آداب الدعاء

منذ 2014-05-07

وحينما يدعو الإنسان ينبغي عليه أن يمتثل ما أمر الله -عز وجل- به: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] أدعوه دعاء الضارع الذليل الخائف تضرعاً وخفية {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، إذن فللدعاء آداب فنتعلم بعض منها.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
يقول الله -عز وجل-: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54]، فتعرف إلى خلقه وإلى عباده بعظمته -سبحانه وتعالى-، وأنه العظيم الأعظم، ولما نبههم على هذا الأمر قال لهم بعده: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55] فأمر الله -عز وجل- عباده المؤمنين بدعائه متضرعين إليه مخفين هذا الدعاء، أدعوه تضرعاً، التضرع: هو التذلل والخضوع، وإظهار المسكنة والضعف.

فالمسلم ينبغي عليه أن يدعو ربه؛ لأنه متعبدٌ بذلك من جهة: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] ولأنه من جهة أخرى مفتقرٌ كلَ الافتقار إلى ربه ومالكه -جل جلاله-، فهو لا يستغني عن لطفه ورحمته طرفة عين، فهو بحاجة إلى دعاء دائماً، وحينما يدعو الإنسان ينبغي عليه أن يمتثل ما أمر الله -عز وجل- به: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] أدعوه دعاء الضارع الذليل الخائف تضرعاً وخفية {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، فإذا دعا الإنسان ربه فينبغي أن يظهر عليه من الخنوع والخضوع، والخشوع والذل والانكسار ما يناسب عبوديته، وإذا دعا فإنه لا يليق به بحال من الأحوال أن يدعو دعاء المدلي على ربه، أو دعاء من يخاطب إنساناً مثله، أو ممن هو دونه، إنما هو يتضرع إلى ربه -جل جلاله–، وهو العظيم الأعظم.
{تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف:55].

 

والإخفاء مطلوب في الدعاء إلا إذا كان ثمة من يؤمن على هذا الدعاء، ثم إن هذا الرفع إذا احتيج إليه لوجود من يؤمن على هذا الدعاء فلا ينبغي أن يكون رفعاً زائداً، سواءً كان ذلك من جهة الداعي، أو من جهة المؤمن على هذا الدعاء؛ لأن المؤمن داعٍ، وأما رفع الأصوات رفعاً زائداً، والضجيج في المساجد، ورفع المأمومين الصوت بالتأمين رفعاً زائداً فهذا أمرٌ يتنافى مع الأدب مع الله عز وجل، ويتنافى مع قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف:55] ولما رفع الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم رفعاً زائداً في كل مكان يرتفعون عليه، أو ينخفضون؛ بالتكبير والتسبيح ونحو ذلك، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا أبكماً ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (أخرجه البخاري في كتاب الدعوات باب: الدعاء إذا علا عقبة (6021)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب: استحباب خفض الصوت بالذكر (4/2076)(2704) بدون جملة: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وهي عند الإمام أحمد (4/402))، ثم قال الله -عز وجل-: {إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55] و(إنَّ) هنا مشعرة بالتعليل، وهي تدل على التوكيد، وهذا يدل على أن رفع الأصوات من غير حاجة أنه من الاعتداء في الدعاء، وأن الدعاء بأسلوب يتنافى مع الأدب مع الله -عز وجل- من غير ضراعة أن ذلك يعد من التعدي في الدعاء.

أنواع الاعتداء في الدعاء:


ويدخل من ألوان التعدي تحت قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [(55) سورة الأعراف] شيءٌ كثير، فمن ذلك:

1- ما يفعله بعض الناس من سرد الأسماء الحسنى، أو ما يحفظونه من الأسماء الحسنى، فيسردون عشرات الأسماء الحسنى، ويتكلفون لكل اسم دعاء في القنوت مثلاً، وتبقى المسألة فرجة يجتمع حتى من لا يصلي عند المسجد في وقت الدعاء -ببعض البلاد- ثم يستمعون إلى هذا المهرجان، فهذا أمرٌ لا يليق.


