تشديدات القرآن - (6) لَيُبَطَّئَنَّ.. لَيُبْطِئَنَّ (2/ 2)

منذ 2014-08-25

فكل هذه التأكيدات الخمس لتأكيد {ليُبَطِّئَنَّ}، قال: "فقد جاء التأكيد بإنَّ وبلام التأكيد التي يسميها النحاة المزحلقة ونون التوكيد الثقيلة، وفي استعمال الفعل المضعّف(المشدَّد)، وزيادة الحروف زيادة في المعنى. وفي مجموع هذه المؤكدات تخويفٌ رهيب لمن ثبّط نفسه أو ثبّط غيره؛ لذلك وجب تأكيد الحذر من هذا الصنف بقدر هذه التأكيدات نفسها. وإنها لفي المنافقين وفي ضعاف الإيمان من المؤمنين، وهو اختيار جماعة من المفسرين(11)، وهذا أعدل الأقوال وأوفقها فيما نحسب والله أعلم، ولأن النفاق ليس كله كفرًا، فقد يتصف المؤمن بعض صفات المنافقين ويُسمَّى منافقًا لذلك

كُنَّا في الجزء الأول من هذا المقال قد تناولنا أمرين:

الأول: دلالة معنى الفعل {ليبطئن} ببنائه وبتشكيلَيْه التخفيف والتشديد على التعدِّي واللزوم. والثاني: دلالة التشديد والتخفيف على المعنى التربوي التوجيهي، والآن نستكمل بقية الدلالات.

ثالثًا: في دلالة اللامات وتعدد التأكيدات في:{إنَّ} و{لمن} و{ليبطئن}.
نلاحظ لبيان شدة هذا التثاقل والتثبيط والتبطئة، جاءت مؤكدة بعد تأكيدات:
فالحرف {إنَّ} للتأكيد.
ثم التأكيد باللام التأكيد المفتوحة في {لَـمن}.
ثم التأكيد باللام في {ليبطئن}، فقيل هي لام تأكيد أيضًا(6)؛ فيكون تأكيد بعد تأكيد باللام.
وقيل هو تأكيد بالقَسم، الذي يدلُّ عليه اللام في {ليبطئن}، فهي عند الجمهور لام قسَم، تقديره: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ والله لَيُبَطِّئَنَّ. واللهُ سبحانه إنما يقسم لبيان عِظم الأمر وتأكيده، لا لمجرد التصديق، وإلا فمن أصدق من الله قيلًا، ومن أصدق منه حديثًا سبحانه.

ثم التأكيد ينون التوكيد المثقلة في آخر الفعل، كما جاء مثلها في القرآن: {لأُقَطِّعَن أيدكم} و{لأذبحَنَّك}..
قال الطبري: "ودخلت اللام في قوله: {لمن}، وفتحت؛ لأنها (اللام) التي تدخل توكيدًا للخبر مع {إنَّ}، كقول القائل: "إنّ في الدار لَمَن يكرمك". وأما "اللام" الثانية التي في {ليبطئن}، فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن"(7).

فكل هذه التأكيدات الخمس لتأكيد {ليُبَطِّئَنَّ}، قال: "فقد جاء التأكيد بإنَّ وبلام التأكيد التي يسميها النحاة المزحلقة ونون التوكيد الثقيلة، وفي استعمال الفعل المضعّف(المشدَّد)، وزيادة الحروف زيادة في المعنى. وفي مجموع هذه المؤكدات تخويفٌ رهيب لمن ثبّط نفسه أو ثبّط غيره"(8)؛ لذلك وجب تأكيد الحذر من هذا الصنف بقدر هذه التأكيدات نفسها.

رابعًا: في دلالة {منكم}؛ أهي في المؤمنين أو في المنافقين؟

كلُّ المفسرين على أن الخطاب في هذه الآية بقوله {منكم} موجَّهٌ للمؤمنين مُحذِّرًا لهم، لأنهم هم الذين تعنيهم توجيهاتُ القرآن وتحذيراتُه، فهم المستفيد الأول مما جاء فيه من أمر ونهي وتوجيه وتحذير وتعليم وتربية.

