موعظة لقمان الحكيم

منذ 2014-04-29

فهذا وعظٌ مستقى من كتاب ربكم، فاقرؤوا كتاب الله قراءة المتدبر الذي يريد أن يعمل، لا قراءة المتصفح المتفكه بما في الكتاب من قصص وحكايات، بل اقرءوا كتاب ربكم قراءة العامل المتدبر، وقراءة قارئٌ يقرأ ليفقه ثم ليعمل، ثم لينجو أمام ربه، وليكون القرآن حجة له لا عليه، أسأله جل وعلا أن يجعل كتابه حجة لنا جميعاً لا حجة علينا.

إن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يذكّر وأن يعظ، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63]، وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر من ربه، فكان يعظ خير المواعظ، حتى إن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا..." فذكر الحديث. وكان الوعظ أيضًا من شأن الأنبياء عمومًا، فقد خرج نبي الله موسى عليه السلام ذات يوم إلى بني إسرائيل فوعظهم موعظة بليغة حتى ذرفت الدموع على اللحى، فكان ولا يزال الوعظ عملاً مأمورًا به أمر الله به في كتابه، وفعله رسولنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم في سنته. وخير وعظ دوماً وعظ يُستقى وتُستقى مادته من كتاب ربنا ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ الله تعالى قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45]، وقال تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية:6].

 

وبين أيدينا موعظة لقمان الحكيم لابنه، وبين يدي الموعظة يقدم ربنا سبحانه وتعالى ثناءً على الواعظ حتى تتقبل موعظته، وتبلغ محلها من القلوب، فيقول تعالى مقدماً تلك الموعظة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12]، يثني ربنا سبحانه وتعالى على الواعظ الحكيم لقمان فيقدم مقدمةً بين يدي تلك الموعظة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12]. فيذكر ربنا أنه آتى لقمان الحكمة؛ فعلى ذلك يستعد لاستقبال ما يعظ به لقمان، فالذي أثنى عليه هو ربه تبارك وتعالى، فمن ثمّ ينبغي أن تستقبل موعظته بآذان صاغية واعية.

 

أما عن لقمان فلم يرد له ذكرٌ في الكتاب العزيز إلا في هذا الموضع، ولم يرد له ذكرٌ في الثابت الصحيح -فيما علمت- من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حديث ضعيف: "خير السودان ثلاثة: بلال ولقمان ومهجع مولى عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، إلا أن الخبر لا يثبت، فعلى هذا يكتفى بتعريف لقمان من الوارد في هذه الآيات، بيد أن روايات من الموقوفات على الصحابة أو التابعين ومن الإسرائيليات أفادت مطلقةً على ذلك أن لقمان كان عبدًا أسود حبشيًا قصيراً ذا مشافر -أي: شفاه عظيمة- عظيم القدمين مشقق القدمين، فهذه كلها في الجملة في نظرنا صفات دمامة، إلا أن الحكمة غطت هذا كله، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]. فهو وإن كان أفطس الأنف أسود الوجه ذا مشافر مشقق القدمين لكن الحديث يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «التقوى ها هنا» وأشار صلوات ربي وسلامه عليه إلى صدره ثلاث مرار.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان:12]، فنعم ما أوتي لقمان؛ إذ الله تعالى قال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرً} [البقرة:269]، ونبي الله قال: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». وكل نعمة تحتاج إلى شكرٍ يلائمها ويناسبها، فقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان:12] أي: حتى تزداد عليك هذه النعم قدم لله شكراً يوازيها، وقدم لله شكراً يكافئها. فحتى تزداد علينا نعم ربنا يلزمنا أن نقدم لها شكرا، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [لقمان:12]، عائدة شكرك فعائدة عليك، وشكرك عائدٌ أثره الجميل عليك، وإلا فالله غني عن العالمين، قال تعالى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12]، فإن الله غني عنه وعن شكره، حميدٌ للشاكرين.

 

حث لقمان ولده على التواضع

يقول لقمان لولده ناهياً عن الكبر حاثا على التواضع: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان:18] أي: لا تكلم الناس وأنت معرضٌ عنهم بوجهك، بل كلمهم وأنت مقبل بوجهك عليهم. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط»، قال: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان:18]، بل كلمهم ببشاشة وطلاقة وجهٍِ وإقبالٍ عليهم، فهكذا يعلم لقمان ولده.

قال تعالى عن لقمان: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحً} [لقمان:18] أي: لا تمش مختالاً متعالياً، {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18]. قال تعالى عن لقمان: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان:19]، والمراد: الاعتدال في المشي غير الإسراع الزائد المخل بالتوازن، وغير مشية البطيء المتمارض، وهذا وجهٌ، كما قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، فالمشي المتوسط مشي لا تكاد معه تسقط ويختل منك التوازن، ولا مشية المريض المتباطئ، بل التوسط مطلوب. وهناك وجهٌ آخر أن المعنى: (واقصد في مشيك)، أي: اقتصد في أعمالك فالاقتصاد والسمت الحسن جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]، فليس من الأدب رفع الصوت. قال فريق من العلماء: إن الحمار يبدأ بزفيرٍ لا يبدأ بشهيق، فيكون صوته أسوأ الأصوات وأعلاها، ورفع الصوت تشبه عن التشبه بالحمير.

 

فالوصايا بدأت بعظائم الأمور، فبدأت بالنهي عن الشرك، وانتهت بآداب وأخلاق ومعاملات، وصدق سلمان لما قالت له اليهود: يا سلمان! نرى نبيكم يعلمكم كل شيء، فهل علمكم الخراءة -أي: كيف تقضون الحاجة-؟ قال: أجل علمنا نبينا كل شيء، وعلمنا نبينا كيف نقضي حاجتنا إذا دخلنا الخلاء. وذكر طرفا من آداب ذلك ومنه: (ألا نستقبل القبلة ببول أو غائط ولا تستدبر، ولا نستنجى باليمين، وعلمنا الإيتار عند الاستنجاء)، وذكر جملة الآداب رضي الله تعالى عنه.

فهذا وعظٌ مستقى من كتاب ربكم، فاقرؤوا كتاب الله قراءة المتدبر الذي يريد أن يعمل، لا قراءة المتصفح المتفكه بما في الكتاب من قصص وحكايات، بل اقرءوا كتاب ربكم قراءة العامل المتدبر، وقراءة قارئٌ يقرأ ليفقه ثم ليعمل، ثم لينجو أمام ربه، وليكون القرآن حجة له لا عليه، أسأله جل وعلا أن يجعل كتابه حجة لنا جميعاً لا حجة علينا.

 

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال تعالى عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} [لقمان:17]. فالصلاة هي عمود الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أعظم ركنٍ بعد الشهادتين. وقال تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} [لقمان:17]، أي: لا تتقاعس يا بني عن الأمر بالمعروف، بل أمر بالمعروف وانهَ عن المنكر، ولا تترك يا بني الفساد يستشري، وذكّر الناس بأمر الله، وحذرهم من معصيته، ولا تكن جباناً خواراً ضعيفاً، ولا تكن ساكتاً عن الحق.

والأمر والنهي يستتبعان في الغالب ابتلاءات، فهنا تأتي الوصية بالصبر: (واصبر على ما أصابك). أي: يا بني! إن أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر فابتليت -وأنت تلزم الحكمة والموعظة الحسنة- فاصبر على ما أصابك، كقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3]. فالتواصي بالحق يستتبع بلاءً، فمن ثم جاء الحض على التواصي بالصبر، فدع الجبن جانبا.

فيا معشر الدعاة دعوا الجبن جانباً، ودعوا الخور جانباً، إن الطيب عند الله هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمقيم لحدود الله، أما الساكتون عن الحق فهؤلاء شياطين، والذين يرون المنكرات ويقرونها ولا تهتز لهم شعرة وحدود الله تنتهك وأوامر الله تضيع ليس لهم من الأجر نصيب. إن أمة محمد فضلت على سائر الأمم بقول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110].

ولقد حث ربنا على الأمر بالمعروف وذكّر به، قال تعالى في كتابه الكريم: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]. وقال تعالى: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود:116]، ومعنى (أولوا بقية) أي: من صلاح، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينجيه الله تعالى. وقال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فلماذا ترضون بالدنية في دينكم وتختارون دوماً حالات أضعف الإيمان؟ ولماذا تؤثرون أضعف الإيمان في كل الحالات وقد علمتم أن الآمر الناهي ناجٍ بإذن الله، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:165].

 

تعريف لقمان ابنه بسعة علم الله

يقول لقمان: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16]، فيبين لقمان لولده سعة علم الله سبحانه وتعالى وإحاطته بجميع الأمور، فيقول لولده -وهكذا ينبغي أن نعلم أولادنا، ونعرفهم بربنا-: {يا بني إنها} أي: المعمولة سواءٌ أكانت خطيئة أو حسنة: {إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ} [لقمان:16] أي: فتكن عملت في صخرة: أي: عملتها وأنت داخل صخرةٍ أحاطت بك من جميع جوانبها (أو في السموات أو في الأرض) أي: عملت في صخرة. أو في السماوات، أو في أي مكان في السماوات، أو في أي مكان في الأرض {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} أي: توافى بها يوم القيامة، فأي سيئةٍ عملت في قاع البحار، أو وراء أبواب قد أوصدت، وفي غرف قد أغلقت {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}، فهكذا يعرّف لقمان ولده بربه سبحانه، وهكذا ينبغي أن نعرف أولادنا بربهم وخالقهم، وسعة علمه وإحاطته وعظيم فصله وقضائه وقدره، وأن الأمر كله إلى الله، فهو الذي يعز ويذل، وهو الذي يرفع ويخفض، وهو الذي يوفقك يا بني في الامتحانات، وهو الذي يخذلك إن عصيته، فهكذا نعرف أبناءنا بربنا وخالقنا.

