الطاعنون في السنة قديماً وحديثاً

منذ 2014-08-29

المعتزلة ردوا أحاديث الشفاعة لمعارضتها لأصلهم في الوعيد، وهوأن مرتكب الكبيرة عندهم مخلد في النار؟ كما ردوا أحاديث الصفات، لمعارضتها لأصلهم في نفي الصفات عن الله كما ردُّوا حديث: «الشقي من شقي في بطن أمه» لمخالفته لأصلهم في القدر.

إن التشكيك في مصادر التلقي قديماً وخصوصاً السنة منذ الصدر الأول للإسلام، وقد أخذت الآن طابع مؤسسي كالعقلانيين والحداثيين ومن قبلهم المستشرقين، ولهذا فإننا في هذا المقال نعرف بهولاء المشككين في القديم والحديث لكي يعرف المسلم الشر لا للشر لكن لتوقيه (إدارة الموقع).

* الطاعنون في السنة قديماً وحديثاً
أ- المعتزلة:
1- وهؤلاء ردوا كثيراً من السنة لمخالفتها للعقل.
2- لما ذكر لعمرو بن عبيد المعتزلي حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو سمعت الأعمش -أحد الأئمة- يقول هذا لكذبته، ولو سمعت رسول الله لرددته يقول هذا: لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا".


3- والمعتزلة ردوا أحاديث الشفاعة لمعارضتها لأصلهم في الوعيد، وهوأن مرتكب الكبيرة عندهم مخلد في النار؟
* كما ردوا أحاديث الصفات، لمعارضتها لأصلهم في نفي الصفات عن الله كما ردُّوا حديث: «الشقي من شقي في بطن أمه» (صحيح الجامع:3685) لمخالفته لأصلهم في القدر.
* إنكارهم لأحاديث رؤية الله في الجنة، ولأحاديث عذاب القبر.. وغيرها.
4- طعنهم في الصحابة، رواة الحديث وحفظته.

أ- فهذا واصل بن عطاء يقول: "لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم".
- وقال النظام عن عمر رضي الله عنه: "إنه شك يوم الحديبية، واتهم النظام عمر بأنه كتم الوصية لعلي وبايع أبا بكر".

- واتهم النظام ابن مسعود بالكذب لروايته حديث انشقاق القمر، وحديث: «السعيد من سعد في بطن أمه» (صحيح الجامع:3685)، وطعن في غيره من الصحابة، وتلك سمة من سمات هؤلاء قديماً وحديثاً.

ب- الخوارج: سبق نقل قول أحد أساتذتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، والخوارج يعدلون جميع الصحابة قبل الجمل وصفين، ثم يكفرون-أو يفسقون- علياً وأصحاب الجمل وصفين والحكمين ومن رضي بالتحكيم.

- ولهذا ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة.
وسنعرض -إن شاء الله- لرأي الخوارج المعاصرين حينما نتكلم عن منكري السنة حديثاً.
ج- الرافضة: وهم شر الطوائف طعناً في الصحابة وسباً لهم ووضعاً للأحاديث:
1- وأخطر ما في الرافضة وضعهم للأحاديث المكذوبة، ولقد كشف أئمة الحديث أمرهم قديماً:
فقد سئل الإمام مالك رحمه الله عنهم فقال: "لا تكلمهم ولا ترد عليهم فإنهم يكذبون"، ويقول شريك بن عبد الله -مع ميله لعلي رضي الله عنه: "احمل عن كل ما لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً"، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: "ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة".

2- سبهم للصحابة وقولهم بردتهم جميعاً -إلا عدداً قليلاً-:
* روى الكليني -الرافضي- بإسناده إلى أبي جعفر أنه قال: "ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة: المقداد وسلمان وأبو ذر".

* ورووا عن عبد الرحمن القصير قال: "قلت لأبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: يا عبد الرحمن! إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير، جعلوا يبايعون سعداً وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية".

3- طعنهم في الصحابة -رواة الحديث- وطعنهم فى عدالتهم.
يقول شرف الدين الموسوي الرافضي: "إن أصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم، وحسبك منه سورة التوبة والأحزاب".

4- وترتب على ذلك رفضهم للسنة الواردة عن طريق أهل السنة.
يقول حسين بن عبد الصمد العاملي الرافضي: "وصول الأخيار إلى أصول الأخبار، فصحاح العامة -يقصدون أهل السنة- كلها وجميع ما يروونه غير صحيح".