لكن هل خاطبَهم وحذَّرهم من جماعة من المؤمنين متواجدة معهم، أو جماعة من المنافقين مندسة فيهم وليست منهم؟

الواقع أن المفسرين اختلفوا، ولكلٍّ وجهته وتبريره لاختياره(9):

القول الأول: أنها في المؤمنين: فظاهر الآية يقول: {منكم}، ولم تقل "فيكم"، فهي تخاطب المؤمنين باتفاقهم، فيكون هؤلاء مؤمنين من المؤمنين، لكنهم مؤمنون ضعاف الإيمان، وضعفُ إيمانهم تركهم يشاركون المنافقين بعض صفاتهم لضعف إرادةٍ وقلةِ علمٍ، لا لنفاقٍ في قلوبهم! وهذا اختيار جماعة من المفسرين كعبد الرحمن السعدي وغيره(10).

القول الثاني: أنها في المنافقين، لأن تكملة الآية اشتملت على أفعال وأقوال لا تصدر إلا عن منافقين! منها: {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء:72-73]. وقد كان رأس النفاق ابن سلول يفعل هذا، وهو الذي رجع بثلث الجيش يوم أحد، بعد أن كان يُثَبِّطُهم عن الخروج. وهو قول مجاهد واختيار الطبري وغيره.

القول الثالث: أنها في المنافقين وفي ضعاف الإيمان من المؤمنين، وهو اختيار جماعة من المفسرين(11)، وهذا أعدل الأقوال وأوفقها فيما نحسب والله أعلم، ولأن النفاق ليس كله كفرًا، فقد يتصف المؤمن بعض صفات المنافقين ويُسمَّى منافقًا لذلك؛ من غير تكفيرٍ كما في الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»(البخاري؛ في صحيحه، برقم:[33]، ومسلم؛ صحيح مسلم، برقم:[59]).

ثم إن {منكم} تشمل ضعاف الإيمان من المؤمنين، وتشمل المنافقين باعتبار ظاهرهم للناس، فهم باختلاطهم مع المؤمنين وتشابههم في الظاهر، يحسبونهم منهم.

وبالتالي فزيادة الثقة إلى جميع المسلمين غير صحيح، وإنما نثق في عقدهم ونحسن الظن بهم، ولكن نأخذ حذرنا مما يصدر منهم ولو عن حسن نية، نتيجة لقلة علم وفهم، أو قلة صبر أو تحت حماسة اندفاعية غير واعية ولا محسوبة العواقب، أو تأَثُّرًا بمنافقين مندسين، أو دعاة ضلالة مُفوَّهين، أو إعلاميين مأجورين، وقد مرَّ معنا في حلقة: { وفيكم سَمَّاعون لهم}.

تعقيبات إجمالية جميلة:

يقول الخطيب: "وفى قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} إشارة فاضحة لجبن الجبناء، ونفاق المنافقين، من الذين يحشرون أنفسهم في زمرة المجاهدين، ويضافون إليهم.. فهناك أفراد يغلبهم الحرص على أنفسهم، كما يغلب عليهم الطمع فيما يقع لأيدي المجاهدين من غنائم.. فإذ جاء النفير إلى الجهاد، تلبّثوا، وتعللوا بالعلل والمعاذير، حتى يفوتهم الركب المجاهد، وهم لا يزالون في موقف من يتأهب للقتال، ويتجهز للّحاق بالمجاهدين.. ثم لا يزالون على هذا الموقف حتى تنتهي المعركة، وينفضّ سوقها..