 

أول وصايا لقمان لابنه

بدأت استهلالات تلك الموعظة، بقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ} [لقمان:13] أي: واذكر أيها الذاكر، واذكر يا رسول الله، واذكر يا من تتلو كتاب الله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، هذه أولى وصايا لقمان عليه السلام وأولى وصايا الأنبياء، وآخر وصاياهم كذلك، قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133]. وفي وصيته أيضاً قال الله تعالى عنه: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132]، فبدأ لقمان في وصيته محذراً من الشرك الذي يحبط الأعمال جميعها، قائلاً: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13].

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [لقمان:14]، ولم يجر هذا على لسان لقمان لحكمة بليغةٍ إذ هو الذي يعظ، فلا يعظ لتعود عليه عائدة من وعظه، حتى لا يُفهم أمره على غير وجهه، فجاءت الوصية بالوالدين من غير لقمان وهو الله تعالى. قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14]، جاء بالتذكير بالوالدة بعد الوالدين؛ إذ هي أحق الناس بحسن الصحبة كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال ثم من؟ قال: «أمك». قال ثم من؟ قال: «أبوك». والوصايا بالوالدين تكررت كثيراً في كتاب ربكم، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً} [الإسراء:23]، وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]. وفي الحديث: "أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قيل: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، فَقُدّم بر الوالدين على الجهاد معشر الكرام، وكذا في أبواب الجرائم، في الحديث: أي الذنب أعظم؟ قال: «الشرك بالله»، قال: ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين». وكان متكئاً فجلس. فقال: «ألا وقول الزور. ألا وقول الزور. ألا وقول الزور»، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت"، فبر الوالدين عملٌ يستشفع به لدفع البلايا والمصائب، و تعلمون أن الثلاثة أصحاب الغار فرّج عنهم بأعمالهم، وكان عمل أحدهم بره بوالديه، وأويس الذي كان به برص دعا الله فشفاه من البرص بسبب بره بوالدته، والنصوص في هذا متظافرة متكاثرة.

قال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان:14] أي: ضعفاً على ضعف، قال تعالى: {وَفِصَالُهُ في عامين} [لقمان:14] أي: وفطامه في عامين، وهو آخر أمد من الرضاعة كما قال الجمهور من العلماء، فكل رضاعةٍ بعد الحولين لا تحرم على الصحيح من قول الجماهير. قال تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]، فقدم شكراً أيها المرء لربك، ثم قدم شكراً لوالديك.

ثم قال تعالى مبيناً أمراً: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفً} [لقمان:15]، فطاعة الله فوق كل طاعة، ثم طاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام من طاعة الله، وهي فوق كل طاعة كذلك، ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهي قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَ} [لقمان:15]، فقد أسلم سعد وكان من السابقين رضي الله عنه، وأبت أمه إلا الكفر، فدعته فقالت له: يا سعد: يا بنيّ: ما هذا الدين الذي اعتنقت؟ وكان بارّاً بأمه لتراجعن نفسك، ولترجعن عن دينك أو لأمتنعن عن الطعام وعن الشراب حتى أموت فتعيّر ويقال لك: يا قاتل أمه. فقال لها سعد: يا أمي! لن أرجع عن ديني إن شاء الله ما حييت، فامتنعت عن الطعام يوماً وليلة، فأصبحت وقد أجهدت، ثم واصلت الامتناع يوماً آخر وليلة، ويوماً ثالثاً وليلة، حتى كانوا يفتحون فمها بالقوة ويصبون لها الطعام والشراب، ففي بعض الروايات عند الطبراني أنه قال: والله -يا أميّ- لو أن لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفسا ما تركت دين محمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فأكلت.

وفي ذلك نزلت: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَ} [لقمان:15]، فلا طاعة في معصية الله، ولكن مع ذلك: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، ثم قال تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان:15] أي: اسلك سبيل الصالحين، اقتفِ آثار الصالحين، اعمل كعمل الصالحين، كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، وكما قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115]، فللمؤمنين سبيلٌ ينبغي أن يُسلك.

يقول تعالى: {ثم إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15]، أي: مرجع المطيعين وكذا مرجع العصاة، وإليّ مرجع الآباء وكذا مرجع الأبناء، {فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.