ولهذا فالسنة عندهم مخالفة العامة أي أهل السنة، وقد عقدوا أبواباً وأوردوا روايات كثيرة في ذلك.
منها: ما يروونه -كذباً وزوراً- عن جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فخذوا بما خالف القوم" وأنه قال: "ما خالف العامة ففيه الرشاد"، وقوله عن أهل السنة: "والله ما بقي في أيديهم شيء من الحق إلا استقبال الكعبة فقط".

د- الزنادقة: وهؤلاء وضعوا أحاديث لتشويه سمعة المسلمين، وللتنقيص من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم:
ا- فمما وضعوه وكذبوه حديث: "ينزل ربنا عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة".
2- ومما وضعوه حديث: "إن الله اشتكى عينيه فعادته الملائكة -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-".
3- وغيرها كثير وكثير.

أعداء السنة في العصر الحديث:
أولأ: المستشرقون: وعلى رأسهم أستاذهم وأستاذ المستغربين من المسلمين (جولد تسيهر)، الذي ألف كتاباً قبل مائة عام بعنوان (دراسات إسلامية).
حيث صار مصدراً لكل من أتى بعده، في الطعن في الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة.

وبعده جاء (شاخت) وغيره..، وليس بمستغرب على هؤلاء، ولا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا، لولا أنهم صاروا مدرسة لكل طاعن في السنة النبوية الشريفة، و(جولد تسيهر) طعن في الإمام الزهري واتهمه بوضع الأحاديث إرضاءً لبني أمية، ومن ذلك: زعمه أنه وضع لعبد الملك بن مروان حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ومنها: الأقصى حتى يصرف الناس إلى الأقصى بدل مكة التي كان فيها ابن الزبير.

ولما التقى السباعي بالمستشرق (شاخت) وناقشه في مفتريات أستاذه (جولد تسيهر) وتحريفاته- كان يجيب شاخت بالاعتذار عنه. فقال له السباعي: (إن جولد تسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تبني حكمها في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه،فلماذا لم يستعمل مبدأه هنا حين تكلم عن الزهري؟!وكيف جاز له أن يحكم على الزهري بأنه وضع حديث فضل المسجد الأقصى،إرضاء لعبد الملك بن مروان ضد ابن الزبير، مع أن الزهري لم يلق عبد الملك إلا بعد سبع سنوات من مقتل الزبير؟).

يقول السباعي: "وهنا اصفر وجه (شاخت) وأخذ يفرك يداً بيد وبدا عليه الغيظ والاضطراب، وأنهيت الحديث معه.."، وإنما ذكرت هذا المثال لأن كثيراً من العلمانيين والحداثيين في دراستهم للتراث -ومنه السنة- تشربوا هذا المنهج الاستشراقي التبشيري، وقد طعنوا في حديث الذباب ولطم موسى ملك الموت وغيرهما.

ثانياً: العقلانيون وأذنابهم: وهم تلاميذ المدرسة العقلية.
ولا يقولن قائل: (إن المعتزلة انقرضوا)، بل لا تزال أفكارهم ومنطلقاتهم باقية إلى اليوم، بل إن أحد أكبر دعاة هذا المنهج دعا في إحدى المناسبات الفكرية إلى أن يكون للمعتزلة تجمع، كما أن لغيرهم تجمعات..

ا- فهذا أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) خاض وماج في قضايا كثيرة، منها قضية السنة، وقد ناقشه السباعي رحمه الله مناقشة مطولة في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي).

2- وهذا محمد عمارة أشهر من يتبنى منهج الاعتزال والعقلانية المنحرفة، يقول في كتابه (الإسلام وقضايا العصر): "نحن مطالبون حتى نكون متبعين للرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزام سنته التشريعية -أي تفسير القرآن- لأنها دين، أما سنته غير التشريعية، ومنها تصرفاته في السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع، والقضاء ومثلها ما شابهها من أمور الدنيا، فإن اقتداءنا به يتحقق بالتزامنا بالمعيار الذي حكم تصرفه صلى الله عليه وسلم، فهو كقائد للدولة كان يحكم فيها على النحو الذي يحقق المصلحة للأمة، فإذا حكمنا كساسة بما يحقق مصلحة الأمة وكنا مقتدين بالرسول صلى الله عليه وسلم حتى ولو خالفت نظمنا وقوانينا ما روي عنه في السياسة من أحاديث، لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة".

ويقول أيضاً: "علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ما كان ديناً فمرجعه الوحي والتنزيل، وما كان دنيا بما فيها الدولة والسياسة فالمرجع فيها العقل والتجربة الإنسانية..".