وهنا ينكشف أمر هؤلاء الجبناء، ويفتضح نفاقهم حتى مع أنفسهم.. فإذا كانت الهزيمة في المجاهدين، أظهروا الفرحة، وحمدوا لأنفسهم هذا الموقف المتخاذل الذي كان منهم، وقال قائلهم: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} .. لقد نجا بنفسه، وسلم من التلف، وما درى أنه من الخاسرين، حيث فاته ثواب الشهداء، وأجر المجاهدين..
وإن كانت الغلبة للمجاهدين، نظر إلى ما في أيديهم من أسلاب ومغانم، فامتلأت نفسه حسرة وأسى وندمًا، وتمنّى أن لو كان في هذا الركب الظافر الغانم، وقال ونفسه تتقطع كمدًا وحسرة: {يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}.
وفى قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} تنديد بهذه الخسّة وذلك الجبن، الذي قطع أواصر الأخوّة والتناصر بينه وبين أصحابه.. فما على هذا الأسلوب الخسيس تقوم الصحبة بين الجماعة، التي من شأنها أن تتقاسم السرّاء والضرّاء، وأن تذوق الحلو والمرّ.. أمّا أن تقف لتتحيّن الفرصة لتشارك في السّرّاء، ولا تشارك في الضراء، فذلك هو اللؤم الدنيء الذي تترفع عنه أدنى الحيوانات، التي إذا هاجمها عدوٌّ، لقيته يَدًا واحدة، وقوة مجتمعة!"(12)..

ويقول سيد قطب: "وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} ، بأن هؤلاء المبطئين- وهم معدودون من المسلمين- {منكم} يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصرارًا، ويجتهدون فيها اجتهادًا.. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم ويرسم حقيقتهم المنفرة، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة:

فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم.. هاهم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر ويكشف البواعث والدوافع.
ها هم أولاء- كما كانوا على عهد الرسول- صلى الله عليه وسلّم- وكما يكونون في كل زمان وكل مكان.
ها هم أولاء. ضعافاً منافقين ملتوين صغار الاهتمامات أيضاً: لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقاً أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد. وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة! إنهم يبطئون ويتلكأون، ولا يصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار:
يتخلفون عن المعركة.. فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين- في بعض الأحايين- فرح المتخلفون وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة:
{فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً} ..

إنهم لا يخجلون- وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة- أن ينسبوها لله. الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبداً. فنعمة الله لا تنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة! إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله. عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله. ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطىء الأقدام في هذه الأرض.. كالنمال.. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء- في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله- هو فضل واختيار من الله، يختص به من يشاء من عباده ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولا تملكهم. وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة.. في منازل الشهداء..
إن الناس كلهم يموتون! ولكن الشهداء- في سبيل الله- هم وحدهم الذين يستشهدون .. وهذا فضل من الله عظيم."(13).

ولا أخال أحدًا يتأمل في هذه الآية، ثم ينظر مِن حوله إلا وجد من هؤلاء أعدادًا، ولتبطئتهم أشكالًا، ولأساليبهم ألوانًا حِربائية، وقد أقام الله تعالى عليه الحجة بهذه الآية.

والله أعلم، وأحسب أنها تحتاج إلى ضغط واختصار، حيث إنها طالت، فعذرًا.
-------------------------------------
(6)- ابن عطية: المحرر الوجيز:2/77
(7)- الطبري؛ جامع البيان في تأويل القرآن:8/539، وانظر: الأخفش: معاني القرآن:1/261 وابن عطية: المحرر الوجيز:2/77. أبو محمد مكي بن أبي طالب؛ الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره:2/ 1385.
(8)- محيي الدين درويش؛ إعراب القرآن وبيانه:2/259
(9)- انظر:الرازي؛ مفاتيح الغيب:10/138-139، والثعلبي: الكشف والبيان عن تفسير القرآن:3/343.
(10)- انظر: الرازي؛ مفاتيح الغيب:10/138-139، والمراغي، التفسير:5/88-89، وتفسير عبد الرحمن السعدي:186.
(11)- كما ذكر المراغي في تفسيره [5/88].
(12)- عبد الكريم يونس الخطيب (المتوفى: بعد 1390هـ)؛ التفسير القرآني للقرآن:3/834.
(13)- سيد قطب؛ الظلال:2/706.

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

المقال السابق
(6) لَيُبَطِّئَنَّ، لَيُبْطِئَنَّ (1 /2)
المقال التالي
تشديدة (7): بأي ذنبٍ قُتِّلَتْ