مقوّمات تجديد الإيمان في القلوب

منذ 2014-06-16

الحديث عن الإيمان حديث ذو شجون، وله طعم خاص، حديث يأخذك إلى سمو المعرفة، وعلو المكانة. تسمعه؛ فتشعر أن كل أطراف الجسد تلتف حول قائدها وهو القلب ذلك أنه محل النية ومنطلق الإيمان. تسمعه؛ فتعجز أن تمنع دموع عينيك من الإنهمار، وأعضاء بدنك من الإرتجاف، وحنين فؤادك من الإشتياق...

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

فإن الحديث عن الإيمان حديث ذو شجون، وله طعم خاص، حديث يأخذك إلى سمو المعرفة، وعلو المكانة.

تسمعه؛ فتشعر أن كل أطراف الجسد تلتف حول قائدها وهو القلب ذلك أنه محل النية ومنطلق الإيمان.

تسمعه؛ فتعجز أن تمنع دموع عينيك من الإنهمار، وأعضاء بدنك من الإرتجاف، وحنين فؤادك من الإشتياق.

ذلك أن الحديث عن الإيمان إنما هو حديث عن الصلة التي بين العبد وربه جل وعلا، وماهيّة تلك الصلة، ومدى استمراريتها، وماهي طرق توثيقها.

 

نعم.. كم نحن في حاجة للكلام عن الإيمان في قلوبنا، وما مدى أثره على أقوالنا وأعمالنا ومشاعرنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا.. ذلكم الإيمان، الذي يرقى بصاحبه أعلى القمم، ويبني له ما تحدثت به الهمم، وينزهه عن كل سفول ودنو ولمم، وهنا سأتحدث عن كيف نجدد الإيمان في قلوبنا، ماراً بمجموعة من الأسباب التي تعين المؤمن على تقوية إيمانه بربه تعالى وتوثيق صلته به. والله أسأل التوفيق والسداد.

 

أولاً: لماذا الحديث عن أسباب تجديد الإيمان.

إن الحديث عن تجديد الإيمان ينطلق من مجموعة من المسببات التي تجعلنا نتحدث عنها ومنها مايلي:

1- أن تجديد الإيمان في القلوب والنفوس، وتوثيق الصلة بالله تعالى، أمر جاءت به نصوص الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136]. وجاء في الحديث عن ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى: أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (روه الحاكم والطبراني وصححه الألباني).

 

2- أن الناس –إلا من رحم الله- في بعد عن ربهم، وجفاء مع خالقهم، وتمرد على أوامره ونواهيه، لما جعلوا الدنيا هدفاً لمنافاستهم، والدون مرتعاً لهمومهم وأمانيهم، والمال واللذة والولد والشهوة أهدافاً يسعون لتحقيقها. وقد غفلوا عن الغاية التي خلقوا من أجلها وهي تحقيق العبادة لله جل وعلا قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وغفلوا عن ذكره وشكره وحسن عبادته، فهجروا الإنابة والتبتل، والبكاء والتضرع، والدعاء والإلحاح فيه – والله المستعان - وقد حث اللهُ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وكلَّ مؤمن من بعده أن يذكره سبحانه، وأن ينقطعَ إليه انقطاعًا تامًّا، وألا يشغله غيرُه عنه، فقال مخاطبًا إياه: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل:8].

 

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: أكثِرْ من ذِكره، وانقطع إليه، وتفرَّغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك"، وقال ابن سعدي رحمه الله: "أي: انقطع إلى الله تعالى؛ فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه، هو الانفصال بالقلب عن الخلائق، والاتصاف بمحبة الله، وكل ما يقرِّب إليه ويُدْنِي من رضاه".

 

3- نتحدث عن تجديد الإيمان في القلوب لأن القلوب قست، والأخلاق تدنت، والعلاقات بردت، والفواحش انتشرت، والآثام طغت، كل ذلك لمّا ابتعدت القلوب عن علّام الغيوب، ونأت الأفهام عن التدبر في آيات الواحد العلّام، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:30]، فالإيمان سبب في لين القلوب ورفعة الأخلاق وصدق العلاقات في مابين العبد وربه وبين العبد ونفسه وبين العبد والآخرين، وهو سبب أيضاً في دحر الشر، ورفع الظلم، ومحاربة الشرور والفساد بكل صوره.