2- وكذلك ما يفعله بعض الناس في دعائهم حيث أنهم يحولون الدعاء إلى موعظة، فيذكرون ما يستجيش المشاعر، فيتحدثون عن القبور وعن الدود، وعن التراب واللحود، وإذا سالت العيون، وسكنت الجفون، وأشياء كثيرة جداً يحركون بها القلوب والمشاعر، فالدعاء ليس موعظة، وإنما هو سؤال وتضرع، وافتقار إلى الله -تبارك وتعالى-، وليست المسألة ذوقية أو مزاجية حتى تعجب الناس، المسألة دين وشرع، أنت تريد أن يستجاب هذا الدعاء فلا تعتد فيه.


3- ومن ذلك أيضاً أن الإنسان أحياناً لربما تكلف في الدعاء أموراً لا ينبغي أن يتكلفها، كأن يذكر تفاصيل زائدة: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وأعمامنا وعماتنا، وأجدادنا وجداتنا،.. إلى آخره، ويسرد الجيران وغيرهم و.. و... إلخ، فهذا لا يليق.


ثبت عن عبد الله بن المغفل رضي الله عنه أنه سمع ابن له يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة" فبين له حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي قوم يعتدون في الدعاء، وقال له: "يا بني سل الله الجنة" فإذا دخلت الجنة فاسأل الله القصر الأبيض أو غيره (أخرجه أحمد (4/86).


وكذلك دنو الهمة، وقد سمعت بعض العجائز تقول: "اللهم أدخلني في صاير الجنة" وصاير الجنة في لهجتها أي في مؤخرة الباب في المكان الذي يغلق فيه الباب من الخلف، فهذا دنو همة ولا يليق، وفضل الله أوسع، وإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فينبغي للإنسان أن يرفع همته، والله هو الكريم الأكرم، والعظيم الأعظم.


وكذلك تعليق الدعاء بالمشيئة: "اللهم أدخلني الجنة إن شئت" فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهكذا كأن يسأل ربه أمراً ممتنعاً في العادة، كأن يقول: اللهم ارزقني الولد من غير أن يتزوج، أو أن يسأل أمراً يمتنع شرعاً كأن يدعو لأحد من الكفار أن يدخله الله الجنة، فالجنة محرمة على الكافرين، أو أن يدعو على أحد من المسلمين أن لا يدخله الله الجنة، فهذا أمرٌ لا يكون؛ لأن الله وعد المؤمنين بالجنة، فهذا من الاعتداء في الدعاء.


4- ومن ذلك الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم.

5- ومن ذلك أن يعجل الإنسان في دعائه فيقول: "دعوت فلم يستجب لي" فهذا من أسباب رد الدعاء، وهو سوء أدب وسوء ظن مع الله -تبارك وتعالى-.


6- ومن ذلك أيضاً أن يسأل أمراً يخالف السنن الكونية، وأخشى أن يكون دعاء كثير من الأئمة: اللهم اجعل الكفار وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، إيش غنيمة للمسلمين؟ هذا يخالف السنن الكونية، نحن في شهواتنا غارقون كيف يجعلهم غنيمة لنا وقد أخذوا بجميع أسباب القوة، وتمكنوا في الأرض، ونحن في غاية الضعف والتخلف؟ كيف يكونون غنيمة لنا؟ فلا يكونون غنيمة لنا إلا إذا أخذنا بجميع أسباب القوة المادية والمعنوية، والله له سنن، والنبي صلى الله عليه وسلم يتضرع في غزوة بدر حتى يسقط رداءه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ بجميع أسباب القوة، ويقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني به، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» (أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم (3/1383)(1763))، وغير ذلك..

 

ونحن جالسين في شهواتنا، وفي أهوائنا، وفي مشاكلنا، وفي بعدنا عن الله، وعدم الأخذ بأسباب القوة، ثم نقول: اللهم اجعلهم غنيمة باردة للمسلمين، هكذا كلهم في جميع مشارق الأرض ومغاربها، فلو دعينا على فئة على الأقل منهم كان ذلك مقبولاً، أما جميعهم ليكونوا غنيمة لنا فنحن لا نستحق ذلك؛ لأننا لم نأخذ بأسباب القوة، ولم نتأهل لهذا المستوى، الدعاة أنفسهم بينهم من الخلاف والشر ما الله به عليم، فكيف بعامة الناس؟! فالله له سنن، النصر لا يأتي ونحن جالسون، نقول: اللهم اجعلهم غنيمة باردة للمسلمين، إلا إذا كان هذا على فئة معينة منهم اعتدت على المسلمين فهذا ممكن، أما الجميع هكذا فهذا له سنن لا يتعداها.


7- وهناك صور أخرى من الاعتداء في الدعاء، ومن ذلك تكلف البكاء، فالإنسان يمكن أن يتكلف البكاء إذا كان يصلي منفرداً، أما إذا كان مع الناس ويتكلف البكاء فيخشى أن يدخل هذا في باب الرياء.


أيوب السختياني كان ينشج نشيجاً إذا صلى في الليل لو أعطي الدنيا على أن يسمعه أحد ما فعله، في بيته يسمع له نشيج، صوت البكاء، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع له أزيز في صدره، ما كان يتكلف البكاء أمام الناس، فهذه قضية يخشى أن تدخل في هذا الموضوع، وبعض الناس يرفع صوته بالبكاء رفعاً زائداً كأنه جالس في مكان سخب أو مأتم أو نياحة، وهذا أمر لا يليق، وقد رأيت بعضهم قطع الصلاة من شدة البكاء، فهذا أمر لا يليق أن يفعله المسلم، والمسألة ليست عواطف، القضية قضية شرعية ينبغي أن تضبط بضابط الشرع حتى تقبل العبادة.


8- وهناك صور أخرى كأن يسأل الإنسان ربه أمراً ممتنعاً عقلاً هذا لا يكون، أو تحصيل حاصل، كأن يقول مثلاً: اللهم أدخل الكفار النار هو سيدخلهم النار بغير دعائك هذا، فهذا تحصيل حاصل، وهكذا في صور مختلفة.


9- وأخشى أن يكون تزيين الصوت بالدعاء من الرياء فلا أعرف له أصلاً، تلحين الدعاء، كأن يجعل الدعاء على هيئة الآيات التي تقرأ، يرتل الدعاء وإنما ينبغي أن يلقى الدعاء دعاءً جزلاً في إلقاء جزل؛ وفيه خضوع لله -عز وجل- وخنوع وانكسار وتذلل، وأيضاً فيه تأدب في الصوت والنبرة لا يرفع رفعاً زائداً، وإنما يسمع من وراءه دعاء الخاشع الخائف الذليل، ثم يؤمن من خلفه تأميناً مناسباً لائقاً مع مقام المعبود الذي يناجونه ويقفون بين يديه -سبحانه وتعالى-، أما رفع الأصوات بالبكاء الشديد وبعضهم إذا ذهب إلى بعض المساجد رأيته يعبي جيوبه من المناديل؛ لأنه يتهيأ لنياحة! فهذا أمر لا يحسن ولا يليق، وكثير من الناس يجرون مع العواطف، ولا ينضبطون بالضوابط الشرعية.


وهناك صور أخرى غير هذه، لكن لا أحب الإطالة عليكم، وقد أطلت، أسأل الله -عز وجل- أن يتقبل منا ومنكم، وأن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، وأن يجعلنا هداة مهتدين.


تنبيه:
وأنبه إلى ما ذكر الله بعد هذه الآيات من قوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] فالإفساد في الأرض، والدعاء من غير خوف، ومن غير طمع هذا كله من مضنة رد الدعاء، كما ذكر الله -عز وجل-، فالإنسان الذي يريد أن يستجاب دعاءه ينبغي أن يكون صالحاً مصلحاً، لا يكون مفسداً في الأرض ويرفع يديه ويقول: يارب يارب، والله -عز وجل- يمقته ويرده خائباً، نسأل الله ألا يردنا وإياكم خائبين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



 

خالد بن عثمان السبت

أستاذ مشارك في جامعة الإمام عبد الرحمن الفيصل بالدمام قسم التفسير والدراسات القرآنية