الشبه كبيرة بينه وبين ما أخبرنا ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البروج من حصار للمؤمنين في قرية من قرى اليمن، ثم إبادتهم جميعًا عن طريق التحريق..

قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة البروج: 1- 9].

وإذا كان التحريق الذي حدث أيّام أصحاب الأخدود قد تمَّ بالحطب والأخشاب، فهو يتم الآن على نطاق واسع بالقنابل والصواريخ وقاذفات اللهب والأسلحة المحرمة دوليًّا.

وإذا كان المُحاصِرون للمؤمنين في قصة الأخدود هم مجموعة من الكفار الظالمين، فالمُحاصِرون اليوم طائفة من أشد النّاس عداوةً للمؤمنين، وهم الذين قُرنوا مع المشركين في عداوتهم للمسلمين، بل بدأ الله بهم ليشير إلى شدة ظلمهم وعدوانهم؛ قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [سورة المائدة: 82].

إنّ الشيء الوحيد الذي ذكره ربّنا سبحانه وتعالى ليكون سببًا لكراهية المشركين للمؤمنين هو إيمان المؤمنين بالله؛ فقال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة البروج: 8]. واليوم لا يتم الحصار إلاّ للذين أعلنوا أنّهم من المؤمنين، أمّا الذين تبنَّوا مناهج علمانية أو شرقية أو غربية أو باعوا القضية تمامًا، وباعوا كل المناهج فإنّهم في بيوتهم آمنون!!

لكن مع شدة الشبه بين حصار أصحاب الأخدود وحصار إخواننا في غزة إلاّ أنّ هناك فروقًا ضخمة بين القصتين تجعلنا نقف وقفةً للتدبر.. فحصار أصحاب الأخدود حدث لطائفة من النصارى المؤمنين، وحدث وسط صمت عالمي من عموم النصارى، وهذا الصمت له ما يبرره؛ فالطوائف النصرانية تختلف فيما بينها اختلافًا جذريًّا يجعل الرابطة القلبية بينها منعدمة، فما أكثر الحروب بين الكاثوليك والأرثوذكس، وبين الكاثوليك والبروتستانت، وبين الكنيسة الأرثوذكسية والأرمنية، وبين طوائف الأرثوذكس نفسها!! وهكذا ممّا ذكره ربنا في قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [سورة المائدة: 14].

إنّ الله عز وجل كتب أن تظل العداوة بين قلوب النصارى إلى يوم القيامة، وهذا قد يبرر عدم انتفاض النصارى من هنا وهناك للدفاع عن إخوانهم في اليمن عند تحريقهم بالنّار، ولكن ما عذر المسلمين في سكوتهم عما يحدث في فلسطين وقد ألَّف الله عز وجل بين قلوبهم، وعدَّ هذا التأليف نعمةً أغلى من كل ما في الأرض؟!!

قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [سورة الأنفال: 63]، بل إنّ الله عز وجل جعل هذه المودة والألفة شرطًا لدخول الجنّة، فلا يصلح أن ندخل الجنّة دون أن نحب إخواننا.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا...».

ما عذرنا في تركهم في حصارهم، وكان من المفترض أن يكون ألمنا كألمهم، وإصابتنا كإصابتهم، وجرحنا كجرحهم؟!!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحُمَّى والسَّهَرِ».

إنّه إن عُذِر العالم في ترك أصحاب الأخدود يحرقون، فلا يُعذر المسلمون لترك إخوانهم في غزة يُحاصَرون ويُقتلون!!

ثم إنّ العالم في أيّام أصحاب الأخدود كان لا يسمع بالقصة إلاّ بعد انتهائها؛ فالمسافات بعيدة، والاتصالات منعدمة، أمّا الآن فنحن نشاهد الحريق وقت حدوثه، والقنبلة وقت سقوطها، والشهيد وقت ذبحه، والدار وقت هدمها، فما عذرنا؟!

لا أشك أنّ السؤال أمام الله عز وجل عن هذا الحصار سيكون طويلاً! لا أشك أنّه سيكون عسيرًا! ولا بد لكل مسلم أن يُعِدَّ للسؤال جوابًا!

إنّه ليس أقل لكل مسلم أن يرفع يده بالدعاء لإخواننا هناك أن يثبِّت الله أقدامهم، ويفك حصارهم، وينصرهم على عدوهم..

إنّه ليس أقل لكل مسلم أن يُسهِم في تخفيف كوارثهم بما يستطيعه من مال ونفقة، فهو جهاد حقيقي في سبيل الله..

إنّه ليس أقل لكل مسلم أن يتحدث في كل مكان عن فلسطين، وما يحدث بها بدلاً من الحديث عن كأس الأمم الإفريقية، أو غيرها من الأحداث التافهة التي لا يستقيم لأمة تُذبح أن تتحدث عنها.

ثم إنّه ليس أقل لكل مسلم أن يعود من جديد لتفعيل مقاطعة أي منتجات يهودية أو أمريكية؛ فليس من المعقول أن يزور "بوش" البلاد الإسلامية ليدعم الكيان الصهيوني بكل طاقته سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ثم نجد المسلم لا يستطيع أن يمتنع عن كوب من المياه الغازية أو حذاء من المصانع الأمريكية!!

إنّ القضية جادة، وإنّ الأمر جَلَل، وإنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وإنّنا كلنا عائدون إلى الله..

أمّا الحكام المسلمون الذين ينظرون وكأنّهم لا يبصرون، والذين أَلِفوا الذل والهوان، ورضوا بالدنية في دينهم وعرضهم؛ فهؤلاء لا أشك أنّ حسابهم عند الله عسير، ومهما طالت بهم الأيّام فلا بد لهم من وقوفٍ بين يدي مَن لا يغفل ولا ينام.. قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [سورة إبراهيم: 42].

21/01/08

موقع قصة إسلام


المصدر: موقع قصة إسلام

راغب السرجاني

أستاذ جراحة المسالك البولية بكلية طب القصر العيني بمصر.