ويقول ما هو أدهى وأمر: "والفرق بين المسلمين وأهل الكتاب ليست من الخطر بحيث تخرج الكتابيين من إطار الإيمان والتدين بالدين الإلهي".

ثالثأ: الحداثيون: وهؤلاء ليست القضية معهم خاصة بهذا الموضوع، بل ما هو أشمل، وهو موقفهم من الدين الإسلامي ومصادره وأصوله كلها.

ولكن سأذكر نماذج من مواقفهم من السنة فقط، وإلا فموضوعهم طويل:
أ- يقول أحدهم -وأنزه المنبر من ذكر اسمه-: "أرضنا البيد غارقة، طوق الليل أرجاءها، وكساها بمسجده الهاشمي فدانته لعاداته معبداً".

2- ونشرت صحيفة (اليوم) بتاريخ 6/11/1406 هـ محاضرة لأحدهم ألقاها في المملكة العربية السعودية، ومما قاله المحاضر عن أمته: "الإسلام ينسلخ من الجوهر بما فيه من المثل والقيم والمبادئ ليغرق في هامشيات، وأقول يغرق، لأنه -للأسف- ما زال غريقاً حتى اليوم يغرق في ماذا؟ في تحريم أو استكراه لبس الجلباب وتقصيره إلى ما فوق الكعبين، وضرورة الأكل باليمين، وكراهية استعمال الملعقة والشوكة والسكين، واستحباب لعق الأصابع.. إضافة إلى مسائل أخرى، منها: الاحتفال بمولد النبي والتوسل بالأولياء والصالحين".

3- بل بلغ بهم الاستهتار بالسنة أن قلد أحدهم منهج المحدثين وهو يتحدث عن أزمة الفن والغناء. فيقول: "حدثنا الشيخ إمام عن صالح بن عبد الحي عن سيد بن درويش عن أبيه عن جده قال: يأتي على هذه البلاد زمان إذا رأيتم فيها أن الفن أصبح جثة هامدة فلا تلوموه ولا تعذلوا أهله، بل لوموا أنفسكم"! قالها وهو ينتحب فتغمده الله برحمته وغفر له ذنوبه، وهكذ ا... وهكذ ا...

رابعاً: الطاعنون من غير هؤلاء:
ا- أبو رية: تولى كبر الطعن في السنة، وقلد في طعونه من سبقه وألف كتابه (أضواء على السنة المحمدية)، وقد رد عليه: محمد عبد الرازق حمزة رحمه الله، في كتابه (ظلمات أبي رية)، والمعلمي رحمه الله في كتابه (الأنوار الكاشفة)، والسباعي رحمه الله في كتابه: (السنة).

2- ثم ظهر في سنة 1974م في مصر كتاب يطعن فيه صاحبه -والمدعو صالح أبو بكر- في صحيح البخاري، سماه: (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخاري منها) ذكر فيه -متابعة لشيخه أبي رية- للمستشرقين أكثر من 120 حديثاً يرى وجوب تطهير صجح البخاري منها.
3- وجاء بعد هؤلاء كثير تنتشر طعوناتهم المختلفة في السنة النبوية كـ(الغزالي) وغيره.

خامساً: الرافضة المعاصرون والخوارج المعاصرون:
لم تتغير آراؤهم ومواقفهم من السنة، فالرافضة تابعوا أسلافهم وربما زادوا عليها في طعونهم في السنة، والخوارج الأباضية ردوا أحاديث الرؤية المتواترة، وأحاديث الشفاعة وخروج الموحدين من النار، بناء على مخالفتها لأصولهم العقدية المنحرفة.

الموقف من أعداء السنة:
ا- كشف أمرهم وفضحهم.
2- العناية بالسنة والاهتمام بنشرها.
3- تربية الأمة على احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره.
4- الاحتساب على كل متنقصي الرسول صلى الله عليه وسلم أو طاعن في السنة وعدم التساهل معهم.

5- الدعوة إلى تطبيق السنة في حياة الأمة أفراداً وأسراً ومجتمعاتٍ ودولاً.
والحمد لله أنه لا تخلو الأمة في كل عصر-ومنه عصرنا هذا- ممن يدافع عن السنة وينشر مخطوطاتها، ويعمل على خدمتها جمعاً وتحقيقاً وتخريجاً وشرحاً ورداً على خصومها وفضحاً لهم. 

المصدر: موقع الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا.