جاء رمضان.. فأعط كل ذي حق حقه

منذ 2014-07-01

لنتحول في هذا الشهر الكريم من حب النفس إلى حب الناس، ومن التقاطع إلى التقارب، ومن المصلحية والذاتية إلى نفع الآخرين.

ما أجمل قدوم هذا الشهر العظيم الذي يتسابق فيه المتسابقون ويسارع فيه العباد نحو الخير،  فالكل يريد أكبر نصيب من ذلك الخير والهدى، فأوله المغفرة وأوسطه الرحمة وآخره العتق من النيران، فالطاعات متعددة، ولا أفضل من أن يبدأ كل أمرئ بإعطاء كل ذي حق حقه في هذا الشهر العظيم.

والتخلية مقدمة على التحلية، ورد المظالم شرط في التوبة، وأداء الحقوق مقدم على سؤال الحقوق، فليبدأ أحدنا بتطهير نفسه مما علق بها وذمته بما في عنقها.

ثم علينا أن ننظر إلى حقوق من حولنا، ممن نعايش أو نجاور أن نعامل، فلكل حق، وغالبًا ما نغفل عن حقوقهم في زحمة الحياة وغفلة الايام.

وأول من نريد مكافأته وإعطاءه حقه هم الوالدان، فما حال الابوين في رمضان إذن؟ إنهما اللذان قاما بعناء السنين حتى ترعرع الأبناء يومًا بعد يوم، وتدريجيًا بدأ الاستغناء عن الابوين وبدأ الأبناء ينشغلون بمشاغل الحياة حتى أصبح الابن لا يتواصل مع والديه إلا عن طريق الهاتف!

نأسف كل الأسف عندما يأتي رمضان فيجتمع الناس بينما الأبوان وحدهما في بيتهما في صمت عميق بالغ.. وكأنهما يتلقيان نتاج السنين ملحًا وعلقمًا!

إنني أذكر نفسي وكل قارئ بأبويه في رمضان وغير رمضان، فحقهما لا يميزه وقت دون وقت، فلنبدأ ببرهم في هذا الشهر العظيم، ولنجعله بداية مسيرة في البر غير المنقطع.

والزوج له حق في عنق زوجته، وحقه في رمضان كبير أيضًا، فلتبدأ الزوجة في رمضان صفحة جديدة معه، صفحة تنسى له فيها الإساءة، وتتذكر له الحسنات والصالحات.

تعينه على العبادة دون مطالب أو هموم أو مشاكل، مستعينة بالله تعالى أن يكون لها عونًا على طاعته ولتكن هي كذلك.

وللزوجة حق عند الزوج، فكما يسعى الرجل لتحصيل العبادات فللزوجة حق كبير في هذا، وربما تكون أعباء كثير من الزوجات في شهر رمضان حائلة بينها وبين تحصيل العبادات.

فإذا انهمكت طوال اليوم فإنها تأوي إلى ذكر الله أثناء عملها، وبعد عناء اليوم فإن الجهد والمشقة قد ينهكانها ويقعدانها عن صلاة الليل أو الصالحات بالسحر، فهي تؤدي صلاتها وقيامها بمشقة وأنين.

فهل قام زوجها برعاية حالها، وهل شعر بشعورها، وهل ساعدها وأعانها على العبادة والطاعة في رمضان؟ أم أنه بحث فقط عن طعام حسن وراحة تامة، غافلا عن حقوق زوجته؟!

وللأبناء حقوق، فلئن انشغلنا عن أبنائنا طوال العام، فقد آن أن نشعرهم بالاهتمام في الأيام الفاضلات، وأن نجالسهم، ونشاركهم الطاعات، ونعلمهم حقوق رمضان، والسنن في العبادات، وننصحهم بالطرائق الهادئة المحببة لهم والمؤثرة فيهم، فنجعل رمضان لهم فرصة للتغيير والعودة لله تعالى و نكثر لهم الدعاء في هذا الشهر العظيم، فالله تعالى يجيب دعوة الداع.

وللأهل والرحم حق في رمضان، فالصلة لهم واجبة، وقطيعتهم محرمة، والإصلاح بينهم مسئولية ملقاة على إعتاقنا.


ورمضان فرصة حسنة ومناسبة ومقبولة بين الناس جميعًا للتسامح والغفران، فلننشر معاني الخير إذن في تلك الأيام الفاضلات ولنستغلها لتصفية الأجواء بين أرحامنا.

إن عظمة الإسلام واضحة قوية يبدو أثرها في دعم الأواصر بين الناس، وتظهر مع البر والرحمة والإيثار والتعاون ومساعدة الغير مما يقوي القلوب في صلتها وينشئ التآلف والتحّاب، والحب لا يوّلد إلا الحب والقرب في الله سبحانه، والبغض لا يوّلد إلا الكره والبعد والشقاق.

وللجار حقوق، ففي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».


فله حق الجيرة الحسنة، والصحبة الحسنة، وعدم الإيذاء بالقول والفعل، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

وللفقير حق من الصدقة ومن البسمة الحانية الصادقة و ومن العطاء والبذل، والحسنات متضاعفة عند الله سبحانه في رمضان، فإطعام الطعام من خير الصالحات و لمفطر الصائم مثل أجره، والمسارعة في دعم الفقراء وإغنائهم من صالحات الأعمال.

ولنختم ذلك بالتذكير بحث كل أمرئ على حق نفسه، لأنه أمر قد يغفل احدنا عنه.

فأول حقوقه على نفسه تهذيب نفسه الأمارة بالسوء، وحثها على تقوى الله سبحانه ومراقبته، والاهتمام بصلاح قلبه وسلامته، يقول ميمون بن مهران: "لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبًا من الشريك الشحيح لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه".

فالإيمان الصحيح الخالص هو حياة المؤمن الحقة، وكذلك من أهم حقوق نفسه دفعها نحو الطريق إلى كتاب الله القرآن الكريم والاهتمام به ومصالحة الكتاب العزيز الذي كثيرًا ما يتم هجره بينما هو شفاء لما في الصدور ونور للحياة ونور في المآل.

ولكل أخ على أخيه حقوق، فرمضان شهر تفتح فيه أبواب الخير، فأفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المسلم السرور، فتفرج عنه كربة أو همًا أو تقضي عنه دينًا، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

فلنتحول في هذا الشهر الكريم من حب النفس إلى حب الناس، ومن التقاطع إلى التقارب، ومن المصلحية والذاتية إلى نفع الآخرين، ولننتقل من دائرة الظلم إلى دائرة العدل، فنتعاون على الخير، ونمد يد الفضيلة والعطاء.

إن رمضان يأتينا في كثير من أركان عالمنا الإسلامي، والجراح تنزف، والقلوب تهتم، والنفوس تعاني الكمد والألم، ونحن في اشد الحاجة إلى أيام رمضان التي تأتينا كبلسم رطب، يزيح عنا كثيرًا من الهموم والأحزان، بنفحات إيمانية تربت على قلوبنا برفق.

 

أميمة الجابر