يا بني القسام.. لا تدخلوا من باب واحد

منذ 2008-05-03

الشهادة أم البقاء؟ ربما هذا التساؤل يجول في خاطر كل واحد منكم يا بني القسام...


الرسالة: يا بني القسام.. لا تدخلوا من باب واحد


الشهادة أم البقاء؟ ربما هذا التساؤل يجول في خاطر كل واحد منكم يا بني القسام...

لا شك أنّ الموت نهاية كل حي، وما من مؤمن يموت يتمنى أن يرجع إلى هذه الحياة إلاّ الشهيد، فالشهادة أسمى صور الموت، قال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا ولا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ في الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» [أخرجه البخاري ومسلم].

ولطالما تسمع وترى من المجاهدين حرصهم على الشهادة في سبيل الله، وكيف لا يكونون كذلك وهم يسمعون آيات الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث على الجهاد ومقارعة الأعداء المعتدين، قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ مَعَايِشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ في سبيل الله وَيَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أو فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ إِلَيْهَا يَبْتَغِي الْمَوْتَ أو الْقَتْلَ مَظَانَّهُ ...» [أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني]، وفي رواية المسند: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً».

وقد حذرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم من مجرد عدم تحديث النفس بالغزو فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ» [أخرجه مسلم]، ولقد بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر حتى لو أدى بهم ذلك إلى الموت في سبيل الله، ففي البخاري أنّ نافِعًا سُئل على أي شيء بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عَلَى الْمَوْتِ؟ قَالَ: «لا، بَلْ بَايَعَهُمْ على الصَّبْرِ»، وفي حديث سلمة في البخاري أيضا يثبت البيعة على الموت، ويجمع ابن حجر رحمه الله بين الروايتين بقوله: "لا تَنَافِي بين قولهم بَايَعُوهُ على الموت وعلى عَدَم الْفِرَار، لأن الْمُرَاد بِالْمُبَايَعَةِ على الموت: أن لا يَفِرُّوا وَلَوْ مَاتُوا، وَلَيْسَ الْمُرَاد أن يَقَع الْمَوْت ولا بُدّ، وَهُوَ الذي أَنْكَرَهُ نَافِع وَعَدَلَ إلى قَوْله: «بل بَايَعَهُمْ على الصَّبْر» أَيْ: على الثَّبَات وَعَدَم الْفِرَار سَوَاء أَفْضَى بِهِمْ ذَلِكَ إلى الْمَوْت أَمْ لا، وَاللَّه أَعْلَم".

خذوا حذركم:

إنّ المجاهد ينبغي أن يدرك أنّ الموت ليس هدفًا بذاته، كما أن ابتغاء مظان الموت ليس انتحارًا، وليس تمني الشهادة يأسًا من الحياة، كما أنّ الأخذ بالأسباب لا ينافي الشجاعة وأن عدم الحيطة والحذر لا يُعد إقدامًا.

ألم يشرع الله عز وجل لنا صلاة الخوف، ألم تذكر صفتها في كتاب الله مفصلة، ألم يلبس رسولنا صلى الله عليه وسلم درعين يوم أحد، ألم يحفر الخندق، ألم يكن إذا أراد غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا؟

أما أمر الله عز وجل بأخذ الحذر ثم أمر بالنفير، ليعلم المخذلين والمتقاعسين والقاعدين أن لا تنافي بينهما بل إن من الحذر النفير، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [سورة النساء: 71]. قال القرطبي: "أمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} فعلمهم مباشرة الحروب. ولا ينافى هذا التوكل بل هو عين التوكل. قال ابن عباس: فانفروا ثبات، أي : عصبًا، سرايا متفرِّقين، أو انفروا جميعا. يعنى: كلكم. وهذا النفير أفرادا أو جماعة يتبع المصلحة والنكاية بالعدو".
بل إن الأمر بالنفير هنا سبقه وصف لأحوال المنافقين ومناصريهم، وتبعه تحذير من المبطئين، وهذا يدل على خطرهم ووجوب الحيطة والحذر منهم.

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة:

يا بني القسام.. إنا نرقبكم اليوم ونستذكر دعاء رسولنا صلى الله عليه وسلم يوم بدر يوم أن وقف وهو ينظر إلى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رجلاً فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللهم إِنْ تهلك هذه الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرض فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ من وَرَائِهِ وقال: يا نبي الله كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فَأَمَدَّهُ الله بِالْمَلَائِكَةِ» [أخرجه مسلم]. إنا لا نريد أن تهلك تلك العصابة من أهل الإسلام مع يقيننا بأن الله ناصر جنده وممدهم بعونه وملائكته وجنده، وما يعلم جنود ربك إلا هو.

فاطلبوا الموت مظانه، وأقدموا، وسطروا للأمة مجدها، وارسموا بدمائكم الطاهرة ملامح نصرها، و«ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فإن أَبَاكُمْ كان رَامِيًا»، ولا تجبنوا عن القتال فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة: 195]. قال ابن عباس رضي الله عنه: قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكنْ الإمساك عن النفقة في سبيل الله.

وعند أبي داود و الترمذي وغيرهما، من طريق أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه !! لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب رضي الله عنه يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية؛ فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.

ولما فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن التهلكة ترك الجهاد، طلبوا الشهادة ومن ذلك ما فعله أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد إذ قال: "واهاً لريح الجنة إني لأجده دون أحد"، ثم خاض في المشركين حتى قتل، وفي جسده بضع وثمانون ما بين ضربة، وطعنة، ورمية، ليس بينها واحدة في ظهره.