 

4- ومن الأسباب التي جعلتنا نتحدث عن هذا الموضوع المهم وهو تجديد الإيمان في القلوب، أن الفتن والابتلاءات التي تحيط بنا من كل مكان لها أثر على القلب، فقد تكون سبباً في تشاؤمه وقنوطه، أو في ضعفه وشروده، أو في انتكاسته وموته. نعوذ بالله من الحور بعد الكور، لذلك فقد سأل الحبيب عليه الصلاة والسلام ربه الثبات على الحق عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (رواه الترمذي).

 

5- ومن الأسباب أيضاً عزوف المؤمن عن محاضن الإيمان التي تعيده إلى سابق إيمانه وتذكره بجميل فطرته، وابتعاده أيضاً عن الصحب الأوائل الذين كانوا يذكرونه بالله ويحفزونه للمضي قدماً نحو طريق "إياك نعبد وإياك نستعين"، وعدم محاكاته مجدداً للقدوات الذين كان يحاكي سيرهم ويقتدي بنهجهم، إما بشغل دنيوي أو كبر وتعالي على المنهج والقدوات والأصحاب أو بسذاجة وجهل – ولله المشتكى - فضعف إيمانه وقسى قلبه لما استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

 

ثانياً: الأسباب المعينة لتجديد الإيمان في القلوب.

وهي كما يلي:

1- تحقيق معنى التقوى في القلوب.
فالتقوى وصية الله للأولين والآخرين يقول ربكم جل وعلا: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء:131]، والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمرك به وبترك ما نهاك عنه، وقال ابن مسعود عن التقوى: "هي أن يطاع الله فلا يعصي ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر"،

وقال طلق بن حبيب رحمه الله: "التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله"، فكلما عملت بهذه القاعدة كلما زاد إيمانك في قلبك وخشيتك من ربك وطاعتك لنبيك عليه الصلاة والسلام، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.

 

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى *** تقلب عريانا وإن كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير في من كان لله عاصياً


التقوى أن تستشعر مراقبة الله لك في السر والعلن، حتى لا تنحرف عن الجادة، ولا تتنكب طريق الحق، وأن تتأمل نعمه عليك الظاهرة منها والباطنة فتداوم على عبادته وشكره، وأن تعمل لتلك النهاية الحتميّة والساعة التي لا بد منها وهي ساعة فراقك لهذه الدنيا يقول علي رضي الله عنه: "التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل".


أقبل شاب إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: "يا شيخ  إن نفسي تدفعني إلى المعاصي فعظني موعظة! فقال له إبراهيم: إذا دعتك نفسك إلى معصية الله فاعصه، ولا بأس عليك؛ ولكن لي إليك خمسة شروط قال الرجل: هاتها! قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فاختبئ في مكان لا يراك الله فيه! فقال الرجل: سبحان الله، كيف أختفي عنه، وهو لا تخفى عليه خافية! فقال إبراهيم: سبحان الله، أما تستحي أن تعصي الله وهو يراك. فسكت الرجل، ثم قال:زدني! فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله، فلا تعصه فوق أرضه..

 

فقال الرجل: سبحان الله، وأين أذهب، وكل ما في الكون له! فقال إبراهيم: أما تستحي أن تعصي الله وأنت تسكن فوق أرضه؟ قال الرجل: زدني! فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله، فلا تأكل من رزقه فقال الرجل: سبحان الله، وكيف أعيش، وكل النعم من عنده! فقال إبراهيم: أما تستحي أن تعصي الله، وهو يطعمك ويسقيك، ويحفظ عليك قوتك؟ قال الرجل: زدني! فقال إبراهيم: فإذا عصيت الله، ثم جاءتك الملائكة لتسوقك إلى النار، فلا تذهب معهم! فقال الرجل: سبحان الله، وهل لي قوة عليهم، إنما يسوقونني سوقاً!! فقال إبراهيم: فإذا قرأت ذنوبك في صحيفتك، فأنكر أن تكون فعلتها! فقال الرجل: سبحان الله، فأين الكرام الكاتبون، والملائكة الحافظون، والشهود الناطقون ثم بكى الرجل ومضى. وهو يقول: أين الكرام الكاتبون، والملائكة الحافظون، والشهود الناطقون!".

 

2- أن تتعرف على الله سبحانه وتعالى.
الله الذي خلقك في أحسن تقويم، وجعلك من بنيء آدم المكرمين، شق سمعك وبصرك، وأجرى الدماء في عروقك، نعمه عليك لا تعد، وجوده ليس له حدود، فضلك بالإسلام، وجعلك من أتباع خير الأنام عليه الصلاة والسلام.


الله الذي عز وارتفع، وذل كل شي لعظمته وخضع، رب الأرباب ومسبّب الأسباب، ومجري السحاب، ومنزل الكتاب، سبحانه لا إله إلا هو الرازق الوهاب.

من يعطيك إن لم يعطك الله، من يرزقك إن لم يرزقك الله، من يغنيك إن لم يغنك الله، من يعافيك إن لم يعافيك الله، {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [تبارك:21].

الله، الرحمن، أرحم علينا من أمهاتنا، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته سبقت غضبه، رحمته وسعت كل شي، الذي يغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويفرج الهموم، وينفس الكروب، ويقضي الديون، من لجأ إليه حماه، ومن توكل عليه كفاه الله، إذا حلَّ الهمَّ وخيَّم الغمَّ واشتد الكرب وعظم الخطب وضاقت السُّبل وبارت الحيل ينادى المنادي فيقول: يا الله


الله، سلوة الذاكرين، وأنيس المضطربين، وملاذ الخائفين، وغيّاث المستغيثين.{هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [الحشر:22-24].

وكلما تعرفت عليه بصدق –يا عبد الله- كلما زاد إيمانك به، وتضاعف وصلك له، وتجلت تضحياتك من أجله، وارتفع رأسك فخراً كلما تظللت تحت سقف عبوديته تعالى.

ومما زادني شرفاً وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيّرت أحمد لي نبيا

 

3- إقامة الصلاة بأركانها وخشوعها.
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد، وهي الصلة بين العبد وبين ربه تعالى وإقامتها في أوقاتها بأركانها وشروطها، تبعث في النفس الطمأنينة والخشوع والذلة لله تعالى الأمر الذي يحقق الإيمان الحقيقي والتقوى في القلوب، قال تعالى: {الم . ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:1-3].

 

والصلاة أيضاً طريق لتهذيب النفس والأخلاق، وحفظها عن الفواحش والدنايا والمحرمات، كما أخبرنا تعالى في كتابه فقال:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45]، كما جعل سبحانه إقامة الصلاة على أوقاتها، من أعظم ما يذهب السيئات والخطايا عن الإنسان، فقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114]، وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (رواه مسلم)،

 

وقد جعل الله الصلاة طريقاً لذكره وسبيلاً لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله قال عز وجل: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] قال السعدي رحمه الله: "أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خَرِبَ كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة".

 

وفي التأخر في إقامة الصلاة أو التقليل من أهميتها دليل على خلو القلب من الإيمان وتتبعه للشهوات وللغي قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، وهو علامة من علامات المنافقين وصفاتهم فقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:144].

 

وجاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: «أثقل الصلاة على المنافقين؛ صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (متفق عليه)، أما في ترك الصلاة بلا عذر شرعي فهذا أمر محرم شرعًا، وقد يفضي بصاحبه إلى الكفر عياذًا بالله تعالى فعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه).

الشاهد؛ أن حياة القلوب إنما هي بإقامة الصلاة على الوجه المطلوب، وأن من إيمان العبد أن يرتبط بربه جل وعز عن طريق هذه الفريضة العظيمة.

 

4- قراءة القرآن الكريم وتدبر آياته.
إن لقراءة القرآن الكريم شعور خاص، وحالة مستثناه، كيف لا، وأنت تقرأ كلام الله جل وعز، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]، فكيف لو صاحب القراءة تدبراً وفهماً، وتأملاً وخشوعاً، لا شك أن الغايات المتعددة من هذا التدبر ستتحقق لصاحب العلاقة مع هذا الكتاب العظيم من بركة وهدى ونور وشفاء وصدق مناجاة قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [ص:29]. وعن أولئك الذين لا يتدبرون القرآن ولا يستنبطون معانيه قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً . وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:82-83].


اعلم -يا رعاك الله- أن العبد إذا وفق لتدبر آيات الله تعالى تحقق الإيمان المنشود، يقول ابن القيم رحمه الله: "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع الفكر على معاني آياته ؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة. وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه. وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم. وتبصره مواقع العبر. وتشهده عدل الله وفضله. وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها. وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريقَ أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه".


وانظر إلى ما يقوله السلف الصالح الذين امتلأت قلوبهم إيماناً في تدبر القرآن، يقول ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب" وكان الفضيل – رحمه الله – يقول: "إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً، قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلّوا حلاله، ويحرّموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".

 

وعمليًّا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن ؛ بل القراءة بتدبر وتفهم.. عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: "لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ{إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة من الآية:1] و{الْقَارِعَةُ} [القارعة:1] لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أَهُذَّ القرآن (أي أقرأه بسرعة)".


فشمر ولُذْ بالله واحفظ كتابه *** ففيه الهدى حقًا وللخير جامع
هو الذخر للملهوف والكنز والرجا *** ومنه بلا شكٍ تُنال المنافع
به يهتدي من تاه في معمعة الهوى *** به يتسلى من دهتهُ الفجائع

 

5- المداومة على ذكر الله تعالى:
فذكرك لله سبب في اطمئنان قلبك، وهو أمان لروحك،، يقول جل من قائل: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد من الأية:28]، وذِكْرُ الله سبب في أن يذكرك الله في من عنده قال تعالى: {فَاذكُروني أَذْكُرْكُمْ} [البقرة من الأية:152]، وفي الحديث القدسي: «فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (رواه البخاري).

 

وأسألك – يا رعاك الله - كيف أنت حينما تعلم بأن الله يذكرك في من عنده وهو الغني عنك وأنت الفقير إليه، ما هو شعورك حينما يتردد اسمك هنااااك في عالم الملكوت الأعلى.


في ذكر الله يجد المؤمن الحياة الحقيقة لأنه يرتبط قولاً وعملاً بفاطر السموات والأرض في مكان وزمان ويسمو عن حياة الغافلين. {وَاذكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخِيفةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَولِ بالغُدُوِّ والآصَال وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ} [الأعراف:205]، وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت» (رواه البخاري). قال الحسن: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم؛ وإلا فاعلموا أن الباب مغلق"،

 

وفي هذا المعنى يقول ابن القيّم رحمه الله: "الذكر هو المنزلة الكبرى التي منها يتزود العارفون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون، وبه يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، وهو جلاء القلوب وصقالتها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا، ازداد محبة إلى لقائه للمذكور واشتياقًا ".

 

6- طلب العلم الشرعي:
وقد يسأل سائل ما علاقة العلم بتجديد الإيمان في القلوب، وأقول إن العلم منطلق العمل، فلا عمل متقن، ولا أثر يتضح، ما لم تنطلق من علم ودراية، كذلك الإيمان في القلوب لا يرى أثره ولا تظهر صوره إلا حينما ينطلق من علم يهذب النفوس ويربي الأرواح ويزكيها من كل شائبة ودخن، سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: "ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به (أي بالعلم) {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد من الأية:19]، فأمر بالعمل بعد العلم. وقد بوَّب الإمام البخارى بابًا فقال: "باب العلم قبل القول والعمل" لقوله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}، فالعلم مقدم على العمل، فلا عمل دون علم، فيعرف المؤمن ربه تعالى من خلال ذلك العلم ويصحح عقيدته، ويعرف نفسه وكيف يهذبها ويربيها،

 

والعلم أيضاً نور يبصر به المرءُ حقائق الأمور، وليس البصر بصر العين، ولكن بصر القلوب، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج من الاية:46]، ولذلك جعل الله الناس على قسمين: إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد:19]، كم أن العلم يورث الخشية من الله تعالى: قال الله تعالى: {إنَّما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر من الأية:28]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً . وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107-109].

 

7- قيام الليل.
هو دأب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين، ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله، فنفوسهم قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات.

 

آمنوا بأنه لا يخفى عليه شي سبحانه فقاموا بين يديه في السحر، وأنه يحب الخبايا والأسرار فبنوا بينهم وبينه كل خبيئة صالحة وسر، وأن من نام واستراح ليس كأولئك الذين تتقلب جنوبهم على فرشهم والسرر {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار}  [آل عمران:16-17]، وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد» (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني).

إذا ما الليل أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا *** وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم سجود *** أنين منه تنفرج الضلوع
وخرس بالنهار لطول صمت *** عليهم من سكينتهم خشوع

 

8- مرافقة أهل الإيمان.
يقول الله تعالى في بيان أن الرفقة الصالحة ممتد خيرها لا ينقطع إلى يوم القيامة: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، وفي آية أخرى يبيّن جل وعز حال ذلك الذي تأسى بقدوات الشر وأصحاب الباطل وقرناء السوء متحسراً نادماً {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً . لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي} [الفرقان:27- 29].

 

أما أصحاب الصلاح وأخوة الإيمان ففي مرافقتهم حصول على بركتهم كما في الحديث الذي رواه الأمام مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلاً يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ -قَالَ- فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا لاَ أَىْ رَبِّ، قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا لاَ، قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ -قَالَ- فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جليسهم» (رواه مسلم).

 

وقد قال ابن الجوزي: "رفيق التقوى رفيق صادق، ورفيق المعاصي غادر"،

وأنشدوا قول الشاعر:

تجنب قرين السوء واصرم حباله *** فإن لم تجد عنه محيصاً فداره
وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه *** تنل منه صفو الود ما لم تماره

وقال مالك بن دينار: "إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار، خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار".
وأنشد:

وصاحب خيار الناس تنج مسلمًا *** وصاحب شرار الناس يومًا فتندما

9- التفكر في اليوم الآخر.
إن من يسمع عن الموت وسكراته والقبر وظلماته و يوم القيامة وأهواله والحساب وحسراته والميزان ودقته والصراط وحدته و الوقوف بين يدي الله وعظمته والعذاب وشدته لحريٌّ به أن يعدّ العدّة، ويستجيش بكل مايملك، ويستعد لهذا المستقبل المحتوم بإيمان صادق يملأ قلبه، وبعمل دائم يتقرب به إلى ربه.


نعم.. فهناك النار -والعياذ بالله- والتي قال عليه الصلاة والسلام عن أهون أهلها عذاباً: «إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجلٌ يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً» (متفق عليه)، وعن عـمـقها روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع وجبةً فقال: «هل تدرون ما هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم.. قال: «هذا حجرٌ رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها، فسمعتم وجبتها» (رواه مسلم). وعن شدتها قال عليه الصلاة والسلام: «ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». قيل يا رسول الله إن كانت لكافية قال: «فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (رواه البخاري).

 

وهناك أيضاً الجنة -نسأل الله أن نكون من أهلها- والتي قال الله عنها: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف من الأية:71]، قال الشيخ السعدي: "وَفِيهَا (أي: الجنة) {مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ} وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح، وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، وأشجار محدقة، ونعم مونقة، ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها. ويقول عليه الصلاة والسلام عن نعيمها الذي لا تبلغه العقول ولا تقيسه المقاييس: قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، واقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]» (متفقٌ عليه).

 

10- الدعاء.
وهو ملاك ما تقدم، ولن يفلح المؤمن، ولن يحقق ما تمنى، ولن يسكن الإيمان في قلبه ما لم يكن له عونا من الله، فالدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، فالله الله في الدعاء، والمداومة على الارتباط برب الأرض والسماء.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها، اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، وعملاً خالصاً، ولساناً ذاكراّ، وبدناَ معافا، ودعوة لا ترد يا رب العالمين.

اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق والأقوال والأفعال لا يهدي إلى أحسنها إلا أنت، واصرف عنّا سيئها لا يصرف عنّا سيئها إلا أنت، اللهم زيّنا بزينة الإيمان، وجمّلنا بثياب الاستقامة يا منّان.


والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.