همسات إلى الداعيات (1)

منذ 2014-05-12

والمرء المسلم يجب ألا يخوض غمار الدعوة إلى الله تعالى دون بصيرة، بل يجب أن يسلك نفس المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتعلمه ويحذق فيه حتى لا يُنفر الناس من دعوته بدل أن يجذبهم. فإليكِ أخيتي الداعية بعض الهمسات التي تعينك في طريق الأنبياء والمرسلين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدعوةُ همٌ كبير لا يحملُ عبئه إلا القليل.. والدعوةُ فنٌ لا يُجيده إلا ثلةٌ من المصطفين المُتبعين للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]. فالدعوة إلى الله تعالى هي نهج النبي الكريم وأتباعه من الصحابة والتابعين، ومع ذلك عزفَ الكثير من أبناء الأمة عن هذا النهج الطيب وهذا الخير العميم إما تكاسلًا أو جهلًا. والحق يُقال فإن الدعوة ليست بالأمر الهين الذي يمكن أن يجيده الجميع، ولكنها فضل الله تعالى يُؤتيه من يشاء من عباده.

إن الدعوة إلى الله تعالى هي أسمى غاية وأشرف وظيفة.. قد تتعدد وسائلها وتتنوع طرقها ويبقى المنهج واحدًا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].

والمرء المسلم يجب ألا يخوض غمار الدعوة إلى الله تعالى دون بصيرة، بل يجب أن يسلك نفس المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتعلمه ويحذق فيه حتى لا يُنفر الناس من دعوته بدل أن يجذبهم. فإليكِ أخيتي الداعية بعض الهمسات التي تعينك في طريق الأنبياء والمرسلين.

 

(1)

الأقربون أولى بالدعوة

استعمل إبراهيم عليه السلام في دعوته الناس إلى إخلاص العبادة لله تعالى أنجح الأساليب، وأحكم الطرق، وخير الوسائل التي تهدي إلى الرشد. كما استعمل مع كل مُخاطَب الخطاب الذي يقتضيه حاله، والمنطق الحكيم الذي يوصل إلى الحق وإلى طريق مستقيم. فأنت تراه وهو يدعو أباه إلى وحدانية الله تعالى يخاطبه بأرق عبارة، وبألطف إشارة، وبأبلغ بيان فيقول له كما جاء في سورة مريم: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:42- 45]. ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه:

"انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورّطًا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقل وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة: كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن.

وذلك أنه طلب منه أولًا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، حيث عبد ما ليس به حس ولا شعور.

ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقًا به متلطفًا فلم يُسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم وشيئاً منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أُنجك من أن تضل وتتيه.

ثم ثلّث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل.

ثم ربّع بتخويفه سوء العاقبة وبما يجرُّه ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لاحِق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: أخاف أن يمسك عذاب. وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: {يا أبتِ} توسلاً إليه واستعطافاً".

وهكذا نرى إبراهيم عليه السلام لم تمنعه الأبوة من أن ينكر على أبيه ما هو فيه من باطل، ليعلمنا أنه ليس من الأدب مع الآباء تركهم وما هم فيه من ضلال، ولئن كان هذا الإنكار يُغضِب الآباء، إلا أنه محل رضا الخالق عز وجل، وحقه سبحانه فوق حقوق الآباء، وإرشاد الآباء والأقارب إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، مقدم على إرشاد غيرهم (من كتاب القصة في القرآن الكريم: للدكتور: محمد سيد طنطاوي رحمه الله).

 

همسة:

أختي أيتها الداعية.. يا من اخترتِ هذه الطريق الطيبة.. ما كان نصيب أبويك من دعوتك؟؟

هل بدأتِ بدعوتهما قبل دعوة الآخرين؟ هل ألنتِ لهم الكلام؟ أم أنكِ إن رأيتِ منهم معصية سارعتِ بنقدهم نقدًا لاذعًا وتهكمتِ عليهم وأسأتِ الأدب وأغلظتِ لهم القول؟

فما هكذا تورد الإبل يا غالية.. إن الوالدين أحق بدعوتك يا طيبة.. تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر ولكن بأدبِ جم، ولعل أنفع الطرق لدعوتهم هي البر بهم عن طريق الأفعال والأقوال، وكم من الآباء والأمهات الذين كانوا على غير ملةِ الإسلام ثم دخلوا في الإسلام نتيجة لبر أبنائهم المسلمين بهم. فما بالك بمن هو مسلمٌ أصلًا.. ألن تستطيعي استمالة قلبه بكلمة طيبة وفعلٍ حسن؟؟

لقد أوصانا الله تعالى بالوالدين وببرهما حتى وإن لم يكونا مسلمين؛ قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]. ولتتخذي من أبيكِ إبراهيم عليه السلام أسوة في ذلك الأمر.