وفي يوم اليمامة لما تحصّن مسيلمة الكذاب ومن معه في حديقة ذات أسوار، قال البراء بن مالك لأصحابه: "ضعوني في الجحفة، وألقوني إليهم ـ أي من فوق السور ـ". فألقوه عليهم، فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها‏:‏ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين؛ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين‏‏".

اللهم سلمهم وغنمهم:

وبالرغم من تلك المعاني العظيمة من طلب الشهادة في مظان الموت، والمبايعة على الصبر حتى الموت، فهاهو أبو أُمَامَةَ رضي الله عنه يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يذهب في الغزو فيقول: يا رسول الله ادْعُ الله لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ»، قال أبو أمامة: فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، قال ثُمَّ أَنْشَأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزْوًا ثَانِيًا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رسول الله ادْعُ الله لِي بِالشَّهَادَةِ، فقال: «اللهم سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ»، قال: ثُمَّ أَنْشَأَ غَزْوًا ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يا رسول الله: إِنِّي أَتَيْتُكَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَدْعُوَ الله لِي بِالشَّهَادَةِ فَدَعَوْتَ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُسَلِّمَنَا وَيُغَنِّمَنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا يا رسول الله فَادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فقال: «اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ»، قال: فَسَلِمْنَا. [أخرجه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح].

لا تتمنوا الموت... واسألوا الشهادة:

يا بني القسام: إن كل يوم في عمر أحدكم نحسب أنه يزداد فيه طاعة، ويُعد فيه من العدة ما يغيظ اليهود وأعوانهم، وما يزيد الأعداء ضعفا ووهنا، وبقاؤكم يكثر من سواد المرابطين، وانظروا إلى الصحابة رضي الله عنهم إذ عجبوا من رجلين أسلما معاً، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا من الْآخَرِ فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ فرأى طلحة بن عبيد الله في المنام أن الثاني دخل الجنة قبل صاحبه المجتهد فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَلِكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فقال: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟» فقالوا: يا رسول الله هذا كان أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ»، قَالُوا: بَلَى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني].

وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن تمني الموت بقوله: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» [رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني]، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ, وَلا يَدْعُ بِهِ من قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مات أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا» [رواه مسلم]. وعند البخاري بلفظ: «لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الموت، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّه يَسْتَعْتِبُ».

كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم تمني الشهادة فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» [أخرجه البخاري]، وها هو سعد بن معاذ رضي الله عنه يدعو بعد أن حكم في بني قريظة فيقول: «اللَّهُمَّ إِن كُنْتَ أَبْقَيْتَ عَلَى نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم من حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا وَإِنْ كُنْتَ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ. قَالَت عائشة: فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ ـ أي جُرحه ـ وَكَانَ قَدْ بَرِئَ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا مِثْلُ الْخُرْصِ ـ أي القرط» [أخرجه أحمد وأصله في الصحيحين]. قال ابن حجر رحمه الله: "وفي قصة بني قُرَيْظَةَ مِنْ الْفَوَائِدِ وَخَبَر سَعْد بْن مُعَاذ جَوَاز تَمَنِّي الشهادة، وهو مَخْصُوص من عُمُوم النَّهْي عن تَمَنِّي الْمَوْت".

ربح البيع

يا بني القسام.. من نال منكم شرف الشهادة واصطفاه الله لها فقد ربح البيع، كيف لا؟!، والمشتري هو الرحمن، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 111].

وأمّا من لم ينل تلك الشهادة بعد فليعلم أنّ ما خشيه الشهداء على الأحياء هو أن يزهدوا في الجهاد أو ينكلوا، قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم: «‏لما أصيب إخوانكم ‏بأحد ‏جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها ‏‏وتأوي‏ ‏إلى ‏‏قناديل ‏ ‏من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم ‏قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ‏ينكلوا ‏‏عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم قال فأنزل الله: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة آل عمران: 170]» فهل تريدون بلاغا خيرا من هذا البلاغ!، ووعدا أصدق من هذا الوعد! فإن لم تنل الشهادة فاسمع لقول الرسول الكريم: «من طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» [أخرجه مسلم]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» [أخرجه الحاكم]، بل قال عليه الصلاة والسلام: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته» [أخرجه أحمد]. فالله الله في الإخلاص، والله الله في السمع والطاعة.

وأخيرًا فإن يعقوب عليه السلام أوصى بنيه كما ورد في سورة يوسف، قال تعالى: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [سورة يوسف: 67]، وأيا ما كانت تلك الحاجة التي دعته لأمرهم بذلك، لكنه أمرهم بتعاطي السبب وهذا لا ينافي التوكل، ولولا ذلك ما سطرت لكم هذه الكلمات، وعذرًا أحبتي فما كان لمثلي أن يعظكم يا من وعظتم الأمة كلها بأفعالكم وبطولاتكم وصبركم وثباتكم وتضحياتكم وبذلكم وعطائكم، وياليتني شعرة في جسد أحدكم، وياليتني ألقاكم لأُقبِلَ رؤوسكم وأياديكم التي تصنع للأمة كلها العزة والمجد والتمكين بإذن الله، عسى أن تكتحل أعيننا وأعينكم قريبًا برؤية مسرى رسول الله وقد طهر من رجس يهود.




بقلم: زياد بن عابد المشوخي



المصدر: رسائل الزوار