{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}

منذ 2014-07-18

فأتباع الشبهات في زمننا اجترؤوا على انتهاك حمى الشريعة، سواء بالتشكيك في أصل الدين، وتمثل ذلك في موجة الإلحاد والزندقة التي جرفت جمعاً من الشباب فطوحت بهم في أودية الجحود أو الشك؛ أو كانت في تحليل المحرمات وإسقاط الواجبات، فإن كثيراً من أهل الأهواء وعُبَّاد المناصب والشهوات استخرجوا شذوذ الأقوال والفتوى من بطون الكتب وشغبوا به على المحكم في إباحة المحرم، كالاختلاط، وسفر المرأة بلا محرم، وتحديد سن الزواج، وتقنين القضاء وغير ذلك؛ أو إسقاط الواجب، ومن أمثلته إضعاف واجب الحسبة، وتقليصه إلى أقصى حد ممكن، وحصره في فئة قليلة.


قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْـخَيْلِ الْـمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْـمَآبِ} [آل عمران:14].
هذه الآية جاءت في سياق صراع أهل الحق مع الباطل، فقبلها ببضع آيات ذكر الله تعالى من يتّبعون المتشابه من النصوص والأحكام ليقفزوا به على محكمات الشريعة بالإبطال والإلغاء، ويضربوا النصوص بعضها ببعض ليُخرجوا المحكم عن إحكامه ويضعفوا دلالته على الحكم، ليقوموا بعد ذلك بتمرير الشبهات التي يُضلون بها الناس؛ كما هي عادة أهل الأهواء {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران:7].

ثم بعد ذلك تأتي آيات لتخبر عن أن قوة الكفار وما يملكون لن تنفعهم: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران:10]، وصولاً إلى معركة المؤمنين معهم {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران:12]، وتناول أول معركة وهي بدر {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:13]، ثم تأتي آية تزيين الشهوات التي نحن بصددها.

فالمشهد إذًا: أتباع شبهات، وكفار، ومدافعون من المؤمنين. ولو أسقطنا هذا السياق القرآني بتفصيلات مشهده على واقعنا المعاصر -دون الزعم أن الآية محصورة في هذا الفهم، ولا أنها لا تتناول سوى هذا المشهد- لوجدنا أن لها دلالات عميقة في معالجة واقعنا المعاصر:

1- فأتباع الشبهات في زمننا اجترؤوا على انتهاك حمى الشريعة، سواء بالتشكيك في أصل الدين، وتمثل ذلك في موجة الإلحاد والزندقة التي جرفت جمعاً من الشباب فطوحت بهم في أودية الجحود أو الشك؛ أو كانت في تحليل المحرمات وإسقاط الواجبات، فإن كثيراً من أهل الأهواء وعُبَّاد المناصب والشهوات استخرجوا شذوذ الأقوال والفتوى من بطون الكتب وشغبوا به على المحكم في إباحة المحرم، كالاختلاط، وسفر المرأة بلا محرم، وتحديد سن الزواج، وتقنين القضاء وغير ذلك؛ أو إسقاط الواجب، ومن أمثلته إضعاف واجب الحسبة، وتقليصه إلى أقصى حد ممكن، وحصره في فئة قليلة.

2- والكفار، وهم داعمون لأهل الأهواء وأتباع الشبهات مادياً ومعنوياً، بل وسياسياً واستخباراتياً وعسكرياً، فيما يرومونه من مسخ الشريعة الربانية وإحلال الشريعة الغربية الليبيرالية محلها.

3- وأهل الإيمان والاحتساب يدافعون غوائل الطائفتين الأوليين، ويصدون هجومهم المستمر على الشريعة الربانية، ويحذرون الناس منهم.

وهذا الصراع سنة ربانية كتبها الله تعالى على المؤمنين ابتلاء لهم؛ لتعظم أجورهم، وترفع منازلهم في الآخرة على جهادهم في الدنيا، فهي سنة حتمية لا محيص عنها ولا مهرب منها.


وأهل الكفر لا يستطيعون النفاذ إلى المجتمعات المؤمنة إلا عن طريق من يتّبعون المتشابه، الذين يسقطون المحكمات بالمتشابهات، تمهيداً لإحلال شريعة الكفار محل الإسلام، ويشوشون بالمتشابهات على عوام المسلمين لحشد الرأي العام خلف مشروعاتهم وأطروحاتهم التي يصفونها بالإصلاحية والتطويرية والتقدمية ونحوها.
لكن كيف استخدم الكفار أتباع الشبهات في هذه المهمة القذرة وهم في الأصل مسلمون ويعلمون أن تبديل كلام الله تعالى وتغيير شريعته يوجب سخط الله تعالى من جهة، ومن جهة أخرى سيكون وصمة عار لا تمحوها الأيام في سيرتهم، كما قد دُونت سيرة أمثالهم من قبل في كثير من حقب الزمان، وفي مختلف ديار أهل الإسلام؟


الآية التي نحن بصدد الحديث عنها تجيب عن ذلك؛ إذ الطريق إلى تسخير متّبعي المتشابهات لخدمة مشروعات الطاغوت هي الشهوات التي يضعف أمامها الإنسان، والآية صُدِّرت بقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران:14]، فالفعل مبني لما لم يسمَ فاعله، والمزين هو الله تعالى بجبله الإنسان على حب الشهوة لا بدعوته سبحانه إليها، وحكمة هذا التزيين: ابتلاء العباد بالدين وبالشهوة، فمن قدّم الدين قهر الشهوة، ومن ضَعُفَ أمام الشهوة تخلى عن الدين. فاستغل الكفار هذه الصفة في الإنسان فغذوا بها ضعاف المؤمنين، وسخروهم بالشهوات لاستخراج الشبهات وضرب المحكمات بها للقضاء على أحكام الدين، وإحلال أحكام الطاغوت محلها.

والشهوات التي تأسر الإنسان كثيرة ومتنوعة، وبعضها يأخذ برقاب بعض، بحيث لو قوي المفتون على التخلص من بعضها لم يقدر على بعضها الآخر، وفي الآية ذِكْرُ {النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْـخَيْلِ الْـمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْـحَرْثِ} [آل عمران:14]، وهذه أصول الشهوات البشرية التي يتفرع عنها شهوات كثيرة يسعى بنو آدم إلى تحصيلها والاستمتاع بها.

أولها: حبّ النساء، وقد فطرت عليه قلوب الرجال، حتى إن أشد الرجال بأساً ليضعف ويذل أمام جمال أضعف النساء؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ على الرِّجَالِ من النِّسَاءِ» (أخرجه البخاري: 4808؛ ومسلم: 2740).

وثانيها: حبّ البنين، وهو فطري لا حرج فيه، لكن الممنوع منه الإفراط في حبهم والحرص عليهم بحيث يؤدي إلى فعل المحرم لأجلهم؛ ولذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14].

وثالثها: حبّ المال، وجاء التعبير عنه بالقناطير المقنطرة لبيان محبة الإنسان للكثرة ال?اثرة من المال، فلا يشبع منه مهما كثر؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أَنَّ لابن آدَمَ وَادِياً من ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ له وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ» (أخرجه البخاري: 6075؛ ومسلم: 1048).

ورابعها: الخيل المسوّمة، وكانت أجود المراكب وأغلاها، والعرب تفاخر بها وتذكرها كثيراً في الشعر، وكانت تتخذها زينة أيضاً؛ كما في قول الله تعالى: {وَالْـخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْـحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8]، ووصفها بالمسوّمة، سواء كان معناه السائمة التي ترعى، فيه دلالة على ثراء أصحابها بكثرة مراعيهم واتساعها، أو كان معناه أنها توسم بوسم يدل على جودتها وأصالتها وسرعتها، وكلا المعنيين دالان على الثراء واتساع المال.

وخامسها: الأنعام، وفيها من المنافع شيء كثير، وتتخذ كذلك زينة {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:5-6].
وسادسها: الحرث، وهو الزرع، ويشمل الجنات والحوائط وحقول الزرع، سواء كانت كبيرة أو صغيرة.

وإذا كان تزيين هذه الشهوات مركباً في فطرة بني آدم كما يقتضيه قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران:14]، فإنه لا أحد من البشر لا يريدها إلا من علة، بل الأصل سعيهم لتحصيلها. وإذا كان ذلك كذلك، فمن الناس من يسعى إلى تحصيل هذه الشهوات ببيع دينه لأجلها، وذلك باتباع المتشابهات لإرضاء الكبراء، وجعل الشريعة الربانية موافقة لشريعة الكفار، فيرضى الكبراء عنه، ويمنحونه الجاه والمال، وهما جالبان لكل هذه الشهوات؛ إذ جميلات النساء يرضين بذوي الجاه والمال من الرجال، وبماله وجاهه يُدخل أولاده أحسن المجالات التعليمية، ويتمتعون بأفضل رعاية صحية، فلا مشكلة عنده في كثرة الولد؛ لأنه يجد ما ينفعهم به، وكذلك يشتري بماله من المراكب أجملها، ومن الأنعام أنفعها وأكثرها، ويمنح بجاهه أراضي زراعية متسعة، فيقلبها بفضول ماله إلى مروج وفياض.
 

وبهذا نعلم أن كثيراً مما يقع من أتباع المتشابه هو بسبب الشهوات المزينة في القلوب التي يضعف عن مقاومة إغرائها أكثر الناس فيقعون في المحظور.

وتفريعاً على ذلك: فإنه يجب على الداعية أن يربي نفسه للاستعلاء على الشهوات، ويجاهدها في سبيل إيصالها للقناعة باليسير؛ حفاظاً على دينه من النقص أو الذهاب؛ لأن النفس البشرية قد تضعف أمام الشهوات المزينة، وتبذل الدين في تحصيلها، وتجعل العلم وسيلة لها لا إلى مرضاة الله تعالى.
 

وآية تزيين الشهوات خُتمت بقول الله تعالى: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْـمَآبِ} [آل عمران:14]، أي هذه الشهوات المزينة المغرية ما هي إلا متاع مؤقت لا يستمر؛ لأن وصفه بكونه متاعاً مؤذن بالقلة، وهو ما يُستمتع به مدة، وما عند الله تعالى خير من هذه الشهوات المزينة؛ ولذا أعقب الله تعالى آية تزيين الشهوات بآية {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:15]. ولا يَستبدل المتاع الفاني بالباقي إلا أهل الخسران.

وأئمة السلف رحمهم الله تعالى صنفوا مصنفات في الزهد ليقمعوا بها شهواتهم ومتطلبات نفوسهم، وليربّوا أتباعهم على ذلك؛ لئلا يخرجهم طلب الشهوات المزينة في نفوسهم إلى طلب المتشابهات لنيل الشهوات. 
كان محمد بن واسع رحمه الله تعالى يبلّ الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول: "من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد" (الإحياء: 3/239)، وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "خير دنياكم ما لم تبتلوا به، وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم" (الزهد لابن المبارك:541).

المصدر: مجلة